مدة القراءة: 5 دقائق | إدلب, حلب, مقابلات

مبادرة فردية لإيواء مئات الأطفال الأيتام في المخيمات الحدودية السورية التركية المقفرة


مارس 9, 2017

يطوف مئات الأطفال اليتامى بين مجموعة من المخيمات العشوائية التي تقع على الحدود السورية التركية بحثاً عن الطعام والمأوى. ويتيه هؤلاء ضمن 60 ألف نازح سوري في مخيمات أطمة، وهي عبارة عن مجموعة من 54 مخيماً غير رسمي تتموضع على طول الحدود بين محافظة إدلب شمالاً وتركيا.

ويواجه هؤلاء الأطفال مشاكل تجتاح كل أهالي أطمة، مثل الاكتظاظ وطرق الصرف الصحي البدائية ونقص في المياه ومساعدات غذائية غير منتظمة والأمراض، ولكنهم يواجهونها جميعها وحدهم.

وفي تشرين الماضي، سئم النازحون في أطمة ومن بينهم محمد فرج هذا الحال وضاقوا ذرعا بمجرد مشاهدة الأطفال الشاردين الحيارى وهم يتسكعون في الطرقات الموحلة بين الخيم.وبالنتيجة “كان لا بد من فعل شيء”، حسب ما قاله فرج لمراسلة سوريا على طول آلاء نصار.

ولمواجهة الأمر، جمع فرج وبعض الأهالي مبلغ 15000 دولار لإنشاء دار أيتام، والتي كما قال هي الوحيدة في مخيم الكرامة، التابع لمخيمات أطمة.

وكان فرج يعمل في تجارة السيارات سابقاً، وغادر إلى أطمة في عام 2012، بعد أن قُصف منزله في كفرزيتا. وذكر أنه تمكن من ادخار بعض النقود من خلال عمله كبنّاء في المخيم ومن الاستدانة من أصدقائه.

وأوضح فرج أن دار الأيتام التي تأوي 100 طفل، يتم تمويلها بالكامل وإدارتها من قبل أهالي المخيم. وفي ظل افتقارها للموارد أو أي دعم من المنظمات الإنسانية فإن المتطوعين لا يمكنهم أن يتولوا اليتامى المشتتين في مخيم الكرامة، خصوصا وأن”هناك الكثير من الأطفال بحاجة لرعاية أكبر من ذلك ومازالوا مشردين بين الخيم، لم نستطع أن نقدم لهم الرعاية”.

من أين جاءت لك فكرة إنشاء مجمع للأيتام؟            

يوجد في المخيمات الحدودية التي يقطنها ما يقارب 3000 طفل يتيم من دون رعاية، 300 طفل منهم في قطاع الكرامة وحده، وبسبب أوضاع الحرب في سوريا التي خلّفت عددا كبيراً من الأيتام في الشمال السوري، وعدم وجود جهات تكفل الأيتام أو ترعاهم، جاءت فكرة إنشاء مجمع دار أيتام للأطفال فاقدي الأب والأم، ويضم المجمع حالياً ما يقارب 100 طفل يتيم بين عمر 4 و10 سنوات، من مختلف القرى والمحافظات السورية ممن فقدوا عائلاتهم بشكل كامل، ويقيمون حاليا بقطاع الكرامة، وهم غير مكفولين من أي جهة (منظمة أو جمعية).

جاءت فكرتنا كمتطوعين من منطلق أننا يجب أن نقدم كل ما لدينا لمستقبل أطفال شهداء قضوا على تراب هذا الوطن فداءا له، خصوصاً عندما نرى مناظر هؤلاء الأطفال التي تحرق القلب وهم سارحون مشردون بين الخيم لا مكان يأويهم ولا حضناً حنوناً يجمعهم، فهم محرومون من كل شيء وهذه هي غاية النظام وما يريده لأطفالنا لينشئ جيلاً جاهلا.    

هل يوجد دار أيتام أخرى تتبع لمخيمات أطمة؟

أنشئنا هذه الدار لجمع الأطفال اليتامى المشردين، والتي تعتبر تابعة إداريا لقطاع الكرامة أسميناه “مجمع دار الأيتام” (يحوي 65 مخيم ويبلغ عدد قاطنيه 12 ألف عائلة ما يقارب 45 ألف نازح) وهو إحدى قطاعات مخيم أطمة الذي أقيم أنا فيه (القطاع هو عبارة عن مجموعة من الخيم).

مجمع دار الأيتام الذي قمنا بإنشائه يعتبر الوحيد في منطقة المخيمات، حيث تبعد أقرب دار أيتام مسافة 20 كم وهي في منطقة الدانا ومنشأة منذ أربع سنوات.

كيف قمتم بجمع هؤلاء الأطفال؟ وكيف تم بناء الدار؟

بداية قمنا أنا وعدد من المتطوعين المهتمين بجمع أولئك الأطفال وتنشئتهم تنشئة صحيحة بعيداً عن حياة التشرد، وأصبحنا نمشي بين خيم القطاع ونجمع الأطفال اليتامى بمساعدة الأهالي، وتطوعنا بمبالغ جمعناها من نفقاتنا الشخصية وقمنا بإعمار بناء صغير يضم 4 غرف كبيرة غرفتين منهم للأطفال وغرفتين مخصصتين للمربيات والمعلمات، ومطبخ وساحة. لا يوجد أسرّة لهم بل ينامون جميعهم على فراش أرضي بجانب بعضهم البعض.

كان استقبال أول يتيم في الدار بتاريخ 2016/10/1 وبقي الاستقبال مفتوحاً إلى أن توقفت بسبب عجزي المادي عن استقبال أطفال أكثر وعدم وجود جهة تتبنى الأطفال بتاريخ 2016/11/15.

علماَ بأنه إلى تاريخ اليوم يأتينا أطفال لنضعهم في الميتم ولكننا لا نستطع ذلك.

وأصبحت بعدها تتهافت علينا الطلبات لإدخال أطفال للدار ولكن لم نعد نستطع إدخال أطفال أكثر من 100 طفل، لعدم توفر قدرة استيعابية لدينا لا مادية ولا حتى مكانية كوننا نقوم برعايتهم على حسابنا الشخصي، ولم تتكفلهم إلى الآن أي جهة للأسف.

وقد تم جمعهم فرداً فرداً، لم تكن هناك شروط أو قائمة للتسجيل بل نحن قمنا بجمعهم.

هل لك أن تسرد لي روتين الحياة اليومي لدى الأطفال؟ وما هي النشاطات والخدمات التي تقدمونها للأيتام داخل الدار؟

 الأيتام يعيشون حياة طبيعية هنا في المجمع، حيث أننا نقوم بتقديم وجبة الإفطار في الساعة السابعة صباحا، وبعدها مباشرة تبدأ الدروس التعليمية التي يتخللها نشاطات تعليمية وترفيهية من قبل الكادر التدريسي المتطوع معنا وهو عبارة عن مدرسات من داخل القطاع.

يتعلمون الأمور الحسابية والقراءة والكتابة الموجودة في مناهج الإئتلاف، بالإضافة إلى تلاوة القرآن وتأدية الصلوات في وقتها، كما أن هناك مربيات يقمن بالتحدث إلى الأطفال والترفيه عنهم ببعض الألعاب والنشاطات الترفيهية وسماع ما يدور ببالهم في محاولة لتعويضهم عما عانوه من فقدان ويعاملونهم كأبنائهم داخل الدار.

عدد العاملين المتطوعين في المجمع يقارب 18 فتاة من مربيات ومعلمات وحرس وممرضة، وكلهم من أبناء القطاع.

وبالنسبة للطعام يوجد لدينا طباخات يقمن بطبخ وجبات يومية وتقديمها للأطفال، حيث تقدم لهم 3 وجبات يوميا.

هل أثر عمل الدار بشكل إيجابي على الأطفال؟ وكيف تجدهم الآن؟

نعم بالتأكيد فقد تغيرت نفسياتهم، وأصبحوا أقل فوضى من ذي قبل بعد تنظيم حياتهم داخل الميتم، ونحن نحاول دائما أن نعيشهم أجواء منازلهم الحقيقية التي كان يجب أن يعيشوها قدر الإمكان.

هل هناك قصص للأطفال تعشش في ذهنك أكثر من غيرها؟

مر علي كثير من المواقف خصوصا عندما أجلس مع الأطفال، لأستمع لما يدور في بالهم وهناك العديد من القصص المؤثرة التي مرت عليهم التي كانوا يسردون لي إياها، فأنا أقضي أغلب وقتي معهم في أكثر الأيام، فمنهم من ما زال يذكر تفاصيل تيتّمه، فعلى سبيل المثال محمد ذو الـتاسعة، رأى والديه وإخوته جثثا هامدة أمام عينيه، عندما كان ذاهبا ليشتري الكعك من الدكان مرت الطائرة اللعينة ورمت سمّها فوق مدينته حلب لتقتل عائلته المؤلفة من أمه وأبيه وأختيه، ليعود إلى منزله ويراه حطاما فوق عائلته، وبقي الطفل مع فرق الإنقاذ ورأى جثث أمه وأبيه رغماً عن الفريق الذي أراد إبعاده عن المكان، ومن ثم اقتادته عائلة نازحة معها إلى المخيم، وطفل آخر من دوما يبلغ من العمر 6 سنوات فقد أباه أمام عينيه واعتقلت أمه ولم يتبق له أحد، فاصطحبه شخص يعرف عائلته معه إلى المخيم، ونحن هنا في المخيم نحاول كل ما بوسعنا أن ننسيهم مرارة الألم وما عاشوه علّنا نخفف عنهم شيئا من وجعهم خصوصا شعور الخوف الذي ينتابهم بشكل دائم من القصف والفقدان.

من أين تجلبون أموال لمأكلهم ومشربهم وثيابهم؟

هناك الكثير من الجهات التي جاءت إلينا وصوّرت الدار ووضع الأطفال وأتتنا بالكثير من الوعود ولكن لم ينفذ شيئ منها، وأنا أناشد جميع المنظمات الإنسانية أن توفر مشاريع تكفل هؤلاء الأطفال المنسيين في المخيمات الحدودية وخاصة الأيتام منهم، فأنا أقدم ما علي فقد أصبحت في الأيام الأخيرة أحرم أطفالي ومنزلي لأطعم الأطفال من نفقتي، ولم يعد لدي إمكانية لذلك، وإن لم يلبني أحد سأضطر في النهاية لإغلاق الميتم وسيعود الأطفال لحياة التشرد التي كانوا يعيشونها.

هناك الكثير من الأطفال بحاجة لرعاية أكبر من ذلك وما زالوا مشردين بين الخيم، لم نستطع أن نقدم لهم الرعاية بسبب عجزنا وعدم قدرتنا على استقبال المزيد منهم.

الوضع تعيس جدا. بالنسبة لي لا أريد أن أنقص شيئا على الأطفال وبنفس الوقت هناك ما يخنقني إذ أنني استدنت على مدار أشهر مبلغ 8000 دولار من عدة أشخاص كي لا أقطع الطعام والشراب على الأطفال في الميتم.

ترجمة: فاطمة عاشور

آخر التقارير…