مدة القراءة: 5 دقائق |

محرومون من “حق الطفولة”: أزمة “الكملك” تطال أبناء اللاجئين السوريين في تركيا


بقلم عمر نور

أبريل 21, 2022

باريس- بحثاً عن حياة أفضل لأبنائها، تحملت مزنة الراغب مخاطر طريق “التهريب” للعبور إلى تركيا، لكن بعد أكثر من عام على وصولها تشعر بالأسى عليهم لأنهم “لم يحصلوا على حقوقهم في مكان إقامتهم الجديد، بعد أن أخذوا نصيبهم من الحرب في سوريا”.

في كانون الثاني/ يناير 2021، قررت مزنة، 38 عاماً، مغادرة مدينة الباب بريف حلب الشمالي، الواقعة تحت سيطرة المعارضة السورية المدعومة من تركيا، رفقة أبنائها الثلاثة “بعد معاناة طويلة مع سوء الأوضاع المعيشية”، خاصة بعد مقتل زوجها، مطلع العام 2017، على يد تنظيم داعش، الذي كان يسيطر على المدينة.

وبعد ستة أشهر على إقامتها في ولاية مرسين، جنوب تركيا، استصدرت أثناءها بطاقة الحماية المؤقتة “الكملك”، انتقلت مزنة مع أبنائها البالغة أعمارهم 7 و13 و16 سنة إلى مدينة اسطنبول، “للعيش بالقرب من أختي المتزوجة فيها، وبحثاً عن فرصة عمل تتناسب مع حالتي الصحية”، حيث تعاني من انزلاق غضروفي (ديسك)، بعد أن عجزت عن تأمين عمل في مرسين، كما قالت لـ”سوريا على طول”.

اصطدمت مزنة بعدم إمكانية استكمال تعليم أبنائها في المدارس الحكومية “نظراً لأن الكملك صادر عن ولاية أخرى، ما يعني فقدان حقهم في التعليم هنا”، بحسب قولها. لكن بعد محاولات “وافق مدير إحدى المدارس تسجيل ابني الصغير، متعاطفاً مع حالتي”، فيما انخرط الآخران في سوق العمل لتأمين مصاريف العائلة.

ونشرت وزارة التربية التركية، في 31 آذار/ مارس الماضي، تقريراً قالت فيه أن 393 ألفاً و547 طفلاً سورياً لا يستطيع الذهاب إلى المدرسة، ويشكلون نسبة 35% من إجمالي عدد الطلبة السوريين في سن المدرسة على الأراضي التركية، البالغ عددهم مليون و124 ألف طفل. 

المعيشة على حساب التعليم

في أواخر العام 2020، وصلت خلود المصري، 40 عاماً، إلى تركيا، رفقة زوجها وأطفالها الثلاثة، قادمة من لبنان بعد أن تدهورت الأوضاع الاقتصادية فيها حتى “صارت أسوأ من سوريا، التي خرجنا منها لنفس السبب”، كما قالت لـ”سوريا على طول”.

وتزامن وصول المصري، مع تشديد السلطات التركية على إصدار “الكملك” للسوريين في اسطنبول، ما دفعها إلى استصداره من ولاية أورفة جنوب تركيا، والعودة إلى اسطنبول لأن “فرص العمل فيها أكبر”. وعليه، حُرم أطفالها، البالغة أعمارهم 10 و13 و15 سنة، من الالتحاق في المدارس التركية.

ترددت المصري على أكثر من مدرسة حكومية في اسطنبول لتسجيل أطفالها، لكن في كلّ مرة “يطلب المسؤول كملك اسطنبول كشرط لقبولهم”. وبالنسبة لها “العودة إلى أورفة غير ممكنة، إذا رجعنا من أين سنأكل ونشرب؟”، تساءلت المصري.

وبعد عجز زوج المصري، 50 عاماً، عن إيجاد فرصة عمل له، اضطر اثنين من أبنائها للعمل، لمساعدة أمهم، التي تعمل “في مجال الخياطة وبشكل متقطع”، ويحصل الطفلان على 6,000 ليرة تركية شهرياً، أي ما يعادل 400 دولار أميركي تقريباً، لقاء عملهما.

ومع إقرارها بحق أطفالها في التعليم وأهميته لمستقبلهم، وجدت المصري نفسها أمام خيارين، إما البقاء في اسطنبول لتأمين معيشة أفضل أو العودة إلى أورفة فاختارت الأول، متفقة في ذلك مع مزنة الراغب، التي دفعتها ظروفها المعيشية، وغياب المعيل، إلى تفضيل عمل أطفالها في اسطنبول على العودة إلى مرسين.

وفي حالة أخرى، حُرم عمر العبد، 18 عاماً، المهجر من الغوطة الشرقية، من استكمال تعليمه في المدارس الحكومية بمدينة اسطنبول، الذي وصل إليها مع عائلته في شباط/ فبراير 2020، بسبب “الكملك” أيضاً، رغم أن والده “يحمل كملك صادر من ولاية اسطنبول”.

وأرجع العبد عدم حصوله على الكملك “إلى مزاج موظف دائرة الهجرة” الذي استلم معاملة الأب ورفض معاملة الابن، ونفى العبد لـ”سوريا على طول” وجود أي أسباب أخرى.

تعليقاً على ذلك، قال أسامة حنفي، موظف سابق في وزارة التربية التركية، والمتابع لشؤون الطلبة السوريين في تركيا، إن “الفقر والعوز المادي من أهم أسباب تسرب الأطفال السوريين عن المدارس”، لكن هذا لا ينفي أن مشكلة “الكملك” تعد أحد الأسباب أيضاً، كما أوضح لـ”سوريا على طول”، مؤكداً أن “اللاجئين الذين يحملون كملك من ولاية غير التي يقيمون فيها لا يحق لهم التسجيل في المدارس الحكومية”.

وأشار حنفي، إلى أن تداعيات “الكملك” على حق الأطفال السوريين في التعليم بدأت بعد العام 2018، إذ قبل ذلك كان يسمح للاجئين “استصدار الكملك من الولاية التي يقيمون فيها، ويمكن لأطفالهم الحصول على التعليم في المدارس الحكومية”.

لكن بعد العام 2018، أوقفت السلطات التركية إصدار “الكملك” للسوريين في المدن المكتظة، كما في اسطنبول، ولكنها “استثنت من كان يقيم قبل هذا التاريخ ويحمل الكملك من ولاية أخرى، وأعطت لأبنائه الحق في مواصلة تعليمهم مكان إقامتهم”.

وكان تقرير وزارة التربية التركية، الذي نشر في أواخر آذار/ مارس الماضي، قد أرجع تسرب الأطفال من المدارس التركية لعدة أسباب، منها: الحالة المادية الصعبة التي تعيشها الأسر السورية ما يدفع الأبناء إلى العمل، وحاجز اللغة، لكن لم يذكر التقرير مشكلة “الكملك”.

حقوق ضائعة

تصريحات وزارة التربية التركية عن تسرب الأطفال السوريين من المدارس، أعادت إلى الواجهة مشكلة اللاجئين السوريين مع “الكملك”، وتداعيات ذلك على أطفال “المخالفين” وحرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما فيها التعليم والصحة.

وقال د. مهدي داوود، المنسق العام لطاولة الحلول، وهي مجموعة من المنظمات والشخصيات الأكاديمية المهتمة بالشأن السوري العام في تركيا، إن عدم وجود كملك لدى العائلة السورية، يعني “حرمان الطفل من الصحة والتعليم والمساعدات الإنسانية والاجتماعية، باستثناء الحالات الإسعافية”.

تأكيداً على ذلك، لا تحصل خلود المصري على المساعدات المخصصة من الهلال الأحمر التركي لحملة “الكملك” من اللاجئين السوريين، رغم تحقيقها للمعايير التي اشترطها الهلال الأحمر لتقديم المساعدة، وهو “أن تتكون العائلة من زوجين وثلاثة أطفال”، لكن “إقامتنا في ولاية غير التي حصلنا فيها على الكملك يفقدنا الحق بالمساعدة”.

أما مزنة الراغب، تلجأ إلى ارتكاب مخالفة قانونية أحياناً من أجل الحصول على الخدمات الصحية المجانية لأبنائها، وذلك باستخدام “الكملك” الخاص بابن أختها، وهو ما فعلته مطلع العام الحالي، عندما “تعرض ابني لإصابة في أنفه، فاضطررت لمراجعة أحد المستشفيات مستخدمة وثائق ابن أختي”، بحسب قولها.

أكثر من ذلك، أجبرت الظروف المعيشية اثنين من أبناء الراغب على العمل في معمل للخياطة، بأجر بسيط وساعات عمل طويلة، إذ “يعملون لمدة 12 ساعة يومياً، وأحياناً يُجبرون على العمل في أيام العطل الرسمية”، كل ذلك مقابل أجر يتراوح بين 300 و500 ليرة تركية أسبوعياً، أي ما يعادل 20 و35 دولاراً.

تحت وطأة الضغط النفسي

في ظل أزمة الأوراق الرسمية التي يعاني منها السوريون في تركيا، وما يترتب عليها من حرمان الأطفال لبعض حقوقهم، تبرز بعض البدائل المؤقتة، لكن “لا حلول جذرية إلا بعودة اللاجئين إلى الولاية التي استخرجوا الكملك منها، أو نقل الكملك إلى الولاية التي يعيشون فيها”، وفقاً لأسامة حنفي.

وفيما يخص تعليم الأطفال، اعتبر د. مهدي داوود أن الحل الأمثل للأطفال الذين فقدوا حقهم في التعليم بالمدارس الحكومية “الدراسة عن بعد أو الدراسة الحرة، وهو خيار موجود في تركيا، ويحصل الطلبة المسجلون في هذه البرامج على شهادات رسمية موثقة من وزارة التربية التركية”.

الأفضل من ذلك، بحسب داوود، أن يحاول المخالفون في مكان إقاماتهم “الحصول على إذن عمل ومن ثم نقل الكملك إلى مكان الإقامة”، مستدركاً: “الأمر صعب، لكنه ليس مستحيلاً”.

وعلى صعيد القطاع الصحي، وجد عمر العبد في المراكز الصحية السورية، التي تقدم خدماتها بأسعار مخفضة، مكاناً بديلاً عن المستشفيات والمراكز التركية، التي تشترط حيازة اللاجئ السوري لـ”كملك” من نفس الولاية.

أمام هذا الواقع، تشعر خلود المصري بالذنب حيال أبنائها، وكأنها السبب “في تدمير مستقبلهم”، رغم أنها غادرت دمشق إلى بيروت، ومن ثم انتقلت إلى اسطنبول، “بحثاً عن حياة أفضل للعائلة”. لكن نقيضاً لذلك، تجد أبناءها بلا تعليم ويقضون ساعات طويلة في العمل على عكس أقرانهم من الأطفال. 

يتعاظم هذا الشعور عند المصري في الأشهر الأخيرة، لا سيما مع تشديد السلطات التركية إجراءاتها بحق المقيمين المخالفين في الولايات التركية، لذلك لم يعد أمامها من خيار إلا “السماح لأولادي بالهجرة إلى أوروبا عبر التهريب”.

أيضاً، تعيش مزنة الراغب تحت ضغط نفسي يزيده “حالة القلق والتوتر لدى أولادي خشية أن يتم ترحيلهم إلى سوريا إذا تم ضبطهم في عملهم أو أثناء تنقلهم”، بحسب قولها، معتبرة أن ما تعيشه اليوم “هو امتداد للأزمة النفسية التي أصابتنا في سوريا”.

لا يغيب عن الراغب التفكير بمستقبل أفضل لأولادها، ولكن مع عجزها عن اتخاذ أي شيء لأجلهم، وغياب الحلول على المدى المنظور “يكبر الخوف في داخلي، وحالتي النفسية تزداد سوءاً”.