مدة القراءة: 8 دقائق | دمشق, مقابلات

مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان يتحدث عن عملها خلال سنوات الحرب الستة: مع استمرار القتل والانتهاكات نحن لا نستطع التوقف


فبراير 16, 2017

كيف كانت سنة 2016 مقارنة مع سنوات الحرب الأخرى في سوريا؟ إلى أين تتجه هذه الحرب؟ وكيف أصبح حال المعارضة السورية الآن؟

رجل واحد، عمل طوال سنوات الحرب السورية، لتكون لديه إجابة عن هذه الأسئلة، من خلال توثيق الانتهاكات التي ترتكبها جميع الأطراف المشاركة في هذه الحرب، دون توقف.

حيث يقول فضل عبد الغني، مؤسس ومدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان “مع استمرار القتل والانتهاكات نحن لا نستطع التوقف”.

وترصد الشبكة السورية لحقوق الإنسان، والتي تتخذ من بريطانيا مقرا لها، أحداث الحرب السورية من خلال شبكة مراسليها المتواجدين على الأرض. وفي الشهر الماضي، نشرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقريرها السنوي لهذا العام الذي يوثق القتل، النزوح، استخدام الأسلحة المحرمة إضافة إلى الاعتقالات التعسفية من قبل جميع الأطراف المعنية في الصراع.

ففي عام 2016، توفي ما مجموعه 17 ألف سوري في الحرب، في حين كانت سوريا هي الأسوأ عالميا من ناحية القتل والموت تحت التعذيب، كما يقول عبد الغني، لآلاء نصار، مراسلة سوريا على طول، من مكان إقامته في قطر “حيث أنه لا يوجد إحصائيات مشابهة لها في كل بلدان العالم”.

ويضيف عبد الغني، أما هذا العام “الحرب تسير نحو مزيد من التعقيد”، ففي كانون الثاني كانت الضربات الجوية للتحالف الدولي في الشمال السوري “تتفوق على روسيا بقتل المدنيين“.

الأسبوع الماضي، أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقريرها لعام 2016، والذي يوثق انتهاكات حقوق الإنسان من قبل جميع الأطراف المشاركة في الحرب. عندما تنظر إلى  الأشهر الـ12 الماضية، ما الذي تستخلصه من عام 2016 مقارنة بسنوات الحرب السابقة؟

صحيح أننا فقدنا 17 ألف سوري في عام 2016، لكنها أقل حصيلة من الضحايا  مقارنة  بالأعوام الماضية، والسبب الرئيسي يعود إلى أن هناك تهجير كبير للمدنيين في جميع أنحاء سوريا بشكل ملحوظ لهذا العام، نتيجة النزوح الداخلي واللجوء، وهذا الأمر لا يأخذه القارئ بعين الاعتبار، لأنه كثيرا ما تأتينا أسئلة بأنه هل يعقل أن إحصائية البراميل السنوية المذكورة (13 ألف برميل)  قتلت هذا العدد فقط من المدنيين؟

البراميل في هذا العام حصدت من الدمار في  البنى التحتية والأبنية أكثر مما حصدت من الأرواح، ويعود ذلك لتشرد الشعب السوري والذي نصفه يتراوح بين نازح ولاجئ ومشرد، وبالتالي معدلات القتل أقل، مع العلم أن مستوى (وتيرة) القصف ذاتها منذ سنوات.

ونحن كشبكة توثيق نركز على توثيق أعداد الضحايا أولا، لأن القتل هو أعظم الانتهاكات.

ولم نلاحظ فرقا كبيرا بأعداد القتلى الذين سقطوا تحت التعذيب في سجون النظام، فالنظام ما زال يعمل عليها بشكل منفصل عن القصف اليومي، وكلنا يعلم بأن أعداد المعتقلين كبيرة جدا، حيث يوجد ما يقارب 90 ألف معتقل في سجون النظام وحده، منهم 500 معتقل ماتوا تحت التعذيب خلال هذا العام فقط و”هو رقم مخيف”، وما تبقى من الأطراف لديهم حوالي 20 ألف معتقل.

سوريا هي الأسوأ عالميا من ناحية القتل والموت تحت التعذيب، حيث أنه لا يوجد إحصائيات مشابهة لها في كل بلدان العالم، مع العلم أن ضحايا التعذيب مشمولين مع الضحايا الإجماليين.

إضافة لعمليات الاعتقال، المستمرة بنفس وتيرة الأعوام الماضية، حيث أن هناك ما يقارب الـ10 آلاف معتقل في سجون النظام وهو رقم مرعب أيضا.

كما أننا نلاحظ  بتقرير هذا العام تدخل القوات الروسية بشكل كبير عن الأعوام السابقة، ومشاركتها بالقصف إلى جانب النظام، وزيادة في تدخل الميليشيات الإيرانية والعراقية واللبنانية الشيعية في حكم البلاد مع روسيا حليفة النظام، وهم متصدرون عن بقية الأطراف، وقد وثقنا تلك المقارنات بتقرير هذا العام.

وإذا انتقلنا إلى نقطة الاستخدام غير المشروع للأسلحة، فنحن نركز هنا على الأسلحة الكيميائية والعنقودية لأنها تعتبر محرمة دوليا، وذات استخدام حساس جدا، وفي استخدامها تجاوز للخطوط الحمر في مجلس الأمن، ومع ذلك فإننا نلاحظ أن النظام استخدم الأسلحة الكيميائية 14 مرة في عام 2016 وحده، واستخدمها تنظيم داعش مرة واحدة، كما أنه استخدم الأسلحة العنقودية 171 مرة، ومن تلك الإحصائية نجد أن سوريا هي الأسوأ في العالم من حيث استخدام الأسلحة الكيميائية والعنقودية أيضا. ونحن تحدثنا عن استخدام روسيا للذخائر العنقودية في سوريا بتقرير موسع لهذا العام.

وفي النهاية لا نستطيع ألا نسلط الضوء عما خسرته سوريا من كوادر طبية وإعلاميين، ولربما نسبة خسارة الكودار الطبية لهذا العام أعلى من السنوات السابقة، وقد تم توثيق أعدادهم مع الضحايا المدنيين، وخلال توثيقنا لاستهداف المراكز الحيوية في سوريا خلال عام 2016 (والتي قدرت بـ1373 منشأة حيوية)، كانت المشافي من أكثر المراكز التي استهدفت بهذا العام، بما يقدر بـ89 منشأة طبية بين مشفى وعيادة ومستوصف ومركز طبي.

إحصائيات صادرة عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان، تقرير عام  2016.

في عام 2016، رأينا القسم الشرقي من حلب، الخاضع لسيطرة المعارضة، وآخر معقل للمعارضة في المدينة الكبيرة، يسقط بيد النظام السوري. من جهة أخرى شاهدنا قوى أجنبية، تحديدا تركيا وروسيا، تزيد من نفوذها العسكري والسياسي في سوريا. شهدنا أيضا عدة بلدات في ريف دمشق تقبل بالاستسلام والتفاوض مع النظام وإجلاء الثوار وأسرهم باتجاه محافظة إدلب. كيف تبدو المرحلة المقبلة من الحرب السورية؟ وإلى أين تسير هذه الحرب؟

الحرب تسير نحو مزيد من التعقيد، خاصة بعد الذي رأيناه من التمايز بين الفصائل (المعارضة) في سوريا، وأنا في رأيي أن هذا ما يدفع إليه النظام وحليفته روسيا بشكل كبير.

فهو بوضعه للفصائل كلها في مكان واحد (إدلب)، وكأنه يقول لهم هذه هي حاضنتكم الشعبية وهذه هي مواردكم.

(وفقا لتقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان لعام 2016، تم نقل ما يقدر بنحو 125 ألف مدني ومقاتل في المعارضة من ريف دمشق إلى إدلب من خلال تسوية الأوضاع مع النظام العام الماضي).

وبهذا الحال من المؤكد أن يحدث انقسام واقتتال بينهم، وهذا الأمر معروف من خلال دراستنا لعلم الاجتماع، عندما يكون لديك محدودية في الموارد فالموارد واحدة، والحاضنة الاجتماعية ذاتها فبالتالي أنت ستقاتل لتكسب موارد أكثر وحاضنة اجتماعية أكبر، وهذا الأمر يتحقق الآن نحن الآن نرى هيئة فتح الشام ونرى أنه فعليا هذا ما يحدث في إدلب.

(بعد أكثر من أسبوع من الاقتتال العنيف، تشكلت اثنتين من الفصائل الإسلامية الرئيسية في محافظة إدلب وريف حلب الغربي، الشهر الماضي: هيئة تحرير الشام، وهو تحالف يضم جبهة فتح والشام وحلفائها، وأحرار الشام، التي اندمجت مع الفصائل الأصغر حجما في المنطقة).

والجدير بالذكر أن طول أمد النزاع في سوريا وارتكاب المجازر وعدم المحاسبة أدى بدوره إلى تطرف الناس وبالتالي كل ما سبق هو مكسب للنظام الذي يعمل على حشر الناس بمحافظة واحدة ألا وهي إدلب.

وقد سعى له وحققه، وبالتالي يبرر قصفه لتلك المناطق، خصوصا بعد توسع القاعدة في إدلب  بانصهار عدد من الفصائل وانضمامها لهيئة تحرير الشام التي تتبع للقاعدة والمصنفة على لائحة الإرهاب، ونحن قد نبهنا الفصائل من ذلك الخطر، فأنت عند انضمامك للقاعدة أصبحت قاعدة، ولن يعد هناك تمايز بانتمائك لفصيل سابق، وأنت بهذا الأمر أضفت جهة جديدة لتقصفك وهو التحالف الدولي الذي يقصف بدقة أكبر ويحصد قادات وعناصر أكثر، بعد أن أصبحت الهيئة تضم سوريين في معظمها، عقب انضمام فصائل مجتمعية (من المجتمع السوري) لها كنور الدين الزنكي ولواء الحق، والتي انضمت لأسباب ربما بعد تهدد كيانها وخوفا من الاضمحلال، ولكن التحالف سيرى جميع الفصائل التي انضمت للقاعدة على أنها قاعدة ولن يميز بينها في قصفه.

وفي اعتقادي أن هذا السيناريو الكارثي السابق سيأخذ سوريا مستقبلا إلى الأسوأ بدون أدنى شك، ومن أسوأ الأمور التي حدثت في سوريا والثورة السورية على الإطلاق، لأنه سيتم قصف عناصر وقادات ومدنيين من الحاضنة الشعبية من قبل التحالف الدولي، فضلا عن القصف النظامي والروسي، وهذا ما شهدناه باستهدفات للتحالف لهيئة تحرير الشام دون أي تمييز.

(منذ الإعلان عن تشكيل هيئة تحرير الشام في  29 كانون الثاني، ادعت وزارة الدفاع الأمريكية أنها شنت غارتين جويتين على محافظة إدلب، مما أسفر عن مقتل 11 “إرهابيا من تنظيم القاعدة”).

وروسيا خلال الفترة الأخيرة، كان الشهر الماضي أقل شهر تقتل فيه مدنيين بسوريا، حتى أننا نشرنا كاريكاتيرا يشير إلى أن التحالف الدولي لأول مرة يتفوق على روسيا بقتل المدنيين.

وأضف نقطة إلى ذلك، أن روسيا سابقا لم تكن لديها مبررات كافية لاستهداف الفصائل، أما الآن فقد أعطيت ذريعة ومبررا أكبر لتقصف دون تمييز كعادتها.

إذا من وجهة نظرك، النظام يستخدم إدلب كمكب للأشخاص غير المرغوب بهم من المعارضة؟

نعم بالطبع، حيث أن إدلب تعتبر مركزا لجبهة النصرة وتسيطر على مساحات واسعة (الجزءالأكبر) من إدلب، وتأتي في المرتبة الثانية حركة أحرار الشام الإسلامية، وتضم فصائل أخرى للجيش الحر، فضلا عن أنها محافظة محررة بالكامل، فنظر إليها النظام لتكون مكانا مناسبا ليحشد فيه من لا يرغب به ومن يعارضه، فضلا عن النتائج الاجتماعية الكارثية الآنفة الذكر التي ستترتب على ذلك الأمر، من ضغط في السكان وقلة في الموارد وبالتالي بالخدمات والبنى التحتية، ما سيؤدي إلى صراع على الموارد، واقتتال داخلي، وليكن هناك تبرير لقصف المنطقة أكثر.

وهذا ما تشهده إدلب الآن وما خطط له النظام ونفذه بسياسة مدروسة تعود عليه بعدة فوائد.

غطت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أحداث الحرب السورية منذ تموز 2011. مع دخول الحرب عامها السابع، أين ينبغي أن يوجه الصحفيون داخل وخارج سوريا تركيزهم؟

برأيي هناك جوانب يجب على صحفيي الداخل في سوريا أن يضعوها محط اهتمامهم وأن يركزوا عليها خصوصا أن التغطية الإعلامية اتجهت إلى التنظيمات المتشددة عقب دخولها الحرب السورية.

فعلى سبيل المثال الموضوع الأول وهو الأهم  استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا، التي أصبح استخدامها في نظر البعض أمرا عاديا ولم يسلط الضوء عليه، مع أنه ليس أمرا عاديا أبدا في نظري خاصة أنها أسلحة محرمة دوليا حتى في الحرب، خصوصا أنه متعلق بالسياسة وفيه خطوط حمر تتعلق بمجلس الأمن.

بالنسبة لصحفيي الخارج هناك الكثير من المواضيع الصحفية التي يمكن أن تغطى وهي غاية في الأهمية، ومن جهتي لم أجد إلى الآن نقدا ممنهجا من صحفيي الخارج للسياسات العالمية التي تركت الشعب السوري وحده بهذا الوضع والتداعيات الكارثية.

هناك ترف في النظر للكارثة السورية من الصحفيين العالميين، وهذا الأمر له مبررات عدة، فقسم منهم متأثر بروسيا وباليسار العالمي، وقسم رأى الرايات السود فخاف والتزم الصمت، ولكن كل تلك المبررات لا تنفع، فالوضع في سوريا مأساوي للغاية وبحاجة للطرح بشكل جدي، وانتقادات لاذعة لسياسات الدول التي يقيمون فيها، حتى تقوم بعمل ما لإنهاء الكارثة، فأنا إلى الآن لم أرى نقدا لسياسات الدول الغربية وللسياسات الأمريكية والروسية.

وفي رأيي، صحفيو الخارج يقع عليهم دور أخلاقي في نقد أنظمة بلادهم السياسية لأنها تقوم بدور فعال في حل الكارثة السورية وهنا تكمن مهمتها، خصوصا أن الصحافة الأوروبية بعيدة جدا عما يجري في سوريا حقيقة، ولم تلعب دورا فعالا كما هو المفروض في المنطقة.

لأكثر من ست سنوات، وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان الفظائع التي ارتكبت في الحرب السورية. وفي عام 2016 وحده، وثقت مقتل حوالي 17 ألف مدني في الصراع. كيف تتمكنون من مواصلة عملكم هذا عاما بعد عام؟ كيف يؤثر عملك عليك بشكل شخصي؟

الاستمرار أمر في غاية الصعوبة نفسيا وشخصيا، وقد مررت بموقف بالشهر الرابع من عام 2013، وأنا أرتب قوائم أسماء الضحايا الموثقة وإذا باسم صديقي مسجل بين الأسماء، صعقت بما رأيت وحزنت كثيرا على فقدان صديقي وبالطريقة التي اكتشفت بها وفاته.

وفي عام 2012 اعتقل أحد أصدقائي المقربين جدا، وأصبح وضعه مجهولا، وهناك من قال أنه توفي، وكان لذلك تداعيات مزعجة علي شخصيا.

حتى الأشخاص الذين لا أعرفهم أعتصر عليهم خصوصا أن هناك ضحايا من الأطفال، وهذا يعود لإنسانيتنا كبشر بغض النظر عن أي أمر آخر، وما يزيد الوجع أنك ترى وتوثق أطفال وضحايا يموتون بأبشع الأشكال  وليس بيدك حيلة ولا تستطع أن تقدم لهم شيئا.

أيضا فترة النقاهة والراحة في وتيرة عملنا قصيرة جدا، فنحن نعمل طيلة أيام الأسبوع ولا نتوقف، وإن أخذنا راحة تكون لساعات معدودة فقط ومن ثم نعود للعمل، خصوصا مع استمرار القتل والانتهاكات فنحن لا نستطيع التوقف.

وما يدفعني للعمل بالرغم من كل الصعوبات هو حبي لبلدي سوريا ولأهلها، وشعوري بأن ما أقدمه واجبي تجاهها من دون أي “منية”، وثغرة مهمة جدا في حياتي، أتخيل دائما أن مئات المجازر لم يتم تسجيلها. مئات الاستهدافات لمراكز حيوية، ضحايا ماتوا ولم يسجلوا، وهكذا أصبح العمل جزءا لا يتجزأ من حياتي اليومية وقد اعتدت عليه رغم كل صعوباته، ولكنه يبقى عملا غاية في الأهمية وأساسي جدا.

ترجمة: سما محمد

آخر التقارير…