مدة القراءة: 12 دقائق | دمشق, مقابلات

مدير “دراسات الشرق الأوسط” في جامعة أوكلاهوما:أميركا أطالت الحرب الأهلية في سوريا وزعزعت استقرار المنطقة


نوفمبر 19, 2016

في 8 تشرين الثاني الماضي، انتخب الأميركيون دونلاد ترامب ليكون الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة، في نجاح يعصف بدوامة الأسئلة التي تدور حول مستقبل السياسة الخارجية لأميركا.

وقبل أن تنتهي المدة الرئاسية لأوباما بشهرين، توجهت سوريا على طول، لـ جوشو لانديز، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة اوكلاهوما، وكثيراً ما يسافر إلى واشنطن للتشاور مع المؤسسات الحكومية، وعاش 14سنة في الشرق الأوسط، يتحدث العربية والفرنسية بطلاقة، وأمضى أربعة أعوام في سوريا، وكان يتردد إليها في كل صيف حتى بدء الثورة. كما أنه أسس مدونة تعليق سوري، ليمنح صورة وتحليلا لشكل المنحى السياسي الخارجي لأميركا، ولاسيما في سوريا بعد تولي ترامب.

وهذه المحادثة المحررة قليلاً، هي الحلقة الأولى لسلسة مقابلات تعكس ردود وأراء المحللين والأكاديميين حول تأثير رئاسة ترامب على سياسة أميركا فيما يتعلق بسوريا. هل يمكن أن يكون ترامب في إدارته أسوأ مما هي عليه الإدارة حالياً في سوريا؟ وهل يمكن أن يسلم ترامب سوريا لبوتين؟ وهل لديه تلك السلطة أصلاً، أو أن الأمر قد انتهى؟.

وقدم لانديز، تقييماً صريحاً وحاداً لرؤية أميركا غير الناضجة وغير الواقعية لسوريا والشرق الأوسط عموماً.

“قرر الرئيس أوباما وهيلاري كلينتون أن الأسد سيقط وأنهم سيتولون تغيير النظام في سوريا بانسيابية وسلاسة، ودون الكثير من الضرر”، وفق ما قال لانديز لـ جستن شوستر، مراسل ومترجم في سوريا على طول، مضيفاً أن “ذلك كان خطأً فادحاً”.

كما أن “تحطيم بنية دولة أنشئت بمنتهى الرقة والدقة في الشرق الأوسط على مدى 100عام، لم يُسدي معروفاً إلى أحد” وفق ما قال لانديز، مضيفا أن “تمحوهم فقط من الوجود، وتتوقع بعدها أن نوعاً من الديمقراطية والوحدة سوف تنبثق مكانهم، فهذا كان ساذجاً للغاية”.

والنتيجة، وفق لانديز، إرثٌ من الدمار في المنطقة، والولايات المتحدة مسؤولة عنه جزئياً ومع ذلك، وإلى الآن “لم تتولى أميركا مسؤوليتها، ولن تفعل”.

دونلاد ترامب سيكون الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة. فما هي ردة فعلك الأولى؟

صُدِمت. أنا شخصياً، لا أرى الخير في ترامب. ومن جهة أخرى أؤمن أن أميركا يجب أن تمنحه فترة كشهر عسل، وصدمت بعض الشيء من ثورة الغضب المباشرة التي اعترت الكثيرين.

من الواضح، أنا لا أحب ترامب، أعتقد أنه نرجسي، وما إلى ذلك، لكنك لا تعلم أبداً. هناك الكثير من الأميركيين المستائين، ويشعرون أنهم مستضعفين، ويحتاجون إلى بطل. هو بطل. أو على الأقل هم يعتقدون بذلك. ويجب أن يُعطى الفرصة ليكون بطل قضيتهم.

ما الصورة التي تبعث بها رئاسة ترامب إلى بقية العالم، وتحديداً، الشرق الأوسط؟

لا اعتقد أنه يمكننا استخدام مايقوله عن الشرق الأوسط كمرجع ودليل لما سيفعله، لأننا حين نمعن النظر في الناس الذين يمكن أن يعينهم، فسنرى أن العديد منهم كانوا مع غزو العراق. فهم المحافظون الجدد بصيغة أو بأخرى، وهذا يناقض كل ما قاله خلال حملته. لذا سأسهب أكثر في معنى سياسته الخارجية في دقيقتين، بأكثر مما أعتقد أنها تستحق.

مناقشته الأولى بشأن الشرق الشرق الأوسط، كانت مسألة ليبيا. وسارع إلى انتقاد هيلاري كلينتون للإطاحة بالقذافي. وقال ببساطة أن تغيير النظام كان كارثياً، وتسبب في انتشار الفوضى والتطرف عبر الشرق الأوسط. ما كان علينا أن نفعل ذلك، وهذا الانتقاد لم يقتصر على ليبيا، وإنما العراق أيضاً. أي بمعنى أنه كان ينتقد فحوى السياسة الخارجية للحزب الجمهوري منذ جورج بوش: لا تحاولوا أن تأتوا بالديمقراطية إلى الشرق الأوسط، اعملوا مع الطغاة والأنظمة. فالأمر مسألة أمن واستقرار وهو شعار بشار الأسد.

أحاول أن أفهم المغزى من التوصيات السياسية لدونالد ترامب التي ألقاها خلال مسار حملته. لنفترض أن ترامب عيَنك غداً لتكون ساعده الأيمن في سياسة سوريا. بخصوص روسيا، أشاد ترامب مراراً بالرئيس بوتين لكفائته بمحاربة تنظيم الدولة، بالقول “إذا كانت روسيا تريد التخلص من داعش (…) فليتخلصوا منهم. لماذا بحق الجحيم نهتم نحن”؟ كل المؤشرات، تدل على أن ترامب سيسلم سوريا إلى بوتين.

حينها سأسأل ترامب: ما هدفه؟ هل يهدف إلى وقف القتل وإنهاء الحرب الأهلية السورية، أو أن هدفه أن يضعف الروس ويحظى على نفوذ لأميركا داخل سوريا؟ فإن كان يريد أن يضعف الروس والإيرانيين، إن كان يرى أنهم يهددون مصالح أميركا ويريد أن ينتفع من المعركة السورية، حينها سأقول استمر في إرسال القوات واالمال للثوار وشجع السعوديين والأتراك على الاستمرار في تمويلهم.

ولكني أعتقد أن هذا سيطيل الحرب، فروسيا والأسد والإيرانيون لديهم الورقة الرابحة. وهم مصرون على خلق هلال شيعي يكون حزب الله أساسه، ونظام الأسد والحكومة التي أسستها أميركا في العراق. وهذا ما كان يبرز خلال العقد الأخير.  ورأينا أميركا تحاول تفتيته. كان هناك غزو اسرائيل في عام 2006ضد حزب الله،  والذي باء بالفشل، محاولات لزعزعة استقرار بشار الأسد في 2004/2005. وغزو العراق. واعتقدت أميركا خاطئةً أن ذلك سيبني شرق أوسط أكثر تأييداً لأميركا وينهي الديكتاتورية ويخلق الديمقراطية. رأينا كيف فشل  ذلك فشلاً ذريعاً، وكيف تفشت الدكتاتورية والتطرف في الشرق الأوسط.

إذا أرادت أميركا قلب الموازين الروسية والإيرانية، فعليها أن تستثمر مئات بلايين الدولارات، ولا أعتقد أنها ستفعل ذلك. لا أعتقد أنه ينبغي عليها إطالة الحرب، مالم يكن لها مقصد من ذلك. وهذا سيعني تجميع قوة دولية واحتلال سوريا لتتمكن من سحب السلاح من الجميع، وخلق نوع من الاحتلال يضمن أمان الجميع في سوريا، وإعادة بناء الدولة والبقاء فيها من 20-30 سنة، ثم ربما يمكن بناء حكومة أخرى. ولا أعلم حتى إن كانت ستكون مستقرة، ولكن يمكنك أن تراهن على ذلك.  

ولكن إن كنت سترمي فقط بمزيد من السلاح للثوار، لنقُل 10بلايين دولار في كل سنة، مع السعوديين والقطريين، فأنت تطيل أمد الحرب الأهلية فقط. وستضمن أن هناك المزيد من الناس الفارين، وهذا ما عملت عليه أميركا إلى الآن. أعتقد أن أميركا أطالت الحرب وحرضت على الدمار الرهيب. هم لم يهزموا الأسد؛ هم فقط زعزعوا الاستقرار في المنطقة. وأتاحوا لكل هذه الفصائل الثورية، التي لديها أجندات مناهضة جداً لأميركا، بالانتشار. وفي نهاية المطاف، بالطبع نحن لن ندعمهم.

ولا أعتقد أن الحل السياسي، على طريقة واشنطن واتفاقيات جنيفا، واقعي، بحيث تجعل الضباط العلويين يجالسون النصرة وأحرار الشام وجيش الإسلام لينتجوا دولة أمنية مهجنة. أعتقد أن هذا أمل ابليس في الجنة، أن تجعل الناس الذين يريدون حكم الشريعة، والعلويين والضباط من الأقليات الأخرى يجلسون مع بعضهم ويتفقوا على صيغة الحكومة المستقبلية في سوريا. هذا شيء مستبعد كلياً.

النظام غير قادر على الإصلاح بطريقة بناءة. هو قادر على التقلص والانكماش على بقعة صغيرة، أو الامتداد في كل أنحاء سوريا. ولكنه غير قادر على الإصلاح، وأعتقد أن بشار أثبت لنا ذلك. سيبفى نفس النظام الاستبدادي القائم على البعث، دولة الحزب الواحد، العائلة والموالين الطائفيين. هذا كل ما يستطيعه. بغير ذلك فالنظام يتداعى. وبمجرد حل التركيبة الأساسية التي صاغها والده ببعضها، فإن السلطة ستتهاوى على عروشها.

إذا أمعنت النظر في الطريقة التي خلق بها البرازاني سلطته أو أي من هؤلاء الأشخاص الآخرين، ستجد أنها من خلال المحاباة والعائلة والولاءات التقليدية. الشرق الأوسط للأسف ما يزال عالقاً بها إلى الآن. وهنا أميركا تريد أن تأتي بصيغة للحكومة في الشرق الأوسط لا تعتمد على هذه الولاءات التقليدية وإنما على الأسس المؤساساتية، وحكم القانون وكل تلك الأشياء الجميلة التي سمعت هيلاري كلينتون تحدثنا عنها.

دعنا نعود للحديث إلى محاربة تنظيم الدولة. خلال مسار الحملة، كان موقف دونلاد ترامب فيما يتعلق بوضع قوة برية يمكن وصفه بأفضل ما يمكن بشيفرة لا يمكن فكها. في نقطة ما قال أنه “سيستمع إلى الجنرالات” وينشر 20000- 30000 جندي أميركي. وسرعان ما سحب كلامه بعد أقل من أسبوعين. بالنظر إلى الحملتين الحاليتين ضد تنظيم الدولة في الرقة والموصل، هل يمكنك أن تقول لترامب أن هذا الاستثمار الكبير للدم والكنز الأميركي ضروري لمحاربة تنظيم الدولة؟

سأقول له: لديك ثلاثة عروض على الطاولة لتأخذ الرقة. لديك العرض الكردي من خلال PYD، لديك العرض التركي الذي يأتي بالثوار أيضاً ولديك عرض روسيا ـ الأسد. هؤلاء الثلاثة قدموا عروضهم فيما لو حصلوا على الدعم الأميركي.بالطبع لكل واحد منهم مضاعفات وتعقيدات سياسية.

وخرجت أميركا بصيغة معينة. أن الكرد اليوم (قوات سوريا الديمقراطية) هم وحدهم المستعدون للقيام بأي شيء، لذا سنستخدمهم للإحاطة بتنظيم الدولة في الرقة وعزلهم. لن نأمرهم بالسيطرة على الرقة.

منذ ستة شهور، والأتراك يطلبون منا تدريب الثوار وتجهيزهم،  فهم غير قادرين على السيطرة على الرقة حالياً. تركيا تريد أن تحوّل كشكول الثوار هذا، الآتين من إدلب، إلى قوة قتالية بحجة أنه ينبغي أن يكون العرب في الرقة، كونها مدينة عربية. وهذه حجة قوية.

أميركا ستنتظر ستة شهور قبل أن تبدأ في المرحلة الثانية. ونظرياً سيتجهون لإيجاد صفقة ما بين الكرد والأتراك، بحيث لا تدمر علاقتننا بتركيا وتتيح للأخير بغزو الرقة. وهم أفضل من يقوم بذلك الآن. أنزع قبعتي احتراماَ للجنرالات (الأميركان). فهم يتصرفون بدبلوماسية قدر المستطاع حتى لا يحرقوا علاقتنا بتركيا، ولكن يجب أن يتحركوا. فالضرورة تستوجب أن يتحركوا مع الأتراك.

ترامب سيرث هذه السياسة، وهي مفهومة وعملية. والمشكلة في هذه السياسة أنها ستؤدي إلى تجزئة سوريا، وهي الكلمة التي لا تريد أميركا استخدامها. ولكن سياسات أميركا دائماً كانت تؤدي إلى هذا النوع من النتائج. فإذا كانوا لايردون الأسد أن يستعيد السيطرة على أجزاء الثوار، فإن أحداً آخر سيفعل، وبالنهاية ستكون أمام سورية مقسمة. وربما لن تكون مقسمة بشكل دائم. ربما تكون مثل ألمانيا الشرقية والغربية. ربما تكون مقسمة فقط حتى سقوط نظام الأسد أو حتى وجود نظام جديد يوحد سورية.

والسؤال الذي يتصدر الأولوية لترامب. هل يريد أن يشجع الأتراك على نشر نظام ثوري سني على الأجزاء الشمالية لسوريا، وإذا كان كذلك، فكم الثمن؟ هل يريد أن يتيح للأسد أن يستعيد السيطرة على بعض الأراضي الخاضعة لتنظيم الدولة؟ أو هل يريد الأكراد أن يقوموا بذلك ويكون لهم كردستان موسعة؟.

ما هو العرض الذي ستختاره؟

يتوجب أن يكون هناك محادثات جدية لمعرفة ما الذي ستقبل به تركيا. كما أنه يتوجب عليك لقاء الروس والإيرانيين أيضا. من جهة أخرى يجب أن تلتقي بالعراقيين لأن الحشد الشعبي لا يريد وجود دولة عربية سنية بينه وبين حلب. سينظرون إلى ذلك على أنها دولة توسعية محتملة. ووفقا لما قالته القوات العراقية فإنهم سيتبعون تنظيم الدولة في سوريا بمجرد إخراجه من العراق. لقد حولناهم إلى قوة قتالية مؤهلة، وكذلك الأمر بالنسبة للإيرانيين.

لن يقف العراقيون والإيرانيون موقف المتفرج وأيديهم في جيوبهم، بينما تعمل أمريكا على تحويل الثوار إلى حكومة في شمال شرق سوريا والتي قد تعتمد كليا على تركيا. في المقابل، تركيا تريد إقامة منطقة نفوذ تمتد أيضا إلى مناطق التركمان في العراق.

وإلى أي مدى سيكون النفوذ التركي في شمال سوريا وأجزاء من العراق، لصالح أمريكا؟.

هل نريد مساعدة الحكومة العراقية في إعادة السيطرة على كل هذه الأراضي وعدم السماح لتركيا بالتدخل فيها؟ من الصعب معرفة ذلك.

نحتاج لمعرفة ما إذا كان هناك إمكانية للتوصل إلى اتفاق، وما الذي يمكن القيام به بأقل احتمالية لوجود العنف. إذا سارت الأمور على نحو خاطئ، فإن ذلك سيساهم في إطالة الحرب لا إنهائها. وبالنسبة لأمريكا فهي لا تريد اتخاذ أي قرارات بشأن هذه القضايا: التقسيم، والحكم الذاتي للأكراد، ومحاولة الأتراك التأثير على قسم كبير من سوريا كمنطقة لنفوذهم مع الثوار السنة، وإعادة إضفاء شرعية الأسد في مرحلة ما مع الروس.

لكن أمريكا تتحرك باتجاه تقسيم سوريا مع كردستان وتحاول الحصول على موافقة الأتراك على وجود كردستان، مع استقلال الـPYD عن الـPKK. نحن متحالفون مع الأكراد إلى حد معين، وأعتقد أن لهم الفضل بأن نرى الأمور من خلالهم على هذا النحو في سوريا.

عندما يتعلق الأمر بالثوار، أعتقد أن ظهور النصرة كقوة رئيسية في إدلب وعلى نحو متزايد في حلب يشكل خطرا بالنسبة للولايات المتحدة. انظر إلى المناهج الدراسية في مدارسهم وما الذي يعلمونه لأطفالهم عن أسامة بن لادن حيث يصورونه على أنه بطل وأن قصف مركز التجارة العالمي كان إنجازا عظيما. لا أعتقد أن على أميركا مساعدة هؤلاء الناس على مواصلة هذا النوع من التعليم. نحن نحاول فصل الثوار المعتدلين عن هذا النوع من السلفيين الجهاديين ولكن دون جدوى. من الممكن أن تتمكن تركيا من القيام ذلك، وباعتقادي، ستحتاج أمريكا الجلوس مع حليفها التركي لمناقشة نوع من التقسيم في سوريا.

نحن لا نخطط للإطاحة بدمشق وروسيا وإيران. يجب على الولايات المتحدة تحمل مسؤولية تحويل العراق إلى بلد يهيمن عليه الشيعة الذين تدعمهم إيران. حيث أدى ذلك إلى تغيير موازين القوة في المنطقة. وحاولنا تدمير حزب الله لكن فشلنا.

ما أود أن أشير إليه هو أن أمريكا لديها باع طويل في دعم الشيعة ضد الثوار السنة في العراق، وإلى حد ما إنهم يريدون عكس ذلك في سوريا، إلا أنها وجدت صعوبة في تحقيق ذلك لأن روسيا تقوم بالشيء ذاته. التحدي الحقيقي للولايات المتحدة في العراق هو محاولة إعادة السنة إلى المدن بعد أن تم إخراجهم منها وتدمير تنظيم الدولة. ونحن نرى أن ذلك حقق نجاحا في الرمادي، وتكريت حيث تشير التقارير الأخيرة أنه تمت عودة حوالي 90% من السكان السنة. وهذا أمر جيد. والسؤال هو، كيف يمكنك القيام بذلك في سوريا؟

كيف يمكن أن يعود سكان حلب في حال سيطرة روسيا والأسد على المدينة؟ ذلك سوف يحدث، وأمريكا لن توقف ذلك. هل يمكنك تسوية الأمر؟ هل تريد لسوريا أن تصبح كوريا الشمالية؟. هذا ما تتجه الأمور إليه الآن  إذا قررت الولايات المتحدة الوقوف ضد بوتين والأسد من خلال مضاعفة العقوبات ومحاولة منع الدول الأخرى من إعادة بناء العلاقات مع الأسد. أعتقد أن هذا خطأ. والأسد سيفوز ما لم تتخذ أمريكا خطوات جدية. كما أعتقد أن سياسة التظاهر بعدم رؤية أي مشكلة والتغافل عما يجري هي سياسة خاطئة.

بعد مرور أكثر من خمسة سنوات على الحرب، كيف ستكون سياسة أمريكا تجاه سوريا بعد تولي ترامب الرئاسة؟

مصلحتنا الأولى تكمن في عدم الدخول في حرب مع روسيا وإيران لفترات طويلة، حيث أن ذلك سيضر بالشعب السوري. الشعب السوري هو ضحية هذه الحرب الباردة بين السنة والشيعة. لقد أشعلنا فتيل تلك الحرب من خلال الاستمرار في مساعدة السنة بحيث لا يمكن أن يخسروا ولكن مساعدتنا غير كافية أيضا كي يتمكنوا من تحقيق الفوز.

لا أعتقد أن علينا محاولة كسب الحرب من أجل السنة من خلال تسليحهم. الأماكن الوحيدة التي لايزال السوريون يعيشون فيها هي مناطق سيطرة النظام، وهي مناطق مكتظة بالنازحين إضافة للسكان الأصليين الذين يعيشون فيها. وفي حال قمنا بتسليح السنة من أجل السيطرة على هذه المدن فإننا بذلك نساهم في إخراج هؤلاء الناس منها. وستكون تلك أكثر السياسات حماقة. كما ستؤدي إلى تدفق المزيد من اللاجئين.

من جهة أخرى، لا نريد دفع أردوغان إلى أحضان روسيا. أردوغان لعب بتلك الورقة. حيث أظهر لنا أن بإمكانه  إغلاق (القاعدة الجوية في) أنجرليك أو الذهاب إلى روسيا، ولا مصلحة لنا في إجباره على ذلك. فقد يتيح له ذلك التوسع في مناطق سيطرة المعارضة في سوريا. ويمكن أن ينتزع ذلك كثمن وهو ما ينبغي التفاوض عليه مع روسيا. فنحن بحاجة للجلوس مع روسيا وإيران وتركيا ومعرفة مساحة الأراضي السورية التي يمكن أن يأخذها حلفاء تركيا في سوريا. ولكن ينبغي مناقشة وجود الأكراد هناك فلا يمكننا التخلي عنهم. سيكون ذلك عملا دبلوماسيا غاية في الدقة.

يعتقد الأسد أنه سيعيد احتلال سوريا بالكامل، وذلك ممكن. ففي حال حصل على دعم الروس والإيرانيين وإذا كانت تركيا حقا معادية للـPYD، فإنه يتوجب على الـPYD العودة إلى الأسد. سيقبلون نوعا من الحكم الذاتي، لكنهم سيقبلون بسيادة وحكم الأسد تماما كما فعل الأكراد في العراق. ذلك يعتمد على موقف تركيا. ومن الواضح أن تركيا في حالة سلام مع الأكراد في العراق، لكن أردوغان قد لا يقبل بذلك الحكم الذاتي والاستقلالية كون الـPYD على ارتباط وثيق بحزب العمال الكردستاني. وستكون الكرة في ملعب الأسد حيث سيعود الأكراد إليه للاختباء تحت مظلته.

مرة أخرى، هل من مصلحة أمريكا أن يقوم الأتراك بتقسيم سوريا مع وجود نفوذ لهم في المناطق الشمالية؟ إذا كان الفرق بين السماح بتقسيم سوريا والتوصل الى اتفاق مع روسيا هو الحفاظ على أردوغان ضمن مسارنا، إذا علينا أن نفعل ذلك.

هناك شيئ أخير، دكتور لانديز، وأظن أنه قد يكون موضوعا لكتاب بحد ذاته: ما هي ملاحظاتك النهائية على سياسة الرئيس أوباما فيما يخص الشأن السوري؟

قرر الرئيس أوباما وهيلاري كلينتون أن الأسد على وشك السقوط، وأن بإمكانهم تغيير النظام بسلاسة في سوريا دون التسبب بالكثير من الأضرار. وكان ذلك خطأ فادحا، وأخفقا. لا أعتقد أنهم فشلوا لأنهم لم يحضروا أسلحة كافية منذ البداية. أعتقد أنهم كانوا مخطئين في محاولة لتحقيق تغيير النظام بنفس الطريقة التي كان بوش مخطئ باتباعها في العراق. إن اعتقاد الولايات المتحدة بأنها يمكن أن تنشر سيادة القانون والديمقراطية المؤسساتية في الشرق الأوسط كما هي قائمة اليوم من دون إنفاق الكثير من المال والوقت، كان اعتقادا ساذجا.

ومن وجهة نظري، أوباما كان محقا بالحد من تدخل الولايات المتحدة في سوريا لأن ذلك قد يمتد إلى ما لانهاية، ولن ينتهي على نحو جيد. كما أن تحطيم هياكل الدولة الهشة التي تم إنشاؤها في منطقة الشرق الأوسط على مدى السنوات الـ100 الماضية منذ ظهور الدول القومية لن يخدم في مصلحة أي أحد. حيث سيستغرق إرساء السلطة والشرعية، مرة أخرى، وقتا طويلا، كما أن الشرق الأوسط مجزأ من عدة نواحي: الطائفية والقبلية، القرية، البلد، المدينة، الغني والفقير. لقد حولنا هذه المحاور إلى محاور للقتال والمعارك. والناس يقتلون بسبب ذلك.

تلك المحاور كانت موجودة هناك. كانت الأنظمة الديكتاتورية رهيبة. وكان الأسد وحشيا وكذلك كان صدام حسين، ومعظم الأنظمة (…) ودول الشرق الأوسط تفتقر إلى الشرعية. كما أن شعوبهم لا تلتف حول فكرة وطنية مشتركة.

إن التخلص منها (الأنظمة) وتوقع ظهور نوع من الديمقراطية والوحدة بدلا من تلك الحكومات والأنظمة كان أمرا ساذجا للغاية. ما ظهر بدلا من ذلك هو الولاءات التقليدية والتجزئة في عالم وحشي جدا.

أعتقد أن أوباما كان ذكيا في معرفة المخاطر ومحاولة مقاومتها. برأيي خطأه يكمن في عدم المقاومة بشكل كاف والسماح لكلينتون بإنشاء أصدقاء سوريا، لتقول لأوباما أن الأسد سوف يسقط وإقحام أمريكا في حرب لن تكسبها وليس لديها استعداد للفوز بها. لم ولن تتحمل أمريكا المسؤولية، حيث فشلت في ذلك في العراق. ولم نتحمل المسؤولية في ليبيا، ونحن لا نتحمل مسؤولية مساعدتنا للسعوديين في اليمن والمساعدة في تدمير هذا البلد.

أعلم أن الكثير من النخبة السوريين كانوا يأملون بتحقيق الديمقراطية والعدالة وسيادة القانون في سوريا. إنهم يشعرون باليأس الآن وينظرون إلى الولايات المتحدة على أنها القوة الوحيدة التي يمكن ان تعيدهم إلى منازلهم. أرادوا أن يعودوا ويحكموا سوريا، والآن ليس بإمكانهم القيام بذلك . حاولت أمريكا أن تفعل ذلك في العراق. كنا نظن أنه يمكننا إسناد الحكم للنخبة المثقفة في العراق: جلبي. أعتقد أن جلبي تحدث باسم الكثير من العراقيين.

لم نكن قادرين على القيام بذلك مع المجلس الوطني السوري الذي ساعدنا في إنشائه وكان يتألف من سوريين متعلمين بشكل جيد ولديهم نية حسنة. هؤلاء هم الناس الذين يعتقدون أن أوباما كان زعيما عاجزا وكان ينبغي أن يسحق الأسد ويتيح سيادة القانون، والديمقراطية، والمؤسسات في سوريا. أعتقد أن هذا أمر ساذج أيضا. كما أعتقد أن الليبراليين في الشرق الأوسط يشكلون فئة صغيرة، سُحقت بين القوى الراديكالية المختلفة التي لديها استعداد لاستخدام المزيد من القوة. وانتهى الأمر بهم إلى الفرار والنفي، وهم الروس البيض في الشرق الأوسط الحديث. فمن العار أن أمريكا لم تتمكن من وضعهم في السلطة، بحيث يحكمون دولا مثل (…) سوريا، العراق، وليبيا، لكنهم لا يستطيعون القيام بذلك.

وكان من السذاجة أن نعتقد أن بوسعهم القيام بذلك، بالتالي تعلمنا درسا فظيعا بعد أن خلف الكثير من الدمار الذي كانت الولايات المتحدة مسؤولة عنه.

ترجمة: فاطمة عاشور وسما محمد

 

آخر التقارير…