مدة القراءة: 7 دقائق | إدلب, ملكية عقارية

مشاريع إسكان النازحين شمال غرب سوريا: إشكالات عقارية مؤجلة


يونيو 27, 2021

إدلب- خلال رحلة نزوح ابتدأت منذ ثلاث سنوات بين مخيمات الشمال السوري، آخرها في دير حسان بريف إدلب الشمالي، كانت فصول السنة قاسية على أطفال صالح أبو النور الأربعة ووالده المسنّ. إذ ناهيك عن التنقل بين المخيمات بحثاً عن الأمان من قصف النظام، كان المخيم “في الشتاء يتحول إلى بركة مياه، في مقابل حرّ الصيف”، كما قال لـ”سوريا على طول”. 

لكن مؤخراً تحقق حلم صالح “بليلة هادئة في غرفة اسمنتية أستذكرُ فيها منزلي الذي نزحت منه” في بلدة الهبيط بريف إدلب الجنوبي. إذ كان من ضمن النازحين الذين استفادوا من مشروع “قرية ملهم” في مدينة اعزاز بريف حلب الشمالي، والتي تضم وحدات سكنية إسمنتية أشرف على بنائها ويديرها فريق ملهم التطوعي.

المشروعات السكنية لفريق ملهم التطوعي كانت ملاذاً أيضاً لنواف السعيد، النازح من مدينة حماة في العام 2015، ثم النزوح مرة أخرى أواخر العام 2019، نتيجة قصف النظام على ريف إدلب الجنوبي، ما أدى إلى خسارته عمله، وعجزه بالنتيجة عن تأمين أجرة منزل بقيمة 100 دولار أميركي شهرياً، ما اضطره للعيش في أحد مخيمات ريف إدلب الشمالي حتى وقت قريب.

إذ قبل خمسة أشهر، حصل نواف على شقة في أحد مشاريع فريق ملهم السكنية في شمال غرب سوريا، مكونة من ثلاث غرف في مدينة اعزاز، بحيث بات بمقدوره النوم “من دون خوف من إجبارك على إخلاء [المسكن] أو عجزك عن تأمين أجرته”، كما قال لـ”سوريا على طول”.

نقلة نوعية

تمثل أزمة النزوح أحد أهم التحديات التي تواجه المنظمات الإنسانية العاملة في شمال غرب سوريا. فإضافة إلى حجم الأزمة، بوجود نحو 2.7 مليون نازح، بحسب الأمم المتحدة، تبرز مجموعة معوقات تحول دون إمكانية تأمين حلول إيواء مستدامة لهؤلاء، لاسيما مع “عدم وجود سلطة قانونية تمنح المنظمات حق استخدام الأراضي العامة، وعدم موافقة المانحين الدوليين على التعامل مع سلطات الأمر الواقع، أو حتى التعامل مباشرة مع الأراضي العامة”، كما قال لـ”سوريا على طول”، في وقت سابق، المدير التنفيذي لمنظمة “بنفسج”، المهندس هشام ديراني.

لذلك، جاءت محدودة مشاريع إسكان النازحين في وحدات إسمنتية، من خلال بعض مبادرات أطلقتها منظمات من قبيل جمعية عطاء للإغاثة الإنسانية، والتي نفذت في العام 2015 مشروعاً في “قرية حمد العمار”، ببناء 100 وحدة سكنية، وأيضاً تجمع عطاء السكني الأول في بلدة أطمة، العام 2016، وضم 520 وحدة سكنية آنذاك.

صورة تظهر جانباً من الوحدات السكنية المخصصة للنازحين في قرية عطاء (1) بمنطقة أطمة شمال غرب سوريا، 27/ 6/ 2021 (عبد المجيد العمر- سوريا على طول)

لكن مؤخراً سعت منظمات إنسانية أخرى إلى إحداث نقلة نوعية في الاستجابة لمتطلبات النازحين، من خلال تأمين حياة مستقرة نسبياً لهم. ومن هذه المنظمات فريق ملهم التطوعي الذي بدأ نشاطه بدعم السوريين داخل سوريا وخارجها في العام 2012، وبحيث غدا منظمة إنسانية مرخصة في عدة دول، منها تركيا.

وقد بلغ مجموع الوحدات السكنية التي نفذتها جمعية عطاء نحو 2,168 وحدة، آخرها تجمع عطاء السكني الثالث في مدينة جرابلس بريف حلب الشمالي، والذي يتألف من 800 وحدة بتكلفة ثلاثة ملايين دولار أميركي، فيما المخطط أن يصل العدد خلال العام 2021 إلى 3,500 وحدة سكنية، بحسب ما ذكر لـ”سوريا على طول” نائب المدير العام للجمعية، عبدالرحمن الشردوب.

أما فريق ملهم التطوعي، فقد نفذ عدة مشاريع سكنية، منها مشروع 1000 وحدة سكنية إسمنتية في قرية طورلاها بمنطقة حارم التابعة لمحافظة إدلب، “كل وحدة منها عبارة عن غرفتين ومرافقهما [مطبخ وحمًام]”، بحسب ما ذكر لـ”سوريا على طول” المسؤول الإعلامي في الفريق، عبدالله الخطيب. وقد “تم تسليم تلك الوحدات إلى المستفيدين العام الماضي”. 

كذلك، بنى الفريق 472 شقة في منطقة اعزاز بريف حلب الشمالي. وهو المشروع الذي استفاد منه نواف السعيد، ويعد “المشروع الأكبر للفريق في أعزاز”، وفق الخطيب، بحيث استفاد منه “سكان أربع مخيمات بنيتها التحتية معدومة، وعدد من سكان الخيام العشوائية المنتشرة بالقرب من المدينة”.

وبدأت فكرة الوحدات السكنية الاسمنتية بالنسبة لـ”ملهم” في العام 2018، حين “أطلق مشروع بناء قرية تحمل اسم الفريق، بعد شراء أرض على الحدود التركية-السورية شمال مدينة اعزاز بقيمة 200 ألف دولار”، بحسب الخطيب. موضحاً أن تكلفة بناء شقة سكنية بمساحة 50 متراً مربعاً، مع إكسائها كاملاً، تبلغ نحو 4,800 دولار أميركي.

إدارة الملكية العقارية 

لطالما تسبب الصراع في سوريا، خصوصاً مع وجود عدة سلطات أمر واقع، بأزمة في إدارة الأملاك العقارية وتوثيقها لدى الجهات المختصة في كل منطقة نفوذ، ما يعني وجود مخاطر قد تهدد مستقبلاً المشاريع السكنية الاسمنتية التي تنفذها المنظمات في شمال غرب سوريا.

يعزز هذه المخاطر استخدام أراض حكومية في المنطقة، على نحو ما فعلت حكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام. إذ “أنشأت مشروعاً سكنياً يضم وحدات سكنية بمساحة 15 متراً مربعاً، مصنعة من مادة الـ”فوم” غير القابلة للاشتعال، في منطقة كفر جالس التابعة لناحية معرة مصرين بريف إدلب، على أرض زراعية تابعة لوزارة الزراعة”، كما ذكر مصدر في حكومة الإنقاذ لـ”سوريا على طول”.

وبحسب الخطيب، فإن آلية شراء الأراضي الزراعية لتنفيذ هكذا مشاريع “من أصحابها وبورقة إثبات ملكية (طابو) وتسجيلها أصولاً باسم فريق ملهم تحفظ حقوق الملكية، حتى لو تغيرت القوة المسيطرة أو التبعية الإدارية للمنطقة”.

وهو ما أكده المحامي غزوان قرنفل، رئيس تجمع المحامين السوريين (المعارض). إذ إن “عمليات شراء الأراضي الزراعية من أصحابها أو وكلاء قانونيين عنهم، عبر الطابو الأخضر، أي سند الملكية المتحصل عليه بناء على تسجيل العقار باسم المالك في السجل العقاري الحكومي، لا يشوبه أي مشكلة قانونية”، كما قال لـ”سوريا على طول”.

لكن المشكلة في أن “كل بيع أو شراء لم يتم توثيقه من موظف عام معين وفقاً للقانون ومفوّض بالصلاحيات القانونية لمهامه لا قيمة له”، أضاف قرنفل، ما يعني أن اختلاف الجهة المسيطرة على شمال غرب سوريا قد يهدد عمليات البيع الموثقة لدى الجهات المختصة حالياً، مستشهداً “بالبيوع في مدينة دوما بريف دمشق، التي كانت تحت سلطة المعارضة، إذ لم يتم الاعتراف بها من قبل النظام”.

الأمر ذاته ينطبق على الأرض “التي تعود ملكيتها للدولة [لكنها تخضع حالياً] للجهة المسيطرة كأمر واقع، فإنه لا قيمة قانونية للشراء [من الأخيرة]”، كما أوضح قرنفل، لأن “الجهة البائعة ليس لديها الحق القانوني في التصرف بتلك الأراضي”. وهو ما يعني أنه يمكن “إبطال البيع مستقبلاً في حال تغيرت السيطرة في تلك المناطق، وبالتالي تعود ملكية البناء على تلك الأراضي لسلطة الدولة وهي تقرر أوجه التصرف فيه”. 

وإضافة إلى عقود البيع، هناك عقود استئجار أو استثمار العقار. وفيما تكون “رقبة العقار بملك المشتري” في حالة البيع، كما أوضح المحامي عبد الناصر حوشان، عضو هيئة القانونيين السوريين (المعارضة)، في حديث لـ”سوريا على طول”، فإن عقود الإيجار والاستثمار تمنح المستأجر أو المستثمر حق الانتفاع من العقار، على أن “يتم تسليمه خالياً من الشواغل، إلا إذا جرى اتفاق [بين طرفي العقد] يخالف ذلك”.

العلاقة مع المستفيدين

رغم رغبته في الحصول على منحة سكن في أحد مشاريع الوحدات السكنية بشمال غرب سوريا، أبدى محمد العمر المتحدر من بلدة التح بريف إدلب، والمقيم حالياً في مخيمات أطمة على الحدود السورية- التركية، تخوفه بشأن مدى ضمان استقراره في القرى السكنية الإسمنتية لفترة زمنية طويلة.

إذ يعيش محمد حالياً في خيمة جهزها بنفسه على نفقته الخاصة وبين أبناء بلدته، كما قال لـ”سوريا على طول”. معبراً عن خشيته من أن يستفيد من وحدة سكنية اسمنتية “ومن ثم يتم إخراجي منها”، إذ من “الصعوبة العودة إلى الخيام بعد السكن في أبنية إسمنتية”.

فرغم أن المشاريع السكنية مخصصة لدعم النازحين، إلا أن العلاقة بين المستفيد من تلك المشاريع والقائمين عليها يحكمها عقد أيضاً. 

ففي حالة مشاريع “ملهم”، ينسق الفريق مع المجالس المحلية في منطقة بناء القرى السكنية لأجل تحديد المستفيدين. تالياً، “يوقع المستفيد عقد إيجار لمدة عام كامل مقابل ليرة تركية واحدة [0.12 دولاراً] عند تسلمه الوحدة السكنية”، بحسب الخطيب، إضافة إلى “عقد منفعة يحتوي على بعض الشروط الواجب عليه الالتزام بها طيلة مدة انتفاعه”. موضحاً أنه يفترض أن “يجدد العقد تلقائياً طالما المستفيد ما يزال نازحاً عن موطنه الأصلي”، وملتزماً شروط الانتفاع التي يحددها “ملهم”، ومنها “عدم إخلاء الوحدة من دون إخبار الفريق، وعدم بيعها أو تأجيرها”. وفي حال وُجهت شكوى ضد النازح من المقيمين “يحق للفريق إلغاء العقود الموقعة وإخراج العائلة”، لافتاً إلى أن “الشروط روتينية، من قبيل احترام الآخرين وعدم التصرف بتصرفات مشبوهة سواء كالسرقة أو ممارسات غير أخلاقية”.

أما جمعية عطاء للإغاثة الإنسانية، والتي تختار المستفيدين من مشاريعها السكنية “بالتعاون مع المجالس المحلية في المنطقة وبالتنسيق مع إدارة الفروع في الجمعية”، فإنها تسلّم الوحدة السكنية “بموجب عقد انتفاع بين المستفيد والجمعية مقابل مبلغ رمزي بحدود 7 دولار تقريباً”، بحسب عبد الرحمن الشردوب، لافتاً إلى أن “هذه الرسوم هي بدل الخدمات المقدمة للمستفيدين ضمن المشروع”.

وعدا عن أن تلك المشاريع تعدّ أمنية للنازحين في شمال غرب سوريا، باعتبارها توفر لهم مسكن آمن ومجهز بالخدمات الأساسية، فإنها “توفر فرص عمل للعمال والمدرسين، خاصة مع وجود مدارس ومراكز صحية ومساجد في هذه المشاريع، ما يحقق عائداً مالياً للنازحين”، وفق الشردوب.

صورة تظهر محال تجارية وصيدلية في قرية عطاء (1) بمنطقة أطمة شمال غرب سوريا، 27/ 6/ 2021 (عبد المجيد العمر- سوريا على طول)

طبعاً، يظل الأمل الأكبر للنازحين هو العودة إلى منازلهم التي نزحوا منها. لكنهم يتطلعون، حتى ذلك الحين، إلى الحصول على مساكن تحقق لهم استقراراً نسبياً، كما قال لـ”سوريا على طول” موسى الأحمد، المهجر من ريف حمص الشمالي مع أولاده السبعة.

فرغم أن الخيمة التي يقيم فيها وعائلته منذ عامين ونصف العام، تمنح بحكم موقعها على الحدود مع تركيا” شعوراً بالأمان بعيداً عن القصف”، كما عبر موسى، إلا أن “الحصول على منزل إسمنتي يعطيني شيئاً من الخصوصية والاستقرار”.

آخر التقارير…