مدة القراءة: 5 دقائق | تقارير, ثقافة ومجتمع, ريف دمشق

مضايا: عدم انتظام المعونات الغذائية يعزز نفوذ شبح عودة الجوع


فبراير 17, 2016

أبرزت حملة التجويع المستمرة في بلدة مضايا المحاصرة، بوضوح المعاناة الإنسانية، التي تستنزفها الهدن المتقطعة مع النظام في اعتمادها على المساعدات الخارجية لتصمد في ظل الحصار.

ومضايا، التي كانت يوماً منتجعاً صيفياً لنزهة الدمشقيين في جبال القلمون، قرب الحدود السورية الغربية مع لبنان، استقطبت انتباه العالم في شهر كانون الأول، بتقارير عن أناس فيها يموتون جوعاً، رغم إبرامها هدنة مع النظام.

ولم يتغير الحال اليوم كثيراً، مع  دخول المساعدات الإغاثية منذ شهر مضى، فهي لا تكفي 40 ألف شخص محاصر في البلدة. وسرعان ما نفدت. ومات ستة عشر شخصاً بعد دخول المساعدات ليصل عدد من ماتوا جوعا لنحو خمسين شخصاً، وفق ما ذكرت منظمة أطباء بلا حدود، في بداية هذا الشهر.

وكانت الهدنة التي أبرمت بين ثوار جيش الفتح وقوات النظام في أيلول الماضي اشترطت دخول المساعدات، إلا أنها لم تحدد عدداأو تاريخا محددا لها. وأكد اثنان من أعضاء المجلس المحلي للبلدة، لسوريا على طول، أنه ليس لديهم أية معلومات عن متى سيتم توزيع المساعدات للمرة الثانية.

وبات الأطفال في مضايا يدركون الفاقة التي يعيشون بها، وتتملكهم هواجس القلق حول من أين وكيف ستأتي وجبتهم المقبلة، وفق ما صرح الأهالي لسوريا على طول.

وسرد حسام مضايا، عضو المجلس المحلي في البلدة، قصة من عائلته قائلاً “الناس تملكها الخوف من الجوع، الصغار ايضا لديهم خوف من الجوع. والبارحة لاحظت شيئاً أن طفل من أقاربي أكل صحنا صغيرا، وسرق صحن ابيه، فتخيل إلى أي مدى وصلت درجة الخوف”.

ويبدو أن مخالب الجوع تترائى بقسوة على أجساد الأطفال أيضاً، “ففي الأسبوع الماضي حوِّل الكثير من الأطفال الى المشفى الميداني بكثافة، وهم يعانون انتفاخا بالبطن بسبب احتباس السوائل نتيجة نقص البروتينات”، وفق ما قال حسام اليتيم، عضو آخر في المجلس المحلي لمضايا، لسوريا على طول. (أنظر إلى الصور هنا)

الأطفال في مضايا وهم يلعبون في مركز التعليم والتأهيل، الأحد. حقوق نشر الصورة لـ عمّرها

 

إلى ذلك، قال عبد الوهاب أحمد، ناشط إغاثي في مضايا، التي تبعد نحو 20 كيلومترا شمال غرب دمشق، لسوريا على طول، إن “أكبر ظاهرة رأيتها خلال تعاملي مع الاطفال، هي خوفهم المستمر من عودة حالة الجوع اليهم مرة اخرة”، لافتاً إلى أنهم “طوال الوقت يفكرون في الطعام والشراب، ويسألوننا متى سوف نقدم لهم الوجبة الأخرى. وماذا سوف نأكل غدا”.

وذكر عضو المجلس المحلي، حسام اليتيم لسوريا على طول، أنه يشعر بالعجز أمام أطفاله الصغار الثلاثة، ولايدري كيف ينأى بهم عن وطأة الحصار.

وقال اليتيم “حدثت مع اطفالي اشياء كثيرة أوصلتني الى حد البكاء، جعلتني أقف مكتوف الايدي لا استطيع فعل شيء”.

ومع ندرة الطعام في الشهور الأخيرة، صرح حسام اليتيم “كنا نحاول، أنا وزوجتي، أن نجعل الاطفال يأكلون وجبتين، ونحن نبقى على وجبة واحدة كل اليوم واحيانا كل يومين وجبة”.

وفي أحد الايام وجد حسام على بسطة احد التجار قطعا من البسكويت فقرر شراؤه لاطفاله، ولكن المفاجأة ان 5 قطع من البسكويت بـ100 دولار. وأوضح “اضطررت مرغما لشرائها، لانني وصلت لمرحلة ارى اطفالي غير قادرين على الوقوف. أصابهم الصمت من كثرة الصدمة”.

وما تزال مضايا رهينة حصار فرضته قوات النظام وحليفه حزب الله منذ تموز الماضي، خلال معركة السيطرة على مدينة الزبداني المجاورة التي يحكمها الثوار، المدخل إلى طرق التهريب الرئيسية عبر جبال القلمون من وإلى لبنان. 

ومع تطويق مضايا وحصارها بأكملها، والتي بالكاد تستوعب آلاف النازحين فيها من مدينة الزبداني المجاورة، تضائلت عنها كميات الغذاء والدواء شيئاً فشيئاً منذ الخريف الماضي مع تحليق الأسعار فيها لدرجات خيالية.

ورغم الهدنة بين النظام وجيش الفتح في أيلول الماضي، التي وعدت بمتنفس وفرج للمدنيين المحتجزين، فإن التوزيع الوحيد للمساعدات الغذائية لم يسمن ولم يغن من جوع بالنسبة للكثيرين من أهالي مضايا، الذين  كانوا اضطروا إلى تناول أوراق الأشجار والأعشاب ليعيشوا، وفق ما كتبت سوريا على طول في بداية كانون الأول.

وقصة مضايا التي انتشرت عالمياً، وصور المجاعة التي تجتاحها وتقارير الأمراض فيها، والتي يمكن الوقاية منها أو الموت بردا، ليست سوى نموذجا واحدا من تطبيق استراتجية نظام الأسد “الجوع أو الركوع” في البلدات الواقعة تحت سيطرة الثوار، وحتى في البلدات التي أبرمت معه الهدنة. (لمشاهدة تغطيات سوريا على طول أنظر هنا وهنا وهنا)

جو الحصار والجوع

قام الناشطون في تجمع “عمّرها” بزيارة لأحد مراكز تعليم وتأهيل الطفل في بلدة مضايا، الأحد، وتقديم بعض الألعاب والهدايا  لهم، كما تظهر الصور التي نشرتها صفحة عمرها  بغاية “الترويح عنهم وإخراجهم نوعا ما من جو الحصار والمجاعة”، وفق ما كتبت الصفحة مع الصور المرفقة.

 

الأطفال في مضايا وهم يلعبون في أحد مراكز رياض الأطفال. حقوق نشر الصورة لـ عمرها

 

وكان ذلك بمبادرة مشتركة مع منظمة السراج للتنمية والرعاية الصحية، وهي منظمة غير ربحية ومقرها تركيا، والتي قدمت الأموال لشراء الألعاب وهي منظمة مختصة بدعم مثل هذه المشاريع، وفق ما قال أحد موظفي عمرها يدعى أحمد، وكان من ضمن الفريق الذي زار المركز في يوم الأحد.   

وبدى الأطفال في الصور، ممن هم في سن الإبتدائية، محملين بالحقائب الزرقاء السماوية ومرتدين المعاطف والقبعات الشتوية في داخل المركز، وهم يلعبون بالدمى والعربات الصغيرة والمكعبات الملونة. ومن خلفهم صف من الزهور المرسومة على طول جدار اسمنتي تتكئ عليه طفلة صغيرة، فيما تظهر إحدى الصور طفلين وهما يلهوان بلعبة على شكل طائرة هيلكوبتر عسكرية صغيرة.

ويرعى المركز 300 طفل ممن دون 12 عاما. ويهدف  إلى “تخليص الطفل من موضوعين، أولا الخوف من الجوع، ثانيا الخوف من القصف”، وفق ما قال أحمد لسوريا على طول.

ولفت أحمد إلى أن “الاطفال دائما ما يهجسون بالخوف من الجوع مرة اخرى. نحن نحاول ابعادهم عن هذه الهواجس. و نعوض اجسامهم عن طريق مشروع طبخ يومي. ونحاول أن نخرجهم من جو الحصار والقصف. نعلمهم ماذا يفعلون في جو القصف. وأن يساعدوا اخوانهم خلال القصف والنزول الى الملاجئ”.

ومنذ أسبوعين أصيب 15 طفلا، وبينهم 5 بحالة حرجة، في قصف لحزب الله على مدرسة ابتدائية في بلدة مضايا، وفق ما ذكرت صحيفة القدس العربي.

وأكد أحمد أن “هذه المشاريع لا تختلف ابدا عن الطعام و الشراب. والاطفال بحاجة هذا الدعم النفسي”.

 وعود أم مجرد كلام

وتم التوصل إلى اتفاقية في ميونخ في الخميس الماضي بين عشرات الدول، وأبرزها الولايات الأميركية المتحدة وروسيا، ودعت إلى “وقف العمليات العدائية” خلال أسبوع واحد، ونصت على “استدامة دخول المواد الغذائية” إلى سبع مناطق وبلدات محاصرة في سوريا: مضايا، دير الزور، الفوعة وكفريا، وأطراف دمشق، ومعضمية الشام، وكفربطنا.

 وقال الأمين العام للمجلس النرويجي للاجئين وعضو سابق في مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في سوريا ((OCHA يان إيجلاند، الجمعة الماضية، أنهم طالبوا الهيئات المسؤولة داخل سوريا بإيصال المساعدات إلى المناطق المحاصرة. وأضاف “نتوقع دخول المساعدات دونما تأجيل”.

وسمحت قوات النظام، الأحد الماضي، بإدخال قافلة للهلال الأحمر تحمل المساعدات الطبية إلى دوما التي يحكمها الثوار في الغوطة الشرقية المحاصرة، وفق ما ذكرت صفحة دمشق الآن الموالية للنظام. وفي اليوم التالي وزعت الأنروا 1200 طرد مساعدات إلى أحياء دمشق الجنوبية المحاصرة. ووصلت المساعدات في هذا الأسبوع إلى حي الوعر المحاصر الذي يسيطر عليه النظام في حمص ومعضمية الشام .

وبالرغم من أن مضايا وردت في قائمة المناطق المحاصرة التي يفترض أن تتلقى المعونة وفق ما نصت بنود اتفاقية ميونخ، إلا أنه ما يزال غامضاً متى ستصل هذه المساعدات.

وشكك الناشط أحمد، من فريق عمرها، وبعض الأهالي بهذه الوعود الدولية. وقال لسوريا على طول، “هذه الوعود لا مصداقية لها، إنها مجرد كلام للعالم”.

وختم عضو المجلس المحلي حسام بأن “هناك حلا واحدا له ولعائلته وأطفال مضايا”، قائلاً “الاطفال نسيت الطفولة وحلم اللعب والدراسة. صار الحلم الوحيد فتح الطريق والخروج من السجن”.

آخر التقارير…