مدة القراءة: 4 دقائق | المقالات, سياسة

مظاهرات شمال غرب سوريا: رسالة إلى من يهمه الأمر


أغسطس 16, 2022

لم تكن المظاهرات التي عمّت مناطق سيطرة المعارضة السورية، شمال غرب سوريا، مجرد رسالة رفض لمضمون تصريحات وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، التي حذّر فيها من أنه “لن يكون هناك سلام دائم”، من دون المصالحة مع النظام، وإنما هي رسالة إلى كل من يهمه الأمر في تلك المناطق مفادها “طفح الكيل” من المسار الذي فرضته الفصائل العسكرية المسيطرة بقوة السلاح على تلك المناطق، سواء على مستوى الارتهان الكامل للقرار التركي في كل شاردة وواردة، أو في طريقة إدارة تلك المناطق، التي تحولت إلى إقطاعيات، يدير كل فصيل من الفصائل المنضوية تحت الجيش الوطني إقطاعية منها، وفق رؤيته ومزاج قادته بعيداً عن أي قانون.

بعد أقل من 48 ساعة على تلك المظاهرات، أطلقت الفصائل العسكرية حملة اعتقالات طالت بعض المشاركين في الاحتجاجات، وبالتوازي مع ذلك، أعلنت أنقرة بنجاح قوة أمنية تابعة لها بالتعاون مع نظيرتها السورية في تلك المناطق من اعتقال شابين بجريمة حرق العلم التركي خلال التظاهرات. ووفق ما هو متداول، نُقل الشابّان إلى تركيا لمحاكمتهما على تلك الجريمة!

بطبيعة الحال، يحرص السوريون سواء في شمال سوريا أو اللاجئون في تركيا على احترام كل ما يمثل قيمة عليا لدى الأتراك وخاصة الرموز السيادية للدولة التركية، من قبيل: العلم والعملة الوطنية وغيرهما، لذلك كانت واقعة إحراق العلم التركي في إحدى مظاهرات الشمال واقعة معزولة ومُدانة من غالبية السوريين.

وفي الحديث عن محاكمة المُتّهمين بحرق العلم، يجب التشديد على ضرورة أن يكون ذلك أمام محكمة مختصة في مكان حصول الواقعة في شمال غرب سوريا، ومن قضاة سوريين، وبموجب نصوص القانون السوري المعمول به أصلاً في تلك المناطق، وبالتالي فإن نقل الشابين المعتقلين – إن صحّ ذلك – إلى داخل الأراضي التركية لمحاكمتهما يعتبر تجاوزاً للموجبات القانونية، كون الجاني ليس تركياً ولم تُسجّل الواقعة داخل الأراضي التركية، وخلاف ذلك يعتبر انتهاكاً لمفهوم سيادة الدول على إقليمها.

إنّ كفّ يد المحاكم السورية في شمال سوريا عن القيام بعملها في هذه القضية هو رسالة سيئة للمجتمع السوري، لأنه يكشف هشاشة موقف السلطات التركية وعدم يقينها من قدرة  تلك المحاكم على القيام بمهامها، مع العلم أن هذه المحاكم -ككل المرافق والمؤسسات الأخرى- هي تركية المنشأ والدعم والديمومة!

وفي واقعة سابقة، عمّمت مديرية مكافحة الإرهاب في ريف حلب الشمالي أسماء عدد من طلاب الثانوية العامة تمهيداً لاعتقالهم بتهمة “الإساءة لدولة شقيقة للثورة السورية”، في إشارة إلى طمس العلم التركي وعبارة “الإخاء بلا حدود” من جدار مديرية التربية في مدينة اعزاز، أثناء مشاركتهم في تظاهرات احتجاجية على نتائج امتحانات الثانوية العامة، مطالبين بإعادة تصحيح أوراق الامتحانات بعد أن بلغت نسبة الرسوب 80%.

تنص المادة 282 من قانون العقوبات السوري على معاقبة من يرتكب الجرائم التالية: تحقير دولة أجنبية أو جيشها أو علمها أو شعارها الوطني علانية، تحقير رئيس دولة أجنبية أو وزرائها أو ممثلها السياسي في سوريا، القدح أو الذم الواقع علانية على رئيس دولة أجنبية أو وزرائها أو ممثلها السياسي في سوريا. لكن شكوى المتضرر تعد شرطاً لقيام الدعوى على المدعى عليه.

إنّ إعمال نصوص القانون السوري في مناطق المعارضة، شمال غرب سوريا، والالتزام بموجباته من الجميع تعدّ خطوة جيدة ومهمة، ولطالما كنّا كحقوقيين ورجال قانون نطالب أن يكون القانون سقفا يستظل به الجميع، لكن هل يستطيع القائمون على إدارة تلك المناطق إعمال نصوص القانون كله وعلى الجميع؟ أم ستكون المسألة انتقائية بطريقة تتيح لهؤلاء النفاذ خارج نطاق أحكامه وتطبيقاته؟

القانون الذي يتشدق هؤلاء بوجوب تطبيقه على واقعة العلم، بموجب المادة 282 منه، هو نفسه القانون الذي ينص في مادته رقم 280 على المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل “من جند في الأرض السورية دون موافقة الحكومة جنوداً للقتال في سبيل دولة أجنبية”، وهو فعل تورطت به فصائل الجيش الوطني في معارك ليبيا وأذربيجان.

القانون نفسه، في المادة 296 منه، يعاقب بالاعتقال المؤقت لسبع سنوات على الأقل “من اغتصب سلطة سياسية أو مدنية أو قيادة عسكرية”. لذلك من الطبيعي أن السوط الذي تريد جلد ظهور الآخرين به، أن يستخدمه الآخرون ليُلهبوا به ظهرك أولاً.

وبالعودة إلى مظاهرات شمال غرب سوريا، هي رسالة لتركيا، مفادها: أننا حتى لو كنا شركاء أو حلفاء، لكننا لن نكون بالضرورة أتباعاً نمتثل بالكامل لمسار سياستكم  إذا تناقضت مع مصالحنا الوطنية، فنحن وحدنا من دفع ضريبة غالية من الدم والاعتقال والاختفاء القسري والتهجير والتشريد، لذلك لنا حق على السلطة الحاكمة أن تحفظه وتؤديه.

وأما الرسالة الثانية، موجهة لسلطات الأمر الواقع في تلك المناطق ولتركيا باعتبارها الداعم لهذه السلطات أنه “طفح الكيل”، إذ تُنتهك الحقوق والحريات يومياً بدلاً من صونها، وفشل إداراتكم ومؤسّساتكم على مختلف المستويات صار عبئاً مضافاً على أعباء أثقلت كاهل الناس، لذلك يتعين إجراء مراجعة شاملة لطرق إدارة تلك المؤسسات وحوكمة عملها وإخضاعها للرقابة المجتمعية وسلطان القانون، وقبل كل ذلك كفّ يد قادة الفصائل، أو كما أسميها “الميليشيات” عن التدخل فيما ليس من شؤون عملها.

بصرف النظر عن تقلبات سياسات تركيا تجاه المسألة السورية، ستبىق حليف السوريين الرافضين لنظام الأسد ومنظومته الأمنية، لكنها مع الأسف لم تحسن إدارة واستثمار القوة الناعمة التي بدأت تتسرب من بين أيديها سواء على مستوى نمط التعاطي مع المناطق “المحررة”، أو سبل إدارة ملف اللاجئين السوريين لديها، وهي بذلك تخسر أوراقاً مهمة قبل الجلوس على الطاولة بوصفها فاعلاً إقليمياً له وزنه في الملف السوري والمساهمة في إرساء حل مستدام للصراع في سوريا.

آخر التقارير…