مع قرب وصوله سوريا: مخاوف حول التوزيع العادل للقاح “كورونا”


January 21, 2021

عمان، بيروت- لا يبدو أداء دمشق مبشراً في السباق العالمي للحصول على اللقاح المضاد لفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19). إذ فيما تم تلقيح أكثر من 30 مليون شخص في 50 بلداً، يُتوقع أن يصل اللقاح إلى سوريا في نيسان/ أبريل أو حزيران/ يونيو على أبعد تقدير. 

وكانت دمشق أعلنت، في 12 كانون الثاني/يناير الحالي، عن موافقة مجلس الوزراء على آلية وزارة الصحة للحصول على اللقاح، لكن ما تزال التفاصيل مبهمة، في وقت حذرت فيه منظمات وهيئات الإنسانية من مخاطر الممارسات التمييزية في توزيع اللقاح في حال كان ذلك مستنداً لقرار دمشق وحدها. 

وفي كانون الأول/ ديسمبر الماضي، تقدمت وزارة الصحة السورية بطلب الحصول على اللقاح من خلال منصة “كوفاكس” (آلية الوصول العالمي للقاح المضاد لكوفيد-19). إذ كون سوريا من الدول منخفضة الدخل، يؤهلها للحصول على اللقاح مجاناً من خلال هذه المبادرة.

وتهدف “كوفاكس” الذي تتولى إدارتها بشكل تشاركي منظمة الصحة العالمية وتحالف ابتكارات التأهب الوبائي (CEPI) والتحالف العالمي للقاحات والتحصين (Gavi)، إلى تأمين ملياري جرعة من اللقاح بنهاية العام الحالي، منها مليار جرعة مخصصة للبلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط، وعددها 92 بلداً. وستحصل هذه البلدان على جرعات مجانية، وقد يقع على عاتقها تغطية جزء من تكاليف التوزيع بما يصل إلى دولارين للجرعة. 

في العام 2020، جمعت آلية “كوفاكس” ملياري دولار، واستثمرت في عشرة لقاحات قد الاختبار، من ضمنها لقاح موديرنا ولقاح أكسفورد/أسترازينيك. ومن المتوقع، بحسب “كوفاكس”، بدء حملة التطعيم في نيسان/أبريل المقبل. لكن ما تزال هناك حاجة إلى 4.6 مليار دولار على الأقل من أجل شراء جرعات اللقاح للدول الفقيرة. وقد يعيق هذا الشح في التمويل عملية الاستجابة. ففي حالة سوريا، تم جمع 77.9 مليون دولار فقط من المبلغ المطلوب لخطة الاستجابة والمقدّر بـ179 مليون دولار (لشراء معدات إجراء الفحص والوقاية الشخصية).

البديل الروسي؟

منذ إطلاق روسيا لقاح “سبوتنيك”، شرعت وسائل الإعلام الحكومية السورية في إشاعة الأمال بوجود حل روسي للوباء.  

وفي تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أكدّ الأسد أن النظام “يعتزم التباحث مع السلطات الروسية للحصول على اللقاح للسوق السورية حالما يصبح متوفراً عالمياً”. إلا أنّ “كوفاكس” لم تستثمر في لقاح “سبوتنيك”، ما يعني اضطرار دمشق لشرائه من روسيا مباشرة. وهذا أمر يبدو قليل الاحتمال في ضوء ما تعانيه سوريا من أحوال اقتصادية مريعة، وما لم تتبرع روسيا بجرعات لتروج لقاحها.

من ناحية أخرى، تشجع “كوفاكس” الدول الأكثر غنى على التبرع بجرعات اللقاح. لكن لا ينبغي تخصيص التبرعات “لفئات سكانية ومناطق جغرافية محددة”. ما يعني أن المبادرة لن تدعم التبرعات باللقاح الروسي فيما لو تم حصرها بسوريا.  

مواجهة الوباء في بلد تعاني الحرب

بلغت عدد الإصابات النشطة بفيروس كورونا المستجد في مناطق سيطرة النظام 5,593 حالة، فيما سُجلت 858 وفاة بالفيروس. لكن لم يتم الإبلاغ سوى عن “1.5% فقط” من حالات الوفاة الناجمة عن الإصابة بكورونا، بحسب ما قال لـ”سوريا على طول” الدكتور حسام النحاس، الباحث في قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان. مضيفاً أن بعض الأطباء الذين حاولوا التصريح علناً عن حجم الوباء تم ردعهم وترهيبهم، باللجوء إلى العنف الجسدي أحياناً. 

وتحد الحرب وسوء الوضع الاقتصادي من قدرة سوريا على تأمين “سلسلة التبريد” اللازمة للحفاظ على اللقاح. إذ “إنّ وجود التجهيزات الضرورية وانتظام إيصال الكهرباء إلى جميع المواقع في سوريا، لا يمكن ضمانها على الدوام. وهذه مسألة جوهرية فيما يتعلق بخطط التطعيم”، كما قال حسن النابلسي، مسؤول الاتصالات في يونيسف، لـ”سوريا على طول”.

كذلك، بعد عقدٍ من الحرب، لم يعد هناك سوى 65% فقط من المستشفيات العاملة بفاعلية كاملة. وفي محافظة درعا، على سبيل المثال، وبعد عامين من “المصالحة” مع النظام، لم يبق سوى مستشفى واحد يعمل بكامل طاقته من أصل ثمانية مستشفيات عامة.  

أما في منطقة شمال غرب سوريا، الخارجة عن سيطرة دمشق وتضم 4.2 مليون نسمة، فإن عدد الفحوصات الخاصة بكورونا يراوح حول 1,000 اختبار يومياً. ويحول هذا العجز دون تكوين “صورة واضحة عن انتشار الوباء”، كما أوضح لـ”سوريا على طول” فراس الفارس، مدير البرامج في الرابطة الطبية للمغتربين السوريين (سيما).

وهذا يزيد أيضاً من صعوبة شراء معدات الوقاية الشخصية للعاملين في مجال الرعاية الصحية. إذ “من أصل 600 طبيب في شمال غرب سوريا، أصيب 273 طبيباً وتوفي 20 آخرون”، بحسب الفارس، الطبيب السوري المقيم حالياً في تركيا، والذي يقدر عدد الأَسرّة المتوفر حالياً لعلاج الحالات الشديدة للمصابين بكورونا في شمال غرب سوريا بـ300 سرير في سبع مستشفيات. فيما تبلغ نسبة إشغال الأسرّة حالياً 60%، متوقعاً الفارس أن يصل عدد الحالات إلى الذروة في نهاية كانون الثاني/يناير الحالي، على غرار الذروة التي حدثت في تشرين الثاني/نوفمبر 2020 حينما وصلت نسبة الإشغال إلى 100%. 

وفيما أسفر إغلاق ثلاثة معابر حدودية من أصل أربعة إلى تقييد تدفق المساعدات عبر الحدود بشدة، حذّر النحاس من أنّ “الاعتماد على معبر واحد [باب الهوى] لإمداد الشمال السوري بأكمله لن يفي بالغرض، لاسيما حينما يبدأ اللقاح بالوصول إلى المنطقة”. 

في غضون ذلك، فإنّ العمل جارٍ على قدم وساق من قبل “فريق لقاح سوريا” (SIG) لشراء اللقاح لشمال غرب سوريا. والفريق هو تكتل من المنظمات الصحية المحلية، بما فيها مديرية صحة إدلب ومديرية صحة حلب، تأسس في العام 2013 إثر تفشي فيروس شلل الأطفال. ويتولى الفريق مسؤولية إعطاء التطعيمات الدورية المنطقة، ويتلقى اللقاحات من منظمة اليونيسف مباشرةً، بحسب فادي حكيم ، مدير شؤون المناصرة والتواصل في الجمعية الطبية السورية الأمريكية (سامز) في إدلب.

وقد قدّم “فريق لقاح سوريا”، كما أوضح حكيم، طلباً “رسمياً إلى “كوفاكس” لشراء جرعات لـ20% من إجمالي سكان محافظة إدلب، أي ما يشمل 700000 شخص”. فيما ذكر عماد زهران، المتحدث باسم مديرية صحة إدلب، لـ”سوريا على طول”، أن الأولوية ستُعطى للطاقم الطبي الموجود في خطوط مواجهة الفيروس الأمامية (ويشكلون 3% من السكان)، وأولئك الذين تزيد أعمارهم عن 60 عاماً (يشكلون 7.5%) وأولئك الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و60 عاما، والذين يعانون من أمراض تتأثر بفيروس كورونا (ويشكلون 9.5%).  

مخاطر استخدام اللقاح كسلاح

“وثقت هيومن رايتس ووتش خلال جائحة كوفيد-19 ممارسات تمييزية أثناء توزيع الكمامات والقفازات ومعدات الحماية”، بحسب ما قالت سارة كيالي، باحثة سوريا في المنظمة. كما أشارت إلى أن أعداد الفحوصات التي تُجرى في شمال شرق وشمال غرب سوريا “منخفضة جداً مقارنةً بمناطق سيطرة الحكومة السورية”.

كما تم إبلاغ منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان بحالات بيعت فيها أدوات الفحص التي تبرعت بها الصين وروسيا للحكومة السورية “مقابل 100 أو 200 دولار”، وفق النحاس.

والآن يُخشى أن يُسفر حرف المساعدات عن المسار المخصص لها إلى التأثير على توزيع اللقاح، ما يترك الفئات ذات الأولوية -العاملون في مجال الرعاية الصحية، والأشخاص الذين يعانون ظروفاً صحية صعبة، ومن هم فوق سن 65 عاماً- رهينة الحسابات الجيوسياسية أو الاقتصادية.

“ما يشغلنا أنه في حال تعاملت الأمم المتحدة مع الحكومة السورية باعتبارها الشريك الأساسي، فسيتأخر كثيراً وصول اللقاح إلى شمال شرق وشمال غرب سوريا”، كما قالت كيالي. أما النحاس فلفت إلى مصير المناطق التي استعادت الحكومة السيطرة عليها، والخشية من أنها “لن تكون على قائمة أولويات التطعيم، هذا إن كانت الحكومة تعتزم تطعيم قاطنيها أساساً”.

وبعيداً عن الإجحاف المحتمل استناداً إلى الجغرافيا، فقد يتأتى غياب الإنصاف من الفساد المنتشر والواسطة. إذ وثقت هيومن رايتس ووتش خلال الجائحة ظهور سوق سوداء لبيع معدات الوقاية الشخصية وأسطوانات الأوكسجين. ورأت كيالي في هذا السياق، أنه “لو كانت جرعات [المطعوم] محدودة، فستذهب للنخبة؛ لأولئك القادرين على دفع ثمنها؛ للناس في دمشق. وهذا ما شهدناه  فيما يخص معدات الوقاية الشخصية”.

وقد اضطر كثيرون لدفع رشاوى للأطباء “من أجل إدخالهم إلى المستشفى، ودفعوا من جيوبهم ثمن الإمدادات التي يحتاجونها” وفق النحاس. مضيفاً: “أولئك الذين يملكون الواسطة هم من سيحظون بالعناية الصحية ، وهذا ينطبق أيضاً على اللقاح”.

أيضاً، ربما تشكل المخاوف الأمنية عوائق أمام الوصول للقاح. فعلى سبيل المثال، أولئك “المغضوب عليهم” من قبل النظام، والذين يعيشون خفيةً عنه، والذين أجروا مصالحات وتسويات مع النظام أو تخلفوا عن أداء الخدمة العسكرية الإلزامية، جميعهم “قد يترددون في الذهاب إلى المراكز الصحية العامة”، وفق ما قال النحاس، خشية التقائهم ضباط أمن أو غيرهم ممن تربطهم صلة بالجهات والأفرع الأمنية. موضحاً أنه “فيما لو تطلب [الحصول على اللقاح] السفر إلى دمشق، فهذا يعني اجتياز الحواجز الأمنية، الأمر الذي ينطوي على خطر آخر”. 

لضمان التوزيع العادل للقاح، يجب تسليط الضوء على  المنظمات الدولية ووكالات الأمم المتحدة التي ستشارك مع السلطات السورية في تنفيذ خطة التطعيم. بحيث تتمثل توصية كيالي “الأساسية لوكالات الأمم المتحدة ضمان أن نظام المساعدات القائم على التمييز والذي ما يزال سائداً في سوريا إلى الآن لن يكون هو السائد فيما يتعلق بتوزيع اللقاحات”.  

أما النحاس الذي عبر عدم تفاؤله بشأن “كيفية توزيع اللقاح”، فرأى أن “على وكالات الأمم المتحدة ممارسة المزيد من الضغوط على الحكومة السورية لتوزيع أكثر شفافية، يتيح مراقبة آلية التطعيم”. داعيا مقدمي الرعاية الصحية إلى “عدم الامتثال للضغوط التي تمارسها الحكومة لثنيهم عن الوصول إلى جميع المناطق والناس في البلد”.

ورداً على استفسارات “سوريا على طول”، أكدت منظمة الصحة العالمية أن “هناك جهوداً مشتركة بين وزارة الصحة السورية ومنظمة الصحة العالمية واليونسيف والتحالف العالمي للقاحات والتحصين من أجل التخطيط لإطلاق حملة اللقاح المضاد لفيروس كورونا المستجد”، وأن الحملة “لن تستثني أي مجموعة سكانية أو منطقة في البلد”. وبحسب “الصحة العالمية” أيضاً، ستعتمد حملة التطعيم ضد كورونا بطاقات وسجلات التطعيم”، كما ستراقب طريقة استهلاك اللقاح و”الفاقد منه في كل نقطة توزيع” . 

نشر هذا التقرير أصلا باللغة الإنجليزية، وترجمته إلى العربية فاطمة عاشور.

More Latest…