مدة القراءة: 7 دقائق | ريف دمشق, مقابلات

مقاتل سابق في الجيش الحر من المعضمية: الإحساس بالخوف من كابوس المخابرات يعود إلى مجتمعنا بعد غياب 5 أعوام


نوفمبر 22, 2016

بعد ثلاثة سنوات من القتال، سلم محمد المعضماني، المقاتل البالغ من العمر 30 عاما،  سلاحه للحكومة السورية الشهر الماضي، مقابل العفو عنه.

وشهد محمد، في عام 2013، الهجوم بغاز السارين على مدينة المعضمية، في ريف دمشق،  الذي أسفر عن مقتل مئات الأشخاص. وطوال فترة الحصار الذي دام ثلاث سنوات، كانت المدينة محط أنظار المجتمع الدولي بسبب التجويع والبراميل المتفجرة التي أسقطها النظام على المعضمية، وفقا لما أوردته سوريا على طول.

وفي تشرين الأول الماضي، سلم مسؤولو المعارضة السيطرة على المعضمية للنظام السوري، فكانت المدينة الرابعة التي تصبح تحت سيطرة النظام في الأشهر الأخيرة.

وكغيره من أهالي المعضمية البالغ عددهم 45 ألف نسمة، كان أمام محمد خيارين: قبول عودة مؤسسات الدولة وقوات الأمن، أو التوجه شمالا إلى محافظة إدلب التي يسيطر عليها الثوار، والاستمرار في محاربة النظام من هناك.

في النهاية، توجه 1600 مقاتل من الثوار مع عدد من أهالي المعضمية شمالا باتجاه إدلب. وقال بعض الذين غادروا الشهر الماضي لسوريا على طول، أنهم يخشون من انتقام الحكومة، بينما أشار البعض الآخر لالتزامهم بالثورة السورية.

وقبل محمد بعفو الحكومة من أجل البقاء في مسقط رأسه. وكمدني في المعضمية، يصف محمد الآن الحياة تحت سيطرة النظام. ويقول المقاتل السابق لآلاء نصار، مراسلة سوريا على طول “عادت تلك المواقف التي كانت تحصل قبل الثورة إلى الواجهة، والتي كانت تتجسد بهروب الناس من مجالسة من يسب على الأسد، بمعنى آخر عاد الإحساس بالخوف من كابوس المخابرات إلى مجتمعنا بعد غياب 5 أعوام عن مجتمع المدينة”.

وأضاف الآن “أصبح الناس يتجنبون أي شيء له علاقة بالثورة خوفا على أنفسهم من الاعتقال”.

ما الفرق الذي لمسته في المدينة عقب دخول النظام إليها مجتمعيا ومعيشيا؟

الفرق الذي بدأنا نشعر به شاسع ومربك جدا، ففي السابق كان من السهل شتم الأسد بينما الآن بعد دخول النظام البلدة عاد الخوف من النظام مرة أخرى ليسيطر على مجتمعنا، وعادت تلك المواقف التي كانت تحصل قبل الثورة إلى الواجهة، والتي كانت تتجسد بهروب الناس من مجالسة من يسب على الأسد، بمعنى آخر عاد الإحساس بالخوف من كابوس المخابرات إلى مجتمعنا بعد غياب 5 أعوام عن مجتمع المدينة، حيث أصبح الناس يتجنبون أي شيء له علاقة بالثورة خوفا على أنفسهم من الاعتقال.

ولكن في المقابل لا نستطيع نكران عودة التنظيم إلى المدينة عقب مرور 5 أعوام عليها من الفوضى التي خلفتها الحرب، الآن أصبحنا نرى الناس تصطف في الطابور.

تجمع سكان المعضمية لملاقاة مسؤولي الحكومة السورية، 17 تشرين الثاني. تصوير: شبكات أخبار سوريا المتحدة.

ماهو رأيك بقادة الثوار الذين وضعوا أيديهم بأيدي ضباط الفرقة الرابعة وظهروا بصور على شاشات التلفاز عقب المصالحة؟

القادة هم من أوصلونا إلى ما نحن عليه الآن للأسف، بحجة أنهم يحملون لواء المصلحة العامة لهذه البلد.

(في تشرين الأول، نشرت صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي صورة لأبو علي يوسف، أحد قادة أجناد الشام، وهو فصيل جيش السوري الحر كان يقاتل في المعضمية، وهو يعانق ضباط  الفرقة الرابعة).

وأنا من ناحيتي مقتنع بأن ثوار خان الشيح أو داريا يستحيل أن يصلوا إلينا، ولذلك فمن الأفضل أن نحافظ على بلدنا وألا نخسرها كما خسرنا داريا.

(في آب، استسلمت مدينة داريا للنظام بعد أربع سنوات من الحصار والقصف الجوي، وفقا لما ذكرته سوريا على طول  في ذلك الوقت. وكجزء من الهدنة، خرج جميع المقاتلين وعددهم 4000، وكذلك المدنيين من داريا. ثوار خان الشيح، وهي مدينة أخرى في ربف دمشق، يقاتلون قوات النظام الآن).

ولو كان قادتنا همهم البلد وأهلها لما جعنا وذللنا في عام 2013.

بعد مواجهة النظام لمدة أربع سنوات، ما الذي دفعك للبقاء في المعضمية؟

نحن خرجنا بالثورة لندافع عن مدينتنا ونطالب بحقوقنا، والوطن بالنسبة لنا هو مدينتنا المعضمية، بكل ما تحمله أرضها من مدنيين ورفاق الدرب الذين الذين استشهدوا وهم يدافعون عنها ودفنوا في ثراها.

يصعب علينا كثيرا أن نغمض أعيننا، ونمشي ونترك وراءنا أرضنا التي فديناها بدمائنا، فلم يكن منا إلا أن نبقى فيها لنحميها وأهلها من دخول الأمن والجيش وإلا سنواجهه بالقوة، لا نستطع أن نترك المدنيين تحت رحمة النظام ونغادر، فمن يقتل الأطفال في حلب لن يكون رحيما بهم في المعضمية.

ومن ناحية أخرى، لن نصل لمبتغانا الثوري إن خرجنا لإدلب، فقد كان لدينا 3 ألوية في المعضمية يعيشون تحت الحصار ولم يتوحدوا، فكيف سنطلب من آلاف الفصائل في إدلب أن يتحدوا؟.

ماذا بحل بالمؤسسات والمنظمات التابعة للمعارضة في المعضمية، كالمجلس المحلي، ومكتب الدفاع المدني بعد سيطرة النظام على المدينة؟

بناء على طلب النظام تم حل المجلس المحلي المعارض في المدينة بفك ارتباطه الخارجي مع الداعمين ومنع الاتصال مع أي جهة خارجية، ولم يبقى فيه سوى المكتب الاغاثي ليتابع أعماله بتوزيع المعونات المقدمة، بالتنسيق مع مجلس المدينة التابع للنظام، وهو من قام بتوزيع معونات الأمم المتحدة التي دخلت، بعد أن جهز إحصائية جديدة لأعداد العائلات المتبقية في المدينة.

(في 19 أيلول، دخلت 24 شاحنة مساعدات تابعة الأمم المتحدة إلى المعضمية، وفقال لما ذكرته وكالة الأنباء السورية الرسمية سانا).

وبناء على ما طلبه النظام فقد تم إغلاق مركز الدفاع المدني العامل في البلدة رغم الحاجة له، وقد طلب أيضا إغلاق مشفى الروضة الوحيد في البلدة ولكنه لم يغلق حتى الآن، كما طلب إيقاف عمل كافة المنظمات، وقد خرج معظم شباب المنظمات إلى إدلب.

في 17 تشرين الثاني، دخل مسؤولو النظام المعضمية في زيارتهم الرسمية الأولى إلى المدينة. تصوير: محمد نور.

كيف أصبح الوضع بعد فك الحصار؟ هل تستطيع أن تشتري الطعام والمنتجات التي لم تكن متوفرة لسنوات؟

بالنسبة للمواد الغذائية والأساسية فقد كنا محرومين طيلة عام 2013 من الخبز والفروج والكهرباء والغاز، وفي بداية 2014 قمنا بتوليد الكهرباء والغاز بشكل طبيعي من روث الحيوانات والفضلات مدة 6 أشهر إلى أن نفدت المواد الأولية في توليدها، وانحرمنا منها إلى أن تم تسليم المدينة خلال الأشهر الماضية.

لم تتغير الحياة علينا كثيرا من الناحية المعيشية رغم انخفاض أسعار السلع الغذائية والأساسية وتوافر سلع لم تكن موجودة فترة الحصار. حتى أن أطفالنا لا تعرف ماهي الفواكه من موز وتين وعنب، وبعد أن دخلت المدينة اندهشوا عند رؤيتها.

وشهدت المدينة انخفاضا ملحوظا بأسعار المواد الغذائية والأساسية بشكل كبير بمقدار 3 مرات مما كانت عليه سابقا.

بسبب الفقر الذي يخيّم على 95% من سكان مدينتي وانعدام فرص العمل وهذا الأمر (عم يخلينا نشوف بعيننا ونحرق بقلبنا).

لذلك بالنسبة لنا فك الحصار لم يغير علينا شيئا سوى أننا أصبحنا نرى أصنافا جديدة من الأكل والمواد في الأسواق لم تكن موجودة سابقا، دون أن نستطيع شراءها لانعدام المال وعدم وجود مصدر رزق للأهالي، ونختصر الشراء على الضروريات من الخضار وأي شيء باستثناء ذلك يعد رفاهية زائدة في هذه الفترة.

ماذا تفعل في الوقت الحالي؟ وماهو مصدر رزقك الذي تعتمده عقب تركك للعمل كمقاتل؟

عقب تسليم سلاحي قبعت في منزلي، ورفضت أن أنضم للجان، فقد كان صعبا علي جدا أن أجالس العلويين أو أن أضع يدي بيدهم بعد أن عكّروا حياتنا وقتلوا أبناءنا وحاصرونا على مدار 4 سنوات، فمخطئ من ظن يوما أن للثعلب دينا.

سابقا، خلال عملنا مع الجيش الحر كنا نستلم راتب شهر عن كل 6 شهور، ولم يكن لدينا مصادر رزق أخرى أو أعمال حرة فترة الحصار، ولا حتى حاليا عقب انقطاع الراتب، لعدم توفر أموال لفتح أي مشروع أو مصدر رزق.

مالذي يفعله بقية السكان؟ ما الأعمال التي يمارسونها؟

نسبة اعتماد الأهالي على المواد المقدمة من المعونات حوالي 75%، وأغلب المهن التي يعملون بها تقتصر على بيع الدخان والمازوت على البسطات في الطرقات.

علما أنه لم توزع علينا مساعدات إغاثية سوى مرة واحدة قدمتها الأمم المتحدة عقب دخول النظام.

حتى أن الأهالي ممن يملكون أراض زراعية لا يمكنهم استثمارها لعدم توفر المياه وانقطاع مياه الشرب والاستعمال منذ 6 أشهر، والاعتماد الكلي على مياه الصهاريج والآبار الموجودة في المنازل، فشح المياه في دمشق لم يمكّن النظام من إيصالها إلى المعضمية.

وللأسف لم يعد هناك منظمات تتبنى مشاريع زراعية تستثمر الأيدي العاملة والأسعار الرخيصة.

دخل النظام رسميا إلى المعضمية في 17 تشرين الثاني. حيث زار كل من محافظ دمشق، وأمين حزب البعث ورؤساء مؤسسات الدولة المدينة.

 

في 23 تشرين الأول، دخل عناصر من الفرقة الرابعة المعضمية للمرة الأولى منذ أربع سنوات، ماذا حدث حينها؟ هل سوى جميع المقاتلين في المدينة أوضاعهم مع النظام؟

دخل وفد من الجهة الراعية للمصالحة وهم عناصر الفرقة الرابعة إلى المخفر، حيث دخلوا المدينة  بحماية شبابنا ودون حمل أي سلاح بحوزتهم، ونستطيع القول بأن دخوله للمدينة كان شكليا فقط.

التسوية كانت لجميع الشباب المطلوبين من منشقين ومتخلفين عن الخدمة وثوار والكل سوّى وضعه مع النظام، وأنا آسف على هذا التعبير لأننا سوّينا أوضاعنا مجبرين، حتى لا يكون للنظام حجة  في الاستمرار بإغلاق الطريق.

وقد تم سحب السلاح من جميع عناصر الجيش الحر الذين بقوا في المدينة ورفضوا مغادرتها إلا من انضم منهم للجان فقد أبقوا سلاحه معه، وسوف يسلمونهم حماية محيط المدينة ومشارفها لمنع دخول أي هجوم عليها من أي طرف.

(اللجان الشعبية: هي قوات الشرطة المدنية التي يعينها النظام في المدينة وتتقاضى راتبا من النظام).

وبالنسبة لحاجز الفرقة الرابعة فقد أصبح مشتركا بين أبناء المدينة المنضمين للجان وبين ضباط الحاجز، ولم ينشئوا أي حواجز لهم داخل المدينة.

المنشق والمتخلف أعطاهم النظام فترة راحة مدة الـ6 أشهر الأولى من التسوية، ومن ثم يجب عليهم أن يلتحقوا بعملهم، يستطيع المتخلف أو المنشق خلال تلك الفترة التجوال على الحواجز مع ضمان عدم اعتقاله، وفي هذه الفترة يكون لهم فرصة بأن يهجروا المدينة إلى أي منطقة أخرى، وإما أن يبقوا ويلتحقوا بالجيش.

حيث تم الاتفاق على أن المتخلفين عن الخدمة لديهم خيارين، تطويع من يرغب منهم من الثوار بالشرطة المدنية في مخفر المدينة، وهؤلاء لا يتم سحبهم إلى الجبهات والأولوية لهم في هذا التطوع عن باقي الثوار، أو أن يقدموا للثانوية العامة أو أن يكملوا دراستهم الجامعية، ويحصلوا على  تأجيل دراسي لمدة سنة.

(يتوجب على الرجال السوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 18-42 تأدية الخدمة الإلزامية في الجيش لمدة عامين، مع وجود استثناءات وتأجيل متاح فقط للطلاب وذوي الظروف العائلية والصحية  الصعبة).

وبالنسبة للمنشقين فقد حصلوا على قرار عسكري يقضي بخدمتهم حصرا في الشام، ومنهم من طلب العودة ليخدم في قطعته العسكرية التي كان فيها قبل انشقاقه.

أما باقي الأشخاص من حملة السلاح من المدنيين فلهم حرية الاختيار بين أن ينضموا للجان أو أن يعودوا لحياتهم الطبيعية (ما قبل تسليح الثورة)، لا يتم سحبهم لينضموا للجان رغما عنهم.

ماهي توقعاتك لمستقبل الثورة عقب تسوية أوضاع عدة مناطق وتسليمها للنظام؟

أتوقع أن الثورة  قد انوأدت لدينا في الجنوب، ولكنها ستستمر كحرب بالشمال، وفي رأيي أن الغلط الأكبر الذي ارتكبناه منذ البداية كان تسليحنا للثورة، فلو أننا أردنا ثورة حقيقية وصادقة كان من المفترض منا أن نكملها سلمية كما خرجنا بها.

ترجمة: سما محمد

 

آخر التقارير…