مدة القراءة: 5 دقائق | السويداء, المقالات

مقال رأي: أحداث السويداء الأخيرة.. اجتثاث مجموعة مسلحة يفتح باب “فتنة” أكبر؟!


أغسطس 1, 2022

مما لا شك فيه أن أحداث السويداء الأخيرة المرتبطة باجتثاث ميليشيا قوات الفجر، التي يرأسها راجي فلحوط، لها دلالات على مجموعة أمور، لا يمكن القفز عنها، في المحافظة المضطربة منذ اندلاع الثورة السورية في ربيع 2011، وصولاً إلى الهبة الشعبية في وجه “مجموعة فلحوط” المرتبطة علناً بأجهزة النظام، وعلى رأسها فرع الأمن العسكري، الذي يعد الموجه الأساسي لما تقوم به المجموعة من أعمال خطف وقتل وترهيب، وتصنيع المخدرات، ودوس لكرامات الناس.

كل ذلك، ألهب حمية الناس بشكل لا يمكن التراجع عنه، ودفعهم إلى اتخاذ قرار “اجتثاث العصابة” وتدمير مقراتها، وفرار زعيمها إلى مكان مجهول، ومع أنهه لا يمكن تحديد مكانه، إلا أن استعراض مسيرته لسنوات وارتباطه المكشوف بالأجهزة الأمنية التي كانت ترعاه وتؤازره وتسهّل له كل أعماله، ينبئ بأهميته بالنسبة لدمشق، وبالتالي تهريبه بالتنسيق مع أجهزتها المنتشرة في السوديداء.

في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، أقدم فلحوط ومجموعته على اختطاف الشاب مجد سريوي في بلدة عتيل بريف السويداء، التي ينحدر منها سريوي وفلحوط، وهي مركز إدارة أعمال الأخير، من خطف واحتجاز وتصنيع مخدرات، وبعد تعذيب المختطف وبثّ اعترافاته عبر تسجيل مصور، قُتل وألقيت جثته أمام المشفى الوطني في السويداء. لم يكتفِ فلحوط بذلك، بل مارس ضغوطاً على أهل القتيل، وأجبرهم على الصلح والرحيل عن البلدة، تحت التهديد بتصفية باقي أفراد العائلة.

بعد حادثة تعذيب مجد سريوي ومقتله، توسع راجي ومجموعته في أعمالهم، بدعم كامل من الأجهزة الأمنية وحزب الله اللبناني الموجّه من إيران، لتشكيل ميليشيا مسلحة قوامها شبّان المنطقة، بمساعدة بعض العناصر المكلفين من الأمن العسكري وحزب الله لتسهيل المهام الموكلة إليه، بما في ذلك تصفية باقي المنافسين في تجارة وتصنيع المخدرات في السويداء، إلى جانب عملياته الأمنية.

نفذت “مجموعة فلحوط” عدة عمليات خطف، وأجبرت ذوي المخطوفين على دفع فديات مالية كبيرة، وحفاظاً على أرواح أبنائهم، أُجبر هؤلاء على الرضوخ لطلبات فلحوط، ولكن تكرار الخطف كان أحد أسباب توحد أهالي السويداء في الحملة الأخيرة ضد فلحوط، الذي كان مغترباً في دولة قطر، وعاد إلى موطنه مع بدايات الثورة السورية، وقدم خدمات للنظام مقابل الحصول على امتيازات حماية وبطاقة أمنية.

وفي حزيران/ يونيو الماضي، استأصلت “مجموعة فلحوط” فصيل “قوة مكافحة الإرهاب”، الذي تم تأسيسه العام الماضي، وهو ذراع عسكري لـ”حزب اللواء”، المتمركزة في قرية” خازمة” بالقرب من الحدود الأردنية، وأدى الهجوم إلى مقتل عدد من عناصر “مكافحة الإرهاب”، على رأسهم زعيمها سامر الحكيم.

بعد ذلك، خطف فلحوط عدداً من آل الطويل، كبرى عائلات مدينة شهبا، الواقعة على بعد 20 كيلومتراً شمال مدينة السويداء، ما دفع أقارب المخطوفين بدعم من شباب المحافظة إلى اجتثاث المجموعة نهائياً، وكان ملفتاً تدخل المرجعية الدينية الأولى في السويداء، ممثلة بشيخ عقل الطائفة حكمت الهجري، وإصدار بيان يدعو فيه إلى القضاء على ميليشيا فلحوط.

أحداث السويداء الأخيرة تعيد إلى الواجهة عدداً من النقاط، كانت وما زالت مثار تساؤل وموضع خلاف واختلاف، وهي:

أولاً- عجز النظام السوري طيلة السنوات الماضية أن يدجّن المحافظة ويخضعها له بالكامل، وظهر هذا جلياً في امتناع شبابها المطلوبين للخدمة الإجبارية عن أدائها في صفوفه خارج السويداء، محميين بتوافق ضمني، بين رجال الكرامة المغدور ممثلاً بالمغدور “وحيد البلعوس” والنظام في سنوات الثورة الأولى، كما أنه لم يستطع فك الارتباط بين السهل والجبل (درعا والسويداء)، أو بين مكونات المحافظة (دروز وبدو سنّة)، ما دفعه إلى استخدام “حثالات” مجتمع السويداء لتنفيذ أعمال قذرة بالوكالة، ودعمهم بالمال والسلاح، وأعطاهم صلاحيات القوى الأمنية، التي كان من المفروض أن تكون مسؤولة عن أمن وأمان المواطنين، ليخلق حالة غريبة عن مجتمع السويداء وعادات أهله العريقة وتقاليدهم المتوارثة عبر الأجيال.

ثانياً- عطفاً على ما سبق، إن السويداء هي جزء أساسي من تركيبة المجتمع السوري، ولكن بحجة حماية الأقليات، التي تذرع بها النظام، حاول فك ارتباطها مع باقي مكونات المجتمع السوري بكل الوسائل والدسائس، وعندما عجز عن ذلك لم يبق أمامه إلا العمل على تفتيت النسيج الاجتماعي للمحافظة، ونشر المخدرات، وإشاعة جو من الرعب وعدم الطمأنينة، بسبب حوادث الخطف والنهب والاعتداءات المتكررة على حياة الناس وأرزاقهم من دون أي وازع أخلاقي، الأمر الذي دفع الناس في المحافظة إلى الخروج وشق عصا الطاعة وفلسفة النأي بالنفس، التي اتخذتها معظم أطياف المحافظة منذ اندلاع الثورة 2011.

أحداث السويداء الأخيرة لم تكن المرة الأولى التي يخرج فيها أهالي السويداء عن فلسفة “النأي بالنفس”، ولا أعتقد أنها ستكون الأخيرة، خاصة مع وجود الأجهزة الأمنية ووكلاء إيران في المنطقة وأتباعهم من ضعاف النفوس، الذين  يتمتعون بالكثير من الامتيازات والدعم والحماية.

ثالثاً- أثبتت محافظة السويداء عبر عدة استحقاقات مرت بها وأزمات تعرضت لها خلال السنوات الماضية أنها لا تقبل الضيم ولا الإذلال من أي جهة كانت، مهما ارتفعت تكاليف المواجهة، ودليل ذلك مواجهة الأهالي تنظيم داعش، وتمكنهم من إيقاف هجومه، في 25 تموز/ يوليو 2018، وإيقاع قتلى في صفوف القوات المهاجمة من دون مساعدة النظام، المتهم بتسهيل وتيسير هجوم التنظيم على القرى الآمنة في الريف الشرقي، بعد نقل عناصره من مخيم اليرموك إلى بادية السويداء بعتادهم.

رابعاً- إن غياب الدولة، وانهيار النظام القضائي والأمني، وتفشي البطالة، وانسداد الأفق، وحشر الناس ضمن حدود المحافظة، وملاحقة أبنائها بمجرد خروجهم من السويداء، دفعت الناس إلى اتخاذ وسائل حماية بديلة، فتشكلت عدة مجموعات محلية مسلحة، على رأسها حركة رجال الكرامة، التي أسسها الشيخ وحيد البلعوس، في عام 2013، وكان له موقف لا يتماشى مع سياسة دمشق، من ذلك مطالبته بعدم سوق الشباب الرافض للخدمة الإلزامية خارج المحافظة، ليتم تدبير عملية اغتيال له في الرابع من أيلول/ سبتمبر 2015.

مقتل البلعوس أجج حالة الغليان الشعبي، وأدى إلى إسقاط تماثيل الأسد المنتشرة في أرجاء المحافظة، وطرد المحتجّون -آنذاك- كل الأجهزة الأمنية المتواجدة في المحافظة، ليعود النظام إلى المحافظة من بوابة الحفاظ على الأمن المنفلت، ومارس مجدداً نفس السياسات التي أدت إلى طرده، لكن بأدوات محلية وأشخاص من أبناء المحافظة، لعلّ أبرزهم المدعو راجي فلحوط ومجموعته، التي تم تفكيكها مؤخراً.

خامساً- يُشار إلى السويداء على أنها مجتمع واحد متجانس بالكامل، لكن النظام منذ أوائل سبعينات القرن الماضي عمل على تفتيت البنى الاجتماعية فيها بكل الطرق، كما فعل مع باقي المحافظات السورية، ما أفسح المجال إلى ظهور طبقة من الفاسدين والمتنفعين، مقابل هجرة أهالي المحافظة خارج سوريا، وهذا بدوره أسهم في إضعاف تجانس المجتمع، ومكّن النظام من اختراقه داخلياً مع أي حدث يخصّ السويداء، ويستخدم أشخاص من داخل المحافظة، كما في حالة فلحوط، لتنفيذ أجنداته.

رغم أن النظام السوري لم يعلن عن موقفه رسمياً من أحداث السويداء الأخيرة، إلا أنه لن يتوقف عن تمرير سياساته الرامية إلى كسر شوكة المحافظة التي لم تكن بمنأى عن الحراك الشعبي المطالب بالحرية، ولكن بأساليب تتناسب مع خصوصيتها.

وعليه، قد ينبئ ما حدث في السويداء بـ”فتنة كبرى” تحاك ضد المحافظة، فهروب فلحوط أو “تهريبه”، وانفلات الحالة الأمنية بشكل كامل، وظهور السلاح بأيدي المجموعات المسلحة المرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالفروع الأمنية للنظام، وانعكاس ما حدث على الوضع الأمني المتوتر أصلا في المحافظة، من إعدامات ميدانية “مجهولة” الفاعل، ووقوف المجموعات المسلحة بمواجهة بعضها، وغياب الدور الفاعل للمرجعيات الدينية والاجتماعية والسياسية، كلها مؤشرات على أن النظام يحاول استعادة السيطرة على السويداء بأيدي وكلائه من بعض المجموعات المسلحة التي تدعي حماية الأرض والعرض وتسوّق خطاب “الحفاظ على أمن وأمان الناس” وبموافقتها ودعمها.

آخر التقارير…