مدة القراءة: 4 دقائق | شتات ومهجر

مقال رأي: هل يمهد قرار المحكمة الدستورية التركية الطريق لبرنامج “العودة الطوعية”؟ 


مايو 9, 2022

شكّل الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية العليا التركية لصالح لاجئ سوري، تحت الحماية المؤقتة (الكملك)، ضد مديريتي الأمن والهجرة في ولاية سامسون، في نيسان/ أبريل الماضي، سابقة قضائية مهمة، كونها أول دعوى يقيمها لاجئ سوري شعر بإهدار حقه القانوني بـ”الحماية” من قبل المديريتين، اللتين تعسفتا بإعمال نصّ القانون بغير مقصده، فلجأ إلى أعلى مرجع قضائي طلباً للإنصاف ودفع الحيف عنه، ليحصل على حكم بإبطال قرار ترحيله بعد خمس سنوات على صدوره.

وصدر قرار الترحيل بحق الشاب السوري في عام 2017، بعد أن حصل على حق الحماية المؤقتة في عام 2015، على خلفية الالتباس بينه وبين شخص آخر متهم بـ”الإرهاب وتهديد أمن الدولة”، إلى أن أبطلت المحكمة الدستورية القرار. وتأتي أهمية هذه الخطوة كونها أبطلت القرار الذي بني على مجرد الاشتباه أو الالتباس من دون أن يكون ثمة دليل قاطع لدى متخذي قرار الترحيل الاعتباطي يدين الشخص المرحّل، الذي دخل تركيا بعد أسبوعين من ترحيله “بطريقة غير شرعية”، أو على الأقل يعطي أرجحية لصوابية التهمة، وهو ما يشير إلى كم الاستهتار واللامبالاة بالآثار النفسية والاجتماعية التي تترتب على قرارات الترحيل.

أيضاً تكتسب القضية أهمية، باعتبارها كسرت حاجز الصمت والامتناع عن الاحتكام إلى القضاء، التي نهجها معظم السوريين على أمل العيش بسلام من دون مشاكل، كما أنها تشجع كل من يتعرض للظلم أو التعسف في تطبيق القانون أن يتبع نفس النهج ويدافع عن حقه أو ما يعتقد أنه حقاً له.

نقيضاً لذلك، جاءت الدعوى الثانية، أو مجموعة من الدعاوى الفردية التي رفعها سوريون أمام نفس المحكمة بعكس القرار الأولى، إذ رفضت المحكمة الدستورية العليا، في نيسان/ أبريل، دعاوى مجموعة من السوريين، طعنوا في قرارات ترحيلهم، مستندين في دعاويهم على نقطة واحدة، وهي خشيتهم من التعرض لسوء المعاملة في حال ترحيلهم، لكن المحكمة اعتبرت أن المدّعين لم يقدموا ما يثبت إمكانية تعرضهم فعلاً لسوء المعاملة في بلادهم.

وبالتمحيص القانوني، يمكن القول أن المدعين أنفسهم أخطأوا في تشخيص دعاويهم وتأسيسها ابتداء، عندما  استندوا إلى نقطة التخوف من سوء المعاملة حال ترحيلهم، بينما كان عليهم محاولة النيل من مضمون قرار الترحيل نفسه، والأسباب التي بني عليها، ومدى اتساقها مع قانون الحماية، الذي يخضع له السوريون، والذي حدد على سبيل الحصر أسباباً محددة تمنح السلطات الحكومية صلاحية ترحيل من تنطبق عليه واحدة من تلك الحالات أو أكثر، وأما الاكتفاء بتقديم مزاعم غير قاطعة أو ثابتة بإمكانية تعرض المدعين لسوء معاملة في بلدهم فهذا لاينجيهم من الترحيل، ولا ينال من القرار المتظلم منه بحسب فحوى الأحكام الصادرة في تلك الدعوى من المحكمة الدستورية العليا.

وقبل الخوض في دلالات وآثار هذه القرارات أجد من المهم الإشارة إلى مسألتين، الأولى تتعلق بالحالات التي نص عليها قانون الحماية المؤقتة، وتجيز للسلطات إنهاء حالة الحماية وترحيل الأشخاص، وهي على سبيل الحصر ولا يجوز التوسع والشطط في الاقتباس منها أو القياس عليها: 

  • قادة أو أعضاء أو أنصار منظمة إرهابية أو منظمة إجرامية هادفة للربح.
  • من يستخدم معلومات كاذبة ووثائق مزوّرة في إجراءات الدخول إلى تركيا والتأشيرات وتصاريح الإقامة.
  • الأفراد الذين يكسبون رزقهم من وسائل غير مشروعة أثناء إقامتهم في تركيا.
  • الأفراد الذين يشكّلون تهديدًا للنظام العام أو السلامة العامة أو الصحة العامة.
  • الأفراد الذين تجاوزوا مدة التأشيرة أو الإعفاء من التأشيرة لأكثر من عشرة أيام أو الذين أُلغيت تأشيرتهم دون مبرر مقبول بعد انتهاء صلاحيتها.
  • الأفراد الذين أُلغيت تصاريح إقامتهم، والذين رُفضت طلبات تمديد إقامتهم ولم يغادروا تركيا في غضون عشرة أيام.
  • الأفراد الذين تبيّن أنهم يعملون من دون تصريح عمل.
  • من يخالف أحكام الدخول والخروج القانوني من تركيا.
  • الأفراد الذين تبيّن أنهم قدموا إلى تركيا على الرغم من الحظر المفروض على دخولهم إليها. 

وأما المسألة الثانية، فهي أن قانون الحماية المؤقتة نص على عدم جواز الإعادة القسرية، حيث جاء في المادة 6 منه: “عدم جواز إعادة أحد من الأشخاص الذين تشملهم اللائحة إلى مكان قد يتعرضون فيه للتعذيب أو المعاملة أو العقوبة المهينة أو غير الإنسانية، او المكان الذي تكون فيه حياتهم أو حريتهم مهددة بسبب العرق أو الدين أو الجنسية أو الانتماء إلى فئة اجتماعية معينة أو بسبب الرأي السياسي”.

وهنا يجب الإشارة إلى أن عمليات ترحيل اللاجئين السوريين إلى بلادهم لا تخالف فقط قانون الحماية المؤقتة فحسب، وإنما تخالف أيضا المادة 33 من اتفاقية حقوق اللاجئين لعام 1951، والمادة 4 من بروتوكول حقوق اللاجئين لعام 1967، وهي جزء من الالتزامات القانونية للدولة التركية باعتبارها تتبنى تلك المواثيق والاتفاقيات. 

وبالعودة إلى قرار المحكمة الدستورية الأخير، وبصرف النظر عن فشل المدّعين في تأسيس دعواهم على أساس قانوني صحيح، لكن ذلك لا يعفي القرار من توصيفه بعدم الصوابية، عندما ألقى على كاهل المدّعين عبء إثبات تعرضهم لسوء المعاملة حال ترحيلهم، لأن الأخذ بهذا التفسير ينقض من مفهوم الحماية المؤقتة بكليته، وهو الذي يوفر المركز القانوني لكافة اللاجئين السوريين في تركيا، وبالتالي يجعل هذا الوجود في مهب الريح، كما أنه على الوجه الآخر يقوم على افتراض أن المكان الذي سيرحل إليه هؤلاء آمناً لهم بدليل أنه يطلب منهم تقديم ما يثبت عكس ذلك!، على الرغم من أن كافة التقارير الحقوقية الدولية تقرّ بعدم وجود مكان آمن للاجئين في مختلف المناطق السورية. 

وفي هذا السياق، يكون السؤال مشروعاً عما إذا كان هذا القرار يؤسس لمرحلة تنفيذ برنامج “العودة الطوعية” لمليون لاجئ سوري في تركيا إلى بعض المناطق في شمال غرب سوريا، الذي أعلنت عنه الحكومة التركية مؤخراً، وأعتقد أنه مجرد مرحلة أولى، وستستمر عمليات الإعادة حتى تشمل بتقديري أكثر من ثلاثة ملايين سوري.

وعليه، يمكنني القول: نعم هو كذلك. صحيح أنه قرار قضائي تماماً ، لكنه يؤسس لفكرة أن تلك المناطق هي آمنة إلى أن يثبت المتضرر عكس ذلك بالنسبة لحالته كشخص، وهو ما يقوّض أركان مفهوم الحماية المؤقتة بكليته بالرغم من عدم زوال الأسباب والظروف التي أوجبت منح تلك الحماية.

آخر التقارير…