مدة القراءة: 8 دقائق | تقارير, ثقافة ومجتمع, جندر, شتات ومهجر

من خيمة لأخرى: سوريات يكافحن زواج القاصرات اللاجئات إلى لبنان 


أكتوبر 13, 2020

شتورة – عصر يوم صيفي، في مكتب منظمة “النساء الآن” في بلدة شتورة بوادي البقاع شرق لبنان، جلست فاطمة العتر وغيداء دوماني تقرآن بصوت مسموع أسماء وأرقام هواتف مدونة في دفتري ملاحظاتهما، لتتم إضافتها إلى جدول بيانات على برنامج “إكسل”. ولأن كلتا السيدتين السوريتين تزوجتا بسن الخامسة عشرة، ثم شهدتا زواج ابنتيهما القاصرتين، فإنهما تنتقلان الآن من خيمة لأخرى للاجئين إلى لبنان لمحاربة زواج القاصرات. 

على مدى خمسة أشهر، بين آذار/مارس وتموز/يوليو الماضيين، كما تظهر بيانات “إكسل” عن نتائج حملة “لا تكبرونا، بعدنا صغار” التي تقوم عليها منظمتا “النساء الآن” و”أهل” غير الحكوميتين، تواصل 45 متطوعاً مع 2,048 عائلة تقيم في بلدتي شتورة ومجدل عنجر في البقاع ، وقعت 1,826 منها تعهداً بأن لا تزوج بناتها القاصرات. علماً أن 176 من هذه الأسر كانت تعتزم القيام بذلك قبل أن تعدل عن نيتها بفضل جهود الحملة.

وتبلغ نسبة زواج القاصرات في أوساط اللاجئين السوريين في لبنان، وفقاً لبيانات الأمم المتحدة، 27% (وصولاً إلى 34% في محافظة الشمال التي تضم أقضية طرابلس والضنية وزغرتا والبترون والكورة وبشري). ولا يوجد في لبنان حد أدنى لسن الزواج، كون ذلك يخضع لتشريعات الطوائف الدينية الثمانية عشرة المعترف بها رسمياً، والتي تنظم قضايا الزواج من خلال خمسة عشر قانوناً للأحوال الشخصية. وقد حدد بعض الطوائف الحد الأدنى للزواج عند سن التاسعة أو “بلوغ” الفتاة.

خطوات صغيرة إنما ثابتة

المعركة ضد زواج القاصرات تخوضها نساء خبرن تجربة الزواج في عمر صغير، وعانين منها. منهن غيداء اللاجئة من محافظة حمص، والتي كانت تزوجت ابن عمها حينما كانت في الخامسة عشرة فيما كان هو أربعة وعشرين عاماً، وأنجبا ستة أولاد. “أتحسر على أني لم أكمل تعليمي. تزوجت، وتركت المدرسة”، قالت غيداء لـ”سوريا على طول”. 

العام الماضي، عقدت ابنة غيداء ذات السبعة عشر عاماً عقد قرانها. لكنه لم يستمر إلا أحد عشر شهراً، لأن الزوج أعيد توطينه في الولايات المتحدة، و”ها هي ابنتي الآن مطلقة ومكتئبة وهي ما تزال بعمر الثامنة عشرة”، أضافت غيداء، وقد “انضممت إلى هذه الحملة لندمي على تزويجها وهي ما تزال صغيرة”. 

فاطمة، في المقابل، كانت عارضت زواج ابنتها ذات الأربعة عشر ربيعاً من قريبها البالغ ستة وعشرين عاماً. لكن والد الفتاة أرغمها على الزواج، ما دفع فاطمة إلى الطلاق منه والانضمام إلى حملة مكافحة زواج القاصرات. “لقد تعرضت ابنتي لعنف جنسي، وجسدي، ونفسي ودخلت في حالة اكتئاب”، بحسب فاطمة التي تبلغ خمسة وأربعين عاماً، وكانت لجأت إلى لبنان قادمة من حمص. وحالياً تبلغ ابنتها الصغرى أربعة عشر عاماً، و”يستحيل أن أزوجها”، كما ذكرت لـ”سوريا على طول”.

سيدات من حملة “لا تكبرونا، بعدنا صغار” يناقشن تفاصيل نشاط مقبل في مكتب “النساء الآن” في بلدة شتورة شرق لبنان، 22/ 07/ 2020 (سوريا على طول)

تُنسق فاطمة عمل المجموعة القائمة على الحملة في بلدة شتورة، وتُنظم “جلسات منزلية” مع الأسر السورية والفلسطينية واللبنانية في منازلها أو خيمها في تجمعات اللاجئين. وتعمد عضوات المجموعة إلى ذكر تجاربهن الشخصية ليسلطن الضوء على مخاطر زواج القاصرات. وكما أوضحت فاطمة، فإن “تجربتي تجعلني أكثر إقناعاً بأننا نعرض فتياتنا لمخاطر العنف الجسدي والجنسي والنفسي. كما نخبر [الأسر] عن ارتفاع معدل طلاق [القاصرات]”.

وبسبب إجراءات التباعد المكاني المفروضة لاحتواء وباء كورونا المستجد (كوفيد-19)، أصبحت اللقاءات تُجرى عبر الإنترنت أو بشكل فردي. ويبقى إقناع الأب أمراً جوهرياً، إذ إن “الأب هو الشخص الذي يتخذ القرار”، بحسب فاطمة، “فنحن في مجتمع ذكوري”. لافتة إلى أنه “من الأسهل إقناع الرجال حينما يكون أحدهم بمفرده، وليس بصحبة رجال آخرين”.

وقد تمت دعوة الأسر التي اقتنعت بهدف الحملة إلى وضع شعارها “معاً ضد زواج الأطفال” على أبواب منازلها، لتظهر للأسر الأخرى التزامها بذلك. أيضاً، في طريقها لزيارة مخيم للاجئين السوريين في البقاع، حاولت غيداء إقناع سائق “التوكتوك” الذي تستقله وضع الشعار على العربة. كما استأذنت حارس المخيم الذي يضم مركز إيواء للأرامل السوريات وضع شعار الحملة، لكنه رفض بابتسامة. وأحياناً لا يسمح الحارس لعضوات الحملة بدخول المخيم، فيضطررن إلى تنسيق اللقاء خارجه.

جيلان والحكاية ذاتها

ما إن تصل غيداء المخيم، حتى تدخل المسكن مسبق الصنع (كرفان) وتجلس مع نصرة سويدان وابنها ذي الثمانية أعوام. وتبلغ نصرة اثنان وأربعين عاماً، ولجأت من حمص إلى لبنان في العام 2014. وقد جعلتها معاناتها الشخصية تناضل بقوة ضد زواج القاصرات.

إذ بعمر الرابعة عشرة، أرغمتها عائلتها على الزواج بابن عمها البالغ خمسة وعشرين عاماً. وكما قالت لـ”سوريا على طول”: “لم أقرر، لم يكن لدي فكرة عن معنى الحياة الزوجية. كنت طفلة، ولست مراهقة حتى”. وقد أُلزمَت العناية بزوجها وعائلته، مشبهة الأمر بأن “تُلبسِ فتاة ثوب امرأة راشدة. الثوب أكبر منها بكثير. لم أفهم احتياجات زوجي والمنزل”.

في عمر الثامنة عشرة، وضعت نصرة مولودتها الأولى. “كنت أبكي. لم أدرِ كيف أربيها، أو حتى كيف أرضعها”، كما استذكرت. وخلال زواج دام خمسة عشر عاماً، أنجبت أربعة أولاد، ومن ثم تطلقت، وحرمها طليقها من رؤية أولادها.

غيداء دوماني (يسار) ونصرة سويدان تتحدثان عن الحملة التي تهدف إلى إنهاء زواج القاصرات في مخيم للاجئين السوريين بوادي البقاع شرق لبنان، 22/ 07/ 2020 (سوريا على طول)

بعد فترة، تزوجت نصرة، باختيارها، للمرة الثانية وأنجبت طفلاً. “كنت في الثلاثين، وقد استوعبت الحياة، وعلمت ماذا أريد منها”. ومع اندلاع الحرب في سوريا، توفي طفلاها من زواجها الأول، ولجأت ابنتاها مع والدهما إلى الأردن. فيما قضى زوج نصرة في العام 2014، فـ”بقيت لوحدي. لذا أصبحت قوية وأصبح لي صوتي، إذ لم أعد أخشى أحداً. هنا في لبنان، الكثير من الناس عنصريون تجاه السوريين، لذا لا بدّ أن تكون قوياً”.

ورغم ان طليقها ما يزال يحرمها من التواصل مع ابنتيها، إلا أنها علمت بزواج إحداهما في الأردن وهي ما تزال في السادسة عشرة من عمرها، وقد أنجبت ولدين قبل أن تطلق، وتبلغ الآن العشرين من العمر. “هي وأنا نتشارك الحكاية ذاتها؛ ما حدث لي حدث لابنتي”، قالت الأم.

قبل أن تغادر غيداء، علقت نصرة على آخر حالة زواج فتاة قاصرة عرفت عنها. إذ تزوج رجل لبناني ميسور فتاة سورية، ثم طلقها بعد أن أنجبت طفلاً. وقد أخذ الطفل ذا الأربعة أشهر معه. فرغم أن معظم حالات “زواج القاصرات” السوريات تحدث في أوساط السوريين؛ إلا أن بعض الرجال اللبنانيين يتزوجون أيضاً من سوريات قاصرات. “فاللبنانيون يملكون نفوذاً أكبر. والعائلات تزوج بناتها إلى رجال متزوجين أصلاً أو مُسِنين فتشعر الفتاة كما لو أنها بيعت لذلك الرجل”، قالت نصرة.

نصرة سويدان تقف أمام مدخل البيت المتنقل الذي تقطنه في مخيم للاجئين السوريين في سهل البقاع شرق لبنان، 22/ 07/ 2020 (سوريا على طول)

في البيت المتنقل المجاور لبيت نصرة، جلست زينب حمد، ذات الخمسة والعشرين عاماً مع أقاربها التسعة القادمين من مدينة إدلب. وقد أصبحت زينب الزوجة الثانية لرجلٍ في الأربعين حينما كانت بعمر الثالثة عشرة، وأنجبت طفلة قبل طلاقها. وكما روت لـ”سوريا على طول”: “أجبرني والدي على الزواج منه بسبب الوضع الاقتصادي السيء، لم أُخيّر”. مضيفة أن زوجها السابق كان يضربها. “كان يشرب [الكحول]. وحاول أن يخنقني، وهدّد بحرقي. ومرةً وضع وسادة على وجه ابنتي، وكاد يخنقها”. 

فيما بعد تزوجت زينب للمرة الثانية، وأنجبت طفلاً ومن ثم تطلقت أيضاً. “أنا في الخامسة والعشرين فحسب. لكن بسبب ما مررت به أشعر أني عشت ألف سنة. أنا مُرهقة نفسياً”، كما قالت، متعهدة أن لا يعيش طفلاها الحياة التي قاستها.

في لبنان، هناك عدة منظمات غير حكومية تقدم المأوى للناجيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي. من بينها جمعية أبعاد التي تملك ثلاثة مراكز إيواء في البقاع وجبل لبنان وشمال لبنان تتسع لستين شخصاً. لكن هذه المراكز استضافت 268 امرأة العام الماضي، كما آوت مائة امرأة وفتاة وطفل هذا العام، بحسب جيهان إسعيد، مديرة الدار الآمن للنساء والفتيات الناجيات من العنف في الجمعية، نصفهم سوريون. وغالباً ما يمكث هؤلاء لثلاثة أشهر بالمعدل. 

وكما أوضحت إسعيد: “لدينا حالات لعرائس طفلات يهربن من زواجٍ قسري”. وأولاء يتلقين في مركز الإيواء الدعم من اختصاصيين اجتماعيين ومعالجين نفسيين ومن فريق قانوني وتعليمي. وإذا كان للناجية أطفال، يتم إيواؤهم معها، لكن في حالة الأطفال الذكور فيجب أن يكونوا دون الحادية عشرة من العمر “لاعتبارات قانونية واجتماعية ودينية”. وبالنسبة لفاطمة، فإن مراكز الإيواء التي لا تستقبل الأطفال مشكلة بحد ذاتها؛ إذ إن “النساء يُفضلن أن يُضربن ويُهنّ على أن يتركن أطفالهن”، كما قالت.

تغيير العقلية

رغم كون قصص تعنيف القاصرات بعد زواجهن شائعة، يبرر بعض الأسر تزويج بناتها في عمر مبكر بالضغوطات الاقتصادية والأعراف الاجتماعية والدينية. وقد تعلمت غيداء وفاطمة كيف تحاججان وجهات النظر المختلفة بهذا الشأن.

فقد بررت بعض الأسر تزويج بناتها القاصرات بكون رعاية جميع الأطفال والاعتناء بهم يفوق طاقة الأسرة. “لكن إن زوجت ابنتك وتعرضت للعنف وعادت إليك حاملاً، فستتحمل عبئاً أكبر مما كانت عليه سابقاً”، ترد فاطمة، التي تحاول أيضا إقناع الأسر بتسجيل بناتها في برامج يتعلمن من خلالها حرفة تساهم في تخفيف الضغوطات الاقتصادية.

من جانبها، تحاول غيداء، في حديثها للأسر، توضيح المخاطر الصحية التي ستواجهها الفتاة القاصر في حال حملت وجسمها غير مستعد لذلك، وهي مخاطر تتراوح من الإجهاض إلى الموت أثناء الولادة. موضحة: “أعرف أمثلة كثيرة لفتيات اضطررن إلى استئصال الرحم عقب تأذيه. ولأنهن لا يستطعن تحمل الحمل، يهجرهن أزواجهن للارتباط بنساء أخريات يستطعن الإنجاب”.

تبقى المعضلة الكبيرة تلك المتمثلة في الاعتقاد أن “الزواج المبكر” تقليد يجد سنده في الدين. وهذا ما دفع أعضاء الحملة إلى الالتقاء بممثلي أطياف دينية مختلفة أقنعوهم بتسجيل مقاطع مصورة تعارض زواج القاصرات، يتم عرضها والاستشهاد بها أمام الأسر التي يلتقون بها. وبحسب فاطمة، فإن “معظم الأباء يقتنعون من خلال الشيوخ. لهذا تواصلنا مع مشايخ لإقناعهم بالتوجه بالحديث إلى الآباء”.

ويدين القانون الدولي زواج الأطفال عموماً، بما في ذلك زواج القاصرات، باعتباره انتهاكاً جسيماً لحقوق الأطفال. ومكافحة  زواج الأطفال هو أحد أهداف التنمية المستدامة للعام 2030. وقد تم التقدم بمشروع قانون لإلغاء زواج الأطفال إلى مجلس النواب اللبناني في العام 2017، لكن لم يتم إقراره حتى اللحظة. وبحسب إسعيد، فإن “لبنان بلد طائفي جداً، وهذا موضوع جدلي جداً، ليس ذا أولوية بالنسبة لأعضاء مجلس النواب، ولاسيما في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية”.

أصغر عضوات حملة “لا تكبرونا، بعدنا صغار” (من اليسار إلى اليمين): أزهار موسى (20 عاماً) وآية رجوب (21 عاماً) ومريم رحمون (15 عاماً)، في مكتب “النساء الآن” ببلدة شتورة شرق لبنان، 22/ 07/ 2020 (سوريا على طول)

لكن النساء السوريات لا يجلسن مكتوفات الأيدي بانتظار سن قوانين جديدة، فهناك الكثير من المخاطر التي تعترض طريق جيل الشباب. وكما قالت آية رجوب ذات الحادية والعشرين عاماً، والعضوة في حملة مكافحة زواج القاصرات: “نريد أن نعيش طفولتنا، نريد أن نعيش كل مراحل حياتنا”، معربة عن غضبها من إصرار بعض الأسر على تزويج بناتها القاصرات: “أشعر أنهم لا يبالون. يصرون على تدمير أنفسهم وبناتهم”، كما قالت لـ”سوريا على طول”. ولآية صديقات تزوجن مبكراً ومن ثم ندمن على ذلك. لكن “الندم لا يفيد، والزمن لا يعود إلى الوراء. تمر الأيام، وينتهي زواجهن بالطلاق أو حبيسات زواجٍ يتعرضن فيه للعنف”. 

وكانت آية قد حضرت إلى مكتب “النساء الآن” في شتورة لإتمام الاستعدادات للحفل الختامي للمرحلة الأولى من الحملة. وإلى جانبها تجلس مريم رحمون ذات الخمسة عشر عاماً، والتي لجأت مع والدتها وإخوتها إلى لبنان في العام 2013. وقد تزوج إحدى شقيقات مريم في سن السادسة عشرة، والأخرى في الثالثة عشرة. لكن “الآن باتت أمي ترفض زواج القاصرات”، كما أكدت.

* تم إنجاز هذا التقرير ضمن مشروع “تعزيز ترسيخ النوع الاجتماعي”، والذي ينفذه “سوريا على طول” بدعم من الصندوق الكندي للمبادرات المحلية، من خلال السفارة الكندية في عمان 

نُشِر هذا التقرير أصلاً باللغة الإنجليزية وترجمته إلى العربية فاطمة عاشور.

آخر التقارير…