مدة القراءة: 9 دقائق | إدلب, تقارير

موظفو المجتمع المدني يلجؤون للفصائل بعد توقف الدعم الأمريكي “لقد أجبرنا على حمل السلاح”


يوليو 19, 2018

شارع رئيسي في كفرنبل في أيار. تصوير: بوابة إدلب.

لم يكن الانضمام إلى فصيل إسلامي متشدد جزءا من مخططات خالد عبد الكريم.

فقبل بضعة أشهر فقط، كان خالد، وهو أب لطفلين، يعمل كموظف خدمات لوجستية مع اتحاد المكاتب الثورية، وهي مجموعة من منظمات المجتمع المدني التي تمولها الولايات المتحدة، في محافظة إدلب، الخاضعة لسيطرة المعارضة شمال غرب سوريا.

كان العمل جيدا، وبمساعدة راتب شهري قدره ١٠٠ دولار، أصبح مكتب عبد الكريم مكانا مستقرا نسبيا لكسب لقمة العيش في بلد تعاني بسبب الحرب. حيث يتذكر قائلاً “كنت أسلم البضائع في الوقت المحدد، وكنت مخلصا في عملي”.

لكن في نهاية آذار، أعلنت إدارة ترامب عن تجميد نحو ٢٠٠ مليون دولار كمساعدات مخصصة لإعادة الاستقرار في سوريا. وكان اتحاد المكاتب الثورية واحدا من ضمن ١٥٠ منظمة على الأقل توقف تمويلها بسبب القرار المفاجئ.

وفي غضون أسابيع، أصبح عبد الكريم مع أكثر من ٦٥٠ موظفا آخرين في الاتحاد عاطلين عن العمل في شمال غرب سوريا الخاضع لسيطرة المعارضة، والذي شكل رقعة اجتمع فيها أكثر من مليون نازح نتيجة اتفاقيات المصالحة والهجمات الحكومية جنبا إلى جنب مع مقاتلي المعارضة والناشطين وأولئك المطلوبين للخدمة العسكرية الإلزامية.

ويعمل الآن المئات من الموظفين السابقين في الاتحاد بشكل تطوعي للحفاظ على استمرارية العمليات حيث تسعى قيادة المنظمة بشدة للحصول على مصادر بديلة للتمويل، بحسب ما يقوله رائد فارس، رئيس اتحاد المكاتب الثورية، لسوريا على طول. بينما انخرط آخرون في خليط من الفصائل التي تحكم المنطقة سعيا وراء لقمة العيش.

وسرعان ما وجد عبد الكريم عملا مع هيئة تحرير الشام، وهي الفصيل المهيمن في إدلب. وتم تصنيف هيئة تحرير الشام على أنها منظمة إرهابية من قبل حكومة الولايات المتحدة في أيار.

يقول عبد الكريم، الذي يخدم الآن في قوة الشرطة التابعة للفصيل “أنا معارض بشكل كبير لجميع سياساتهم، لكنني بحاجة إلى المال لتوفير متطلبات أطفالي”.

ووجد موظفان سابقان في الاتحاد، ممن تحدثت إليهم سوريا على طول، عملا ضمن فصائل الجيش السوري الحر. ويحمل الرجال الثلاثة الآن السلاح بشكل يومي. وطلبوا عدم ذكر أسمائهم الحقيقية ضمن التقرير خوفا من التداعيات التي قد تلحق بهم من قبل جماعات المعارضة المحلية.

ويعكس التحول المفاجئ من الوظائف المكتبية الاعتيادية إلى الخطوط الأمامية للقتال هشاشة حركة المجتمع المدني السوري الذي نشأ حديثا، و يعتمد في الغالب على المساعدات الإغاثية الخارجية المتناقصة- وإمكانات الجماعات المسلحة المادية لملء الفراغ الذي خلفه خفض التمويل.

“ما الذي يفكر به المسؤولون الأمريكيون؟”

في صباح أحد الأيام في شهر أيار، فتح فارس، رئيس اتحاد المكاتب الثورية، الكمبيوتر ليتفاجأ ببريد إلكتروني من وزارة الخارجية الأمريكية يبلغه، “بأسف شديد”، أن تمويل الاتحاد سوف يتوقف قريباً.

يقول فارس “أصبت بصدمة”.

ويضيف “بدأت الأفكار تدور في رأسي. ما الذي يفكر به المسؤولون الأمريكيون؟”

مدنيون في شوارع كفرنبل في أيار. تصوير: بوابة إدلب.

شكل التمويل الأميركي للاتحاد مصدرا رئيسيا للدعم على مدى سنوات. جاء ذلك كجزء من ٨٧٥ مليون دولار على الأقل خصصت لما يسمى بـ مساعدات “إعادة الاستقرار” في سوريا، وهي ميزانية منخفضة نسبياً في نطاق الإنفاق الأمريكي في سوريا- حيث تم تخصيص مليارات الدولارات للحملات العسكرية والمساعدات الإغاثية التي تستهدف الاحتياجات الفورية مثل الطعام والمأوى والرعاية الطبية- والأخرى تركز بشكل أكبر على المدى الطويل.

وتسعى مساعدات إعادة الاستقرار إلى القضاء على “عدم الاستقرار الذي تستغله المنظمات الإرهابية والإجرامية والمنافسين لها”، بالإضافة إلى تهيئة الظروف للسلطات المحلية “لإدارة النزاع سلمياً ومنع انتشار العنف مجددا”، وفقا لمراجعة حديثة صادرة من قبل وكالات متعددة لجهود تحقيق الاستقرار التي تبذلها الولايات المتحدة في جميع أنحاء العالم.

ووصل التمويل إلى هيئات الحكم المحلي ومنظمات المجتمع المدني في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة والأكراد في البلاد والتي توفر الخدمات الأساسية- مثل الكهرباء والتعليم ومرافق الصرف الصحي- في ظل غياب الهيئات الحكومية الرسمية السورية. كما استخدمت الأموال لتوثيق انتهاكات الحقوق، وإعادة بناء البنية التحتية الحيوية مثل شبكات المياه ومحطات الطاقة، وإزالة الألغام التي خلفها تنظيم الدولة.

وأصبحت جميع هذه المشاريع عرضة للتوقف بعد إعلان وزارة الخارجية في آذار، والذي سيصبح ساريا بشكل تدريجي، اعتمادا على العقود الفردية واتفاقيات التنفيذ على الأرض. كما أن بعض المشاريع توقفت بالفعل. بينما مازالت بعض المشاريع قائمة وتتلقى الدعم من جهات بديلة، بما في ذلك الحكومات الأوروبية المترددة في تقديم المزيد وإكمال ما توقف.

وفيما يبدو أنه الاستثناء الرسمي الوحيد لتجميد التمويل الذي تم حتى الآن، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن الرئيس ترامب سمح باستمرار تخصيص مبلغ ٦.٦ مليون دولار، من ضمن ميزانية إعادة الاستقرار، للدفاع المدني السوري- الذي يعرف أيضا باسم الخوذ البيضاء- والذي يعمل في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة.

وبحسب ما قاله العاملين في مجال التنمية والتطوير لسوريا على طول، يبدو أن خفض التمويل، الذي أثر على المنطقة الشمالية الغربية على وجه الخصوص، قرار نهائي. وما يزال مصير التمويل لمناطق أخرى من البلاد- بما في ذلك الأراضي التي كانت تحت سيطرة تنظيم الدولة في شمال شرق البلاد- غير واضح، وما تزال الأموال قيد المراجعة.

وحاولت سوريا على طول التواصل مع وزارة الخارجية للتعليق بشأن هذا التقرير، لكننا لم نتلق أي رد.

وتوقف العمل المأجور في معظم مكاتب الاتحاد الثورية رسميا قبل أكثر من شهر، حيث تم استخدام أكثر من ٣ ملايين دولار من الأموال الأمريكية في السنوات الأخيرة.

وبالرغم من أن التمويل المحدود من منظمة أطفال الحرب غير الحكومية، في المملكة المتحدة، كان كافياً لإبقاء ١٢ مركزا محليا مفتوحا للأطفال، إلا أن عددا من المراكز المخصصة لتمكين المرأة ودعم المراهقين قد أُغلقت بشكل مؤقت بسبب التكاليف التشغيلية المرتفعة جدا. ويقوم المتطوعون بأنشطة أخرى في الوقت الحالي، بما في ذلك الخدمات الطبية وبرامج ألعاب القوى والمحطة الإذاعية الأكثر استماعا في مناطق سوريا الخاضعة لسيطرة المعارضة: راديو فرش إف إم.

وقال فارس، الذي يتتبع الجهات المانحة في الولايات المتحدة وخارجها في محاولة للحفاظ على العمل الذي ساهم في انطلاقته منذ سنوات في كفرنبل وسط إدلب، البلدة التي أكسبها صوت سكانها لقب “ضمير الثورة” “ما يزال لدى الجميع آمال في العثور على مصدر تمويل بديل”.

إلا أن خفض التمويل بدأ يؤثر فعليا على المنطقة، مما دفع ببعض الموظفين للبحث عن عمل بديل في المحافظة الواقعة شمال غرب البلاد، حيث يشكل النازحون أكثر من نصف السكان ويعتمد معظم الناس، جزئيا، على المساعدات الإغاثية.

“لم أتخيل أبدا أنني يوما ما سأتوجه إلى جبهات القتال”

في ظل صعوبة إيجاد عمل، قال المدنيون إن مجموعات المعارضة المتعددة على الأرض في إدلب يمكن أن توفر مصدرا رئيسيا للتوظيف.

وقال محمد العلي، ٢٧ عاما، من سكان كفرنبل إن “البحث عن وظيفة في الشمال يشبه البحث عن إبرة في كومة قش. لقد أجبرنا على حمل السلاح من أجل البقاء على قيد الحياة”.

استوديو راديو فرش في آذار ٢٠١٧. تصوير: اتحاد المكاتب الثورية.

وحتى وقت قريب، كان صوت العلي بمثابة دعامة للتغطية الإخبارية المحلية التي كان يبثها راديو فرش. لكن بعد تجميد التمويل، نوّه العلي أنه قبل العمل كضابط اتصال مع فصيل من الجيش السوري الحر على مضض، وذلك بفضل علاقة شخصية تربطه مع ضابط آخر.

وأضاف العلي، وهو أب لطفلين “لم أتخيل أبدا أنه في يوم من الأيام سأترك عملي، وأنضم إلى جماعة مسلحة، وأحمل السلاح وأتوجه إلى الجبهات… أجبرت على فعل ذلك من أجل إعالة أسرتي”.

ويتنقل العلي حاليا في جميع أنحاء الريف الشمالي الغربي الذي تسيطر عليه المعارضة، ويراقب الخطوط الأمامية الراكدة مقابل المناطق التي تسيطر عليها الحكومة بينما تحوم الطائرات الاستطلاعية في السماء. إنه عمل يكسبه ٤٥ ألف ليرة (حوالي ١٠٠ دولار) كل شهرين – نصف ما كان يكسبه في راديو فرش.

وأكد زميل العلي السابق في راديو فرش، محمد أحمد المحمود، إنه قام بخطوة مماثلة بعد أن دفعه قطع المساعدات إلى “البحث عن عمل من أجل البقاء”.

حيث وجد عملا مع جبهة التحرير الوطنية التابعة للجيش السوري الحر، كجزء من الفريق الإعلامي للمجموعة. ويحمل المحرر الإذاعي السابق سلاحا إلى جانب كاميرته، حيث يوثق المعارك على الأرض بدلا من مكتب كفرنبل حيث لا يزال يعمل هناك كمتطوع لبضع ساعات، كل أسبوع.

لكن حتى مع راتبه الشهري البالغ ٦٠٠ ليرة تركية (حوالي ١٣٠ دولار)، أكد المحمود إن الديون تتراكم عليه.

وأضاف الأب البالغ من العمر ٢٧ عاما، وهو أب لخمسة أطفال “كل شيء باهظ الثمن من الطعام والشراب إلى الإيجار. التكاليف تفوق دخل الفرد”.

“هيئة تحرير الشام راغبة ومستعدة للتدخل”

في حال استمر تجميد التمويل المقدم من الولايات المتحدة، حذر أفراد المجتمع المدني والعاملين في مجال التنمية من أن الجماعات المسلحة سوف تملأ فراغ قوة الدعم الممنوح للمجتمع المدني- التي توفر الخدمات عن طريق تمويل الجهات المانحة والمؤسسات الحاكمة- و بات السكان يعتمدون عليها.

إن هذه التبعية نشأت في ظل غياب هيئة حكم رسمية واقتصاد رسمي في مناطق سوريا الخاضعة لسيطرة المعارضة، بحسب ما أوضحه مارك ستروهيبن، المدير العام لبرامج سوريا في شركة تحولات التنمية، في واشنطن. وهي أكبر متعاقد لوزارة الخارجية فيما يخص برامج المجتمع المدني في سوريا.

وقال ستروهيبن لسوريا على طول أنه “مطلوب من الجهات الفاعلة المحلية أن ترتقي لتكون قادرة على تلبية خدمات المجتمع” في مناطق سيطرة المعارضة. ومع ذلك، فإن هؤلاء الممثلين- سواء كانوا مجالس محلية أو منظمات مجتمع مدني- نادرا ما يحصلون على التمويل الكافي بمفردهم، بحسب ما يقول. وحتى عندما نفذت المجالس المحلية ومؤسسات الحكم الأخرى خططا ضريبية، كانت النتائج مختلطة والتكاليف كبيرة.

رائد فارس يشارك في احتجاجات كفرنبل ضد تنظيم الدولة عام 2013. الصورة من حكاية مانحكت.

 وقال ستروهيبن “يجب أن يأتي التمويل من الولايات المتحدة والمانحين الرسميين الآخرين في غياب الاقتصاد الرسمي [للهيئات المحلية] للحصول على الموارد”.

وأضاف أن التمويل الأمريكي كان أكبر بكثير من التمويل المقدم من قبل أي مانح آخر يعمل بصفة مماثلة. ومع عدم وجود مؤشر على أن التمويل الأمريكي سيستمر في الشمال الغربي، فإن ستروهيبن يخشى أن ينتقل سكان المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة إلى كيانات ذات تمويل أفضل، وأكثر تطرفاً، من أجل الحصول على الدعم.

وأعرب ستروهيبن عن قلقه من أن قطع التمويل بشكل كامل سيؤدي إلى “فتح البوابات أمام … أي شخص لديه المحفظة المالية الأكبر والموارد العسكرية الأقوى لإدارة المشهد”.

 وفي إدلب، وكذلك أجزاء من محافظتي حلب وحماة المجاورتين، فإن هذه الصفة تنطبق على هيئة تحرير الشام، التي يُقدَّر أنها تحصل على عشرات الملايين سنوياً من خلال دفع الفدية، وهي شبكة من المانحين الأجانب تسيطر على الموارد المحلية والبنية التحتية. وهيئة تحرير الشام ليست القوة العسكرية المهيمنة في الشمال الغربي فحسب، بل أنها تحتفظ أيضاً بحضور متزايد في الشؤون الإدارية والمدنية من خلال حكومة الإنقاذ السورية، وهي هيئة مدنية تشكلت في أواخر عام 2017 وبدعم من المجموعة المتشددة.

وسعت حكومة الإنقاذ السورية، منذ تأسيسها، إلى انتزاع الحكم المحلي من خلال تحدي الحكومة السورية المؤقتة المعارضة المدعومة من الغرب وفرض تفسيرها الصارم للشريعة الإسلامية على سكان المحافظة.

وذكر ستروهيبن “أن هيئة تحرير الشام راغبة ومستعدة للتدخل” وتوفر خدمات مجتمعية مثل المساعدة التي تقدمها من أجل إعادة الاستقرار. ومن خلال ذلك قد تكتسب المجموعة “سيطرة أكبر بمطالبة الناس بكيفية عيش حياتهم” على حد قول ستروهيبن.

 وهو الخوف الذي يشاطره الفارس، رئيس اتحاد المكاتب الثورية، وهو معارض منذ فترة طويلة للفصائل الإسلامية في الشمال الغربي ومدير محطة راديو فرش. وحذر من أن “الفراغ الذي نتركه وراءنا سوف تشغله الجماعات الإرهابية”.

واستهدفت مكاتب راديو فرش والموظفين، بما في ذلك الفارس نفسه، عدة مرات من قبل أفراد ومجموعات مسلحة من بينها هيئة تحرير الشام، جبهة النصرة سابقاً، التي لاتزال تشكل تهديداً للشمال الغربي من خلال حملة الاغتيالات والتفجيرات المتفرقة.

وقال الفارس، إنه يشعر بالحيرة خاصة إزاء قرار الولايات الأمريكية من تجميد التمويل و التركيز السياسي المتزايد والضيق على مطاردة الجماعات الإرهابية في سوريا، بدلاً من الأسد، بعد تولي ترامب للسلطة.

وتساءل “كيف يمكن لمن ينادون بمكافحة الإرهاب أن يوقفوا دعم منظمات المجتمع المدني في منطقة تعج بالإرهاب ؟”.

وقالت مليسا دالتون، مسؤولة سابقة في البنتاغون ومحللة سياسية سابقة لموقع أكسيوس الإخباري، أن قرار قطع مساعدات إعادة الاستقرار في شمال غرب البلاد “سيخفض الخسائر بشكل أساسي في هذه المرحلة”. والمعركة النهائية لمحافظة إدلب باتت وشيكة الآن بعد سلسلة من هزائم المعارضة في أماكن أخرى من البلاد، ولا يزال مصير 2.5 مليون شخصاً غير واضح.

 لكن على الرغم من احتمال تجدد العنف في الشمال، والمهمة الشاقة التي تنتظر المنظمات التي تسعى إلى تأمين تمويل جديد، قال الفارس إنه مازال ملتزماً ببناء مجتمع مدني، وهو ما يعتبره ضرورياً “لمستقبل سوريا الذي سيحترم حقوق مواطنيه بغض النظر عن طائفتهم أو عرقهم”.

 وختم “المجتمع المدني هو الأداة الوحيدة التي يمكننا من خلالها الوصول إلى تلك النقطة”.

 

 

آخر التقارير…