مدة القراءة: 4 دقائق | تقارير, ثقافة ومجتمع, ريف دمشق

وباء الحصبة يغزو الغوطة الشرقية ويصيب مئات الأطفال.. واللقاحات “لا تكفي”


مارس 29, 2017

يجتاح “وباء” الحصبة ضواحي الغوطة الشرقية المحاصرة التي يحكمها الثوار في ريف دمشق، ويعزي الأطباء الذين تحدثوا لسوريا على طول ذلك إلى نقص اللقاح لأكثر من 350 حالة لأمراض يمكن الوقاية منها بسهولة في أقل من شهرين.

ومع وجود ما يصل لـ80% من الأطفال بدون لقاح في المنطقة المطوقة التي تضم  450000 نسمة، فإن مرض الحصبة يعود للانتشار مجدداً ويدق ناقوس الخطر بعد أن كانت هذه الإصابات “نادرة جداً” قبل الحرب، وفق ما قالت طبيبة أطفال في الغوطة الشرقية.

وبدأ الأطباء برؤية المصابين بالمرض في آواخر كانون الثاني، وفق ما قالت أماني، طبيبة أطفال في مستشفى كفربطنا في الغوطة الشرقية لسوريا على طول.

“ومع بداية شباط، ازداد المرض ليصبح وباءً”، بحسب ما قالت. وشخصّ الأطباء حالياً أكثر من 350 إصابة مؤكدة بالمرض، مع ظهور حالات جديدة يومياً.

والحصبة مرض فيروسي، يصيب الصغار بنسب مبالغ فيها مقارنة بالكبار، ويرافقه غالباً ارتفاع كبير في درجات الحرارة والطفح وربما ينتهي بمضاعفات مميتة، ويمكن الوقاية منه بالتطعيم. إلا أن اللقاحات إما أنها كانت تدخل الغوطة الشرقية بفترات متباعدة أو أنها لا تصلها مطلقاً ولا سيما مع حصار نظام الأسد والقصف المستمر للجيب الثوري، الواقع على بعد 2 كم شرقي دمشق. وجاء هذا مقترناً مع الظروف الحياتية المزرية للاكتظاظ السكاني الناجم عن موجة النزوح الداخلي الكبيرة، مما جعل الضواحي البالغة مساحتها 100 كيلومتر مربع  تربة خصبة للمرض شديد العدوى، والذي ينتقل من شخص لآخر عبر الهواء أو التماس المباشر.

وبالنتيجة، فإن مئات الأطفال في الغوطة الشرقية يعانون من ارتفاع في درجة الحرارة إلى حد خطير، ومن مشاكل تنفسية حادة، وفي حالتين على الأقل الموت، وهذا كله من أمراض كان يمكن الوقاية منها.

طبيبة الأطفال أماني في الغوطة الشرقية، تعالج مرضى الحصبة في كفر بطنا. حقوق نشر الصورة لـ UOSSM.

وحتى حين أدخل الهلال الأحمر العربي السوري اللقاحات إلى الغوطة الشرقية في 9 أذار، وكانت هذه الشحنة الأولى من نوعها خلال شهور، ذكر الأطباء أن الكمية “بالكاد تكفي” سكان المنطقة غير الملقحين.

وتصف الطبيبة أماني المستشفى المحلي “المكتظ بالأطفال” الذين ينتظرون دورهم في اللقاحات المحدودة، والتي تعطى بحسب من يأتي أولاً.  

وأوضحت “ولكنها طبعاً غير كافية لجميع الأطفال حسب إحصائياتنا حيث يحدث غالباً أن تكتظ مراكز التلقيح بالأطفال، ولا يحصل الجميع على اللقاح”.

وتوفي اثنان على الأقل بمضاعفات الحصبة منذ بدء انتشار الوباء، من بينهم امرأة في الثالثة والعشرين من العمر في كفربطنا، الخميس، وطفلة في الثامنة من العمر في بلدة حمورية، على بعد 2 كم في الاتجاه الشمالي الشرقي، في وقت سابق من هذا الشهر.  

ولا يمكن إعطاء اللقاح للأطفال بعد أن تظهر عليهم أعراض المرض، وبما أن العلاج المضاد للفيروسات غير موجود حالياً؛ فهذا يعني أن الأطباء ليس أمامهم سوى اللجوء إلى ما يخفف من شدة المرض فقط مثل المسكنات وخافض الحرارة والسوائل الوريدية لتضمن أن الحالة الصحية للمريض مثل الطفل محمد نور ذي العامين لن تتفاقم أكثر.

وقالت أم محمد، والدة نور، لسوريا على طول “ساءت حالة طفلي كثيراً وعانى من زلة تنفسية شديدة وخراخر غزيرة، وطفح كما اختلط التهاب الملتحمة عنده بإنتان جرثومي شديد بحسب ما قالت لي الطبيبة في المستشفى وبقي يومين لا يستطيع فتح عينيه وعولج لمدة حوالي 15 يوما في مستشفى كفربطنا”.

وأضافت “كنت خلالها قلقة جداً على حياة طفلي، ولكنه الآن وبعد خضوعه للاستشفاء أصبح أفضل نسبيا، ولا أنكر أنني ما زلت متخوفة عليه وعلى أن يُعدي طفلا غيره”.

وغالباً ما تشهد العائلات التي لديها أكثر من طفل غير ملقح ويعيشون في غرفة واحدة معاً كما هو حال أم محمد، إصابة أكثر من طفل واحد بالفيروس.

السوريون يبيعون الخشب في سوق في كفربطنا. 27 كانون الأول 2017. حقوق نشر الصورة لـ AMER ALMOHIBANY/AFP/Getty Images

وبالنسبة للمرضى الذين تتوفر لهم إمكانية الحصول على عناية طبية نوعية، فيمكنهم العلاج من الحصبة. ولكن بخصوص الفئات اللاتي تعاني سوء التغذية وغياب الرعاية الصحية الكافية، “فمعدل الوفيات يمكن أن يصل إلى 10%”، وفق ما ذكر اتحاد منظمات الإغاثة والرعاية الطبيةUOSSM)) ومقره فرنسا، في وقت سابق من هذا الشهر.  ويواجه الأطفال المصابين بالحصبة داخل الغوطة الشرقية خطراً إضافياً من مضاعفات صحية شديدة  نظراً للعجز الطبي والغذائي الرهيب الناجم عن حصار المنطقة المعارضة لخمس سنوات.

وزادت المخاوف من المضاعفات المتعلقة بالحصبة والناجمة عن سوء التغذية الحاد إلى درجات قصوى في الشهر الماضي بعد أن شنت قوات النظام حملة لقطع طرق الإمدادات الحيوية الطبية والغذائية عبر الأنفاق، وفق ما ذكرت سوريا على طول آنذاك. وتعثرت الحملة إلى حد كبير، مع تغيير بسيط في  خريطة السيطرة على الأرض ولكنها حصدت أرواح العشرات.

وصحيحٌ أن المرض يصيب الأطفال بنسب كبيرة جداً، ولكن “من الواجب التنويه إلى أن إصابات الحصبة لم تكن عند الأطفال فقط، بل هناك إصابات موثقة لأولئك الذي تفوق أعمارهم 40 سنة”، وفق ما ذكر الدكتور أحمد البقاعي، مدير مركز “إنقاذ روح” المتخصص بالأمراض الإنتانية والوبائية في كفر بطنا، وهو المركز الوحيد والمعتمد في الغوطة الشرقية.

ولم تتمكن الأمم المتحدة من إيصال اللقاحات إلى البلدات المحاصرة في الغوطة الشرقية لعدة أشهر بسبب “القتال في المنطقة وعلى الطريق بالإضافة إلى إغلاق الطرق لأسباب أمنية وغياب  التصريحات والتسهيلات الإدارية و/ أو الاتفاقيات بين أطراف النزاع “، وفق ما قالت ليندا توم، المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، لسوريا على طول، من دمشق.

ومع تسجيل الأطباء لإصابات جديدة بمرض الحصبة يومياً، “فإن الوقت ينفد بالنسبة لأهالي الغوطة الشرقية”، وفق ما قالت اليزابيث هوف، ممثلة منظمة الصحة العالمية فى سوريا فى بيان صحفي يوم الإثنين. “ومع زيادة الاحتياجات الطبية، فإن المصادر المتاحة تستنزف يوماً بعد يوم”.

وأفادت منظمة الصحة العالمية في تشرين الثاني إن مرض الحصبة هو واحد من الأسباب الرئيسية للوفيات التي يمكن الوقاية منها باللقاحات، وعُزيت أكثر من 134200 حالة وفاة  حول العالم إلى هذا المرض في عام 2015.

وينخفض ​​هذا الرقم مما يقدر بـ2.6 مليون حالة وفاة سنوية بالحصبة قبل حملات التطعيم التي بدأت في عام 1980على نطاق واسع.

آخر التقارير…