مدة القراءة: 5 دقائق | السويداء, تقارير, سياسة

وقفة تأييد في مواجهة الاحتجاجات: هل تصمد سياسة دمشق لاحتواء السويداء؟


يونيو 10, 2020

عمان- من المكان ذاته الذي انطلقت منه احتجاجات أهالي مدينة السويداء خلال الأيام الثلاثة الماضية، رد النظام السوري بتنظيم وقفة لمؤيديه أمام مبنى المحافظة في المدينة، اليوم الأربعاء، وذلك بعد تهديد ووعيد بـ”المحاسبة الشديدة”، كما جاء على لسان رئيسة فرع اتحاد الطلبة في المحافظة وفاء العفلق، للمتخلفين عن المشاركة في إظهار التأييد لبشار الأسد.

وفيما أظهرت الصور المنشورة أعداداً كبيرة للمشاركين في وقفة التأييد، نفى الباحث في الشأن السوري مازن عزي، المتحدر من مدينة السويداء والمقيم في فرنسا حالياً، أن يكون ذلك دليلاً فعلياً على رفض المشاركين للاحتجاجات المناهضة للأسد. إذ إن “عدداً كبيراً من الطلبة المشاركين، والذين يمكن تحريكهم في هذا الوقت، قد يكونون معارضين للنظام ورافضين لسياساته”، كما قال لـ”سوريا على طول”.

وفي تسجيل صوتي تم تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي، توعز العفلق إلى الكوادر والهيئات الإدارية واللجان التابعة لاتحاد الطلبة بضرورة التواجد “بحشود كبيرة” في وقفة التأييد، محذرة من عدم وجود مبرر للغياب، ومشيرة إلى إمكانية تأمين حافلات لنقل المشاركين من أماكن تواجدهم. أما الإعلام الرسمي الذي كان غائباً عن أي تغطية لاحتجاجات السويداء طيلة الأيام الثلاثة الماضية، فنقل أخبار وقفة الأربعاء، التي جاءت، بحسب وكالة الأنباء الرسمية “سانا” “رفضاً وتنديداً بالعقوبات الأميركية والإجراءات القسرية أحادية الجانب المفروضة على سورية وتأكيداً على التمسك بالمواقف والثوابت الوطنية”.

ومع انتهاء الوقفة الموالية للنظام، تجددت الاحتجاجات المناهضة لليوم الرابع على التوالي، إذ تجمّع العشرات في ساحة الفخار بالمدينة، ورددوا مجدداً هتافات مطالبة برحيل بشار الأسد، كما الإفراج عن الشاب رائد الخطيب الذي تم اعتقاله بعد انتهاء احتجاجات أمس الثلاثاء.

سوريون يشاركون في وقفة احتجاجية مناهضة للنظام السوري بمدينة السويداء، 10/ 6/ 2020 (السويداء 24)

مواجهة أم احتواء؟

رغم استنفار الأجهزة الحكومية في المحافظة، واستقدام تعزيزات إلى قيادة شرطة السويداء والحواجز المنتشرة داخل المدينة، لم تفض الاحتجاجات المناهضة إلى مواجهات مباشرة مع قوات حفظ النظام والأمن الداخلي (الشرطة) حتى الآن. لكن عقب انتهاء احتجاجات أمس الثلاثاء، اعتقلت أجهزة الأمن الشاب رائد الخطيب، أحد المشاركين في الاحتجاجات، من داخل مكتبة في المدينة. وقد “تم تنفيذ العملية بطريقة مدروسة”، كما ذكرت الناشطة الحقوقية هبة معروف لـ”سوريا على طول”، مشيرة إلى أن “النظام حاول التفرد برائد، وقد تم اعتقاله بعد تفرق المحتجين من حوله”.

وبحسب ريان معروف، مدير تحرير شبكة “السويداء 24″ الإعلامية المحلية، فإن حادثة اعتقال الخطيب هي الوحيدة التي شهدتها المدينة منذ اندلاع الاحتجاجات. مضيفاً في تصريح لـ”سوريا على طول” أن “الأمن تذرع بأن الاعتقال على خلفية قضية جنائية. لكن حتى إن كانت هناك قضية جنائية، فإن السبب الحقيقي للاعتقال بهذه الطريقة هو مشاركته في التظاهرات”. لكن بحسب أحد المشاركين في الاحتجاجات، تحدث إلى “سوريا على طول” شريطة عدم الكشف عن هويته، فقد “عمم النظام أسماء عشرات الشباب والشابات المشاركين [في الاحتجاجات]، وأنا بينهم”.

كذلك، فإن تسجيل حادثة اعتقال واحدة، حتى الآن، “لا يعني أن النظام ينفصل عن طبيعته ووحشيته”، بحسب د. هبة معروف، وإنما “للسويداء خصوصيتها. إضافة إلى أن النظام غير قادر على اتهام احتجاجات المدينة بأنها ذات بعد ديني وامتداد لتلك التظاهرات التي كانت تخرج من المساجد في المحافظات الأخرى، كما كان يزعم”.

وتفسيراً لما يصفها بـ”العلاقة المعقدة” في حالة السويداء، رأى عزي أن “النظام يعمل على أبعاد أهلية وعشائرية، إضافة إلى سياسة الاستقطاب”. مستبعداً، بالتالي، أن “تصل الأمور إلى تنفيذ حملة اعتقالات واسعة”. إذ إن الأمن، كما أضاف، “ليس غبياً في حالة السويداء نظراً لخصوصيتها. كما أنه مع عجز النظام عن تحسين الظروف المعيشية للناس، والهبوط المستمر لسعر صرف الليرة السورية، فإن الرد بحالة قمعية يعني أن الشعرة الأخيرة بينه وبين المجتمع ستنقطع”. معتبراً أن “النظام لم يعد يتبع ردات فعل عنيفة حتى في مناطق المصالحة [التي كانت خاضعة للمعارضة سابقاً] رغم خروج تظاهرات ضده فيها، ومن باب أولى أن يلجأ إلى الاحتواء في السويداء بدلاً من المواجهة”.

على الرغم من ذلك، لا يبدو مستبعداً، لجوء دمشق إلى السياسة ذاتها التي اعتمدتها في محافظة درعا، من خلال “خلق الفتنة والفوضى، وتنفيذ عمليات اعتقال هنا، وخطف هناك، ناهيك عن مسيرات التأييد الموجهة”، برأي عزي.

رجال الكرامة

رغم وزنها في المحافظة ذات الغالبية الدرزية، لم تصدر حركة رجال الكرامة، وهي مجموعة مسلحة تعمل في حدود محافظة السويداء، موقفاً رسمياً حيال الاحتجاجات منذ اندلاعها في 7 حزيران/يونيو الحالي. لكن على خلفية اعتقال الشاب الخطيب “تواصل ناشطون من الحراك في السويداء مع الحركة من أجل التدخل والإفراج عنه”، كما قال ريان معروف.

وتأتي المطالبات بتدخل الحركة، على خلفية الأدوار المهمة التي لعبتها سابقاً في هذا السياق، من قبيل الضغط على الأجهزة الأمنية لإطلاق سراح موقوفين لدى هذه الأجهزة، كما تدخلها للإفراج عن المختطفين أو تبادل الأسرى مع محافظة درعا المجاورة، فيما اقتصر دورها العسكري خلال السنوات الأخيرة على مواجهة تنظيم “داعش”، داخل حدود المحافظة.

إلا أن قيادياً في حركة رجال الكرامة، ضمن ما يعرف بـ”قطاع المدينة”، قال لـ”سوريا على طول” إن الحركة “بنيت على عدة مبادئ، منها عدم تبني رأي التيارين السياسيين المؤيد والمعارض [للنظام]، مع تأكيدنا على الحق في حرية التعبير للجميع ضمن الأصول”، ومؤكداً على “دور الحركة في ردع كل الأطراف التي تتربص سوءاً بالمحافظة”، بحسب تعبيره، بما في ذلك منع “الاعتقالات التعسفية والتجنيد الإجباري، وكذلك منع المليشيات المتطرفة من الاعتداء على الجبل [جبل الدروز]”. فيما أحجم القيادي عن الكشف عن أي جهود ربما تبذلها الحركة في قضية اعتقال الخطيب.

السويداء بعيون المحافظات الأخرى

أعادت احتجاجات السويداء السوريين في مختلف المحافظات السورية إلى الأيام الأولى للثورة التي اندلعت في آذار/مارس 2011، سواء على صعيد الشعارات المرفوعة، أو آمال استمراريتها، كما التخوف من ردود فعل الأجهزة الأمنية عليها بشكل عنيف دموي. وهو ما لا يعني، في الوقت ذاته، عدم وجود أصوات تنتقد الاحتجاجات التي جاءت بعد أكثر من تسع سنوات على اندلاع ثورة 2011. وهي الانتقادات التي ووجهت برد قوي من أغلب المعارضين السوريين.

ورداً على هذه الانتقادات أيضاً، قال أحد المشاركين في الاحتجاجات الحالية لـ”سوريا على طول” إن “المتظاهرين في السويداء لم يشاركوا في الاحتجاجات للحصول على شهادة من أحد. والجميع قدم تضحيات. ويجب علينا التفكير من منطلق سوري وطني، بغض النظر عن المذهب أو الطائفة أو القومية”. تأكيداً على ذلك، قال الناشط الإعلامي فادي شباط، وهو مهجر من جنوب دمشق إلى الشمال السوري، إن “عدداً من أصدقائي أبناء السويداء شاركوا في كثير من الأنشطة الثورية في السنوات الأولى للثورة، في العامين 2011 و2012 ومن داخل دمشق”. لكن “بعد تسليح الثورة”، كما أضاف في حديثه إلى “سوريا على طول”، “انكفأ نشطاء السويداء عن المشاركة، وعاد بعضهم إلى محافظته”.

واعتبر شباط أن “ما يجري اليوم في السويداء من احتجاجات هو امتداد للثورة السورية المطالبة بتحقيق مطالب كل السوريين، بما في ذلك تحسين أوضاعهم المعيشية”.

وهو ما تتفق معه الناشطة بيان ريحان، المهجرة من ريف دمشق والمقيمة حالياً في ألمانيا. إذ إن السويداء، كما قالت لـ”سوريا على طول”، “لم تكن بعيدة عن الحراك الثوري ولنا أصدقاء ثورة منها”.

آخر التقارير…