مدة القراءة: 4 دقائق | إدلب, بيئة, صور, وسائط متعددة

“يوم كنا نسكن الجنة”: إدلب بعيون مصور عاشق للطبيعة


يوليو 21, 2021

عمّان – بعد أكثر من عشر سنوات من الحرب في سوريا، تهيمن على الصور الآتية من محافظة إدلب، شمال غرب البلاد، تلك التي محورها الخيم البيضاء التي تؤوي النازحين، والاسمنت الرمادي من المباني المهدمة، كما تبعات القصف الذي لا يكاد يتوقف. 

سابقاً، كانت تشتهر هذه المحافظة باسم “إدلب الخضراء”، بسبب غاباتها الجميلة وتلالها المزينة بشجر الزيتون وبساتينها الغنية. “يومها كنا نسكن الجنة”، كما كتب الصحافي ومصور الطبيعة الإدلبي، صلاح جعّار، على صورة لشباب يتنزهون في ريف المحافظة. 

يتحدر جعّار من جبل الزاوية بريف إدلب الجنوبي، والذي تعرض لقصف مكثف خلال الأسابيع الماضية. وعلى الرغم من مصاعب الحياة نتيجة القرب من خطوط التماس مع قوات النظام، يجد المصور الشاب عزاء في الطبيعة وحبه للتصوير الفوتوغرافي.

ربما لأنني نشأت في الريف، فإن محبتي للأرض وتصوير الطبيعة تختلف عن التصوير داخل المدن والأحياء والقصف والأبنية”، قال جعار لـ”سوريا على طول”. إذ “أميل إلى تصوير الطبيعة والحقول المفتوحة، أكثر من التصوير داخل المدن”.

على صفحته على تطبيق “إنستغرام”، يسلط المصور الشاب الضوء على جانب مختلف من إدلب، غالباً ما يتوارى خلف صور تجسد أخباراً أكثر مرارة عن مرارة. و”إنستغرام يشبه البوابة بالنسبة لي”، كما أوضح حعار، إذ “أنشر عن حياتنا اليومية، سواء القصف، أو أنشطتنا اليومية، والحياة في الشوارع”. 

شجرة كرز محملة بالزهر في منطقة جبل الزاوية بريف إدلب الجنوبي، 13/ 4/ 2021 (صلاح جعّار/إنستغرام) 

ويواكب عمل جعار تعاقب المواسم التي تشهد انبعاث الحياة في أراضي المحافظة. فقبل الحرب، اشتهرت إدلب على مستوى منطقة الشرق الأوسط ككل بالكرز الذي كانت تُصدَّره على نطاق واسع، كما يستخدم في الطبخ المحلي، لاسيما الكباب بالكرز. 

ثمار الكرز الناضجة تتدلى من إحدى الأشجار في منطقة جبل الزاوية بريف إدلب الشمالي، 16/ 6/ 2021 (صلاح جعّار/إنستغرام) 

وعلى الرغم من الانخفاض الكبير في إنتاج المحافظة من الفاكهة خلال الحرب، نظراً لوجود العديد من الأراضي الزراعية بالقرب من خطوط التماس، فإن آلاف المزارعين النازحين يعودون إلى حقولهم في ريف إدلب الجنوبي موسمياً خلال وقت الزراعة والحصاد. 


 أرض زراعية في ريف إدلب، حيث ما يزال بعض المزارعين يستخدمون البغال والخيول لحراثة المساحات الضيقة بين الأشجار المثمرة، 28/ 3/ 2020 (صلاح جعّار/إنستغرام) 

ويوثق جعّار العمل المتواصل لهؤلاء المزارعين الذين يحتاجون لكسب لقمة العيش من الأرض برغم المخاطر المستمرة التي يواجهونها، سواء القصف أو الذخائر غير المنفجرة. ويستخدم البعض حيوانات كالأحصنة وغيرها لحرث الأرض، إما لأن الأراضي ضيقة جدًا لدخول آلات مثل محراث آلي، أو لأن الآلات والوقود أصبحت باهظة الثمن.

صيادون على ضفة بحيرة اللج (سد قسطون) بريف إدلب 8/ 4/ 2020 (صلاح جعّار/إنستغرام) 

ويعتبر سهل الغاب بريف محافظة حماة الغربي سلة الخبز أخرى في شمال غرب سوريا. فبعد أن كان أشبه بمستنقع كبير تغمره مياه نهر العاصي، تم تجفيف السهل في خمسينات وستينات القرن الماضي ليتحول إلى سهل زراعي خصب تتخلله بحيرات صغيرة وسدود وممرات مائية طبيعية مناسبة لصيد الأسماك. 

أرجيلة في الجنة: صور من نزهة بالقرب من عين لاروز في ريف إدلب الغربي 25/ 12/ 2020 (صلاح جعّار/إنستغرام) 

ويعشق بعض المناظر الطبيعية على نحو خاص، مثل المنطقة المرتفعة بالقرب من قرية عين لاروز في ريف إدلب. إذ “بين تشرين الثاني وكانون الثاني، تظهر سلسلة من الغيوم [تعلو السهل أسفل المرتفع]، لتبدو كما لو كانت تحتك”، قال جعار. و”خلال هذه الأشهر الثلاثة، يعرف أي شخص يبحث عني أنه سيجدني في عين لاروز”. 

صور لشاب خلال رحلة قرب قرية عين لاروز المطلة على بحيرة اللج (سد قسطون) بريف إدلب الغربي، 6/ 2/ 2021 (صلاح جعّار/إنستغرام)

“عندما كنا نعيش في كفرنبل [التي سيطر عليها النظام في شباط/فبراير 2020]، كنت أخرج في رحلات بمفردي معظم الوقت”، أضاف جعار. “لكن عندما نزحنا إلى منطقة أخرى، أصبحت أذهب مع الأصدقاء، لأنني لا أعرف جيداً الأماكن من حولي، فيما إذا كانت آمنة، أو فيها عصابات مسلحة وعمليات خطف”. 

ومع إدراكه للدمار الذي يلحق بها، يوثق جعّار بصوره الجوانب الطبيعية لإدلب على عجل. وتظل جنته المفقودة أحراش كفرنبل التي كانت ذات يوم مكاناً معروفاً تقصده العائلات التي كانت تجلس “من بداية النهار لآخره في ظلال الأشجار”.

“إن لم يصب القصف السكان، فهو يصيب الأشجار”، قال جعّار. مضيفاً بأسى: “لي في تلك المنطقة [أحراش كفرنبل] ذكريات مع عائلتي. لكنها تحولت اليوم إلى منطقة مزروعة بالألغام، بحيث لا يمكن المشي بين شجرة وأخرى؛ إذ قد ينفجر لغم مع أي خطوة تحت أقدامنا، أو تقابلنا طلقة من قناص. آلمني ذلك كثيراً، وكان له أثر كبير في نفسي”. 

وعلى مدار السنوات العشرين الماضية، فقدت سوريا ما يقرب من 20٪ من غطائها الحرجي. وفي العام 2020 وحده، تم تدمير أكثر من 3,000 هكتار من الغابات بسبب الحرائق التي اندلعت نتيجة القتال أو للتخلص من الأشحار، أو بسبب الاكتظاظ السكاني الناجم عن النزوح إلى مناطق الغابات. في الوقت ذاته، يتسرب التلوث من مصافي النفط البدائية ومخلفات الأسلحة والمواد الكيماوية عبر الأنهار والتربة، بما يؤثر على صحة البشر بشكل مباشر. 

آخر التقارير…