7 دقائق قراءة

الدنمارك تدفع السوريين للعودة إلى اللاذقية وطرطوس “الآمنتين”

أثينا- تعيد سلطات الهجرة الدنماركية النظر في أوضاع 100 لاجئ […]


29 مارس 2023

أثينا- تعيد سلطات الهجرة الدنماركية النظر في أوضاع 100 لاجئ سوري من اللاذقية وطرطوس في الدنمارك، بعد تصنيف المحافظتين على أنهما آمنتان للعودة، كما كشف مصدر في دائرة الهجرة الدنماركية لـ”سوريا على طول”.

يوشك اللاجئون من المحافظتين، الذين مُنحوا حالة الحماية المؤقتة في الدنمارك بسبب العنف العام، أن يخسروا تصاريح الإقامة، ما يعني إجبارهم على الإقامة في مراكز الترحيل إلى أجلٍ غير مسمى، أو الفرار إلى بلدٍ ثالث، وإما العودة إلى سوريا.

تأتي هذه الخطوة بعد نحو أربع سنوات من تصنيف الدنمارك دمشق وريفها على أنهما آمنتان للعودة، عام 2019، في قرارٍ يتعارض مع التقييمات الأوروبية والدولية. ونتيجة لذلك، جُرِّدت مئات العائلات من تصاريح الإقامة، غير أن معظمهما استعادتها بعد الاستئناف. 

في 17 آذار/ مارس، قضى مجلس طعون اللاجئين في أول حالتين لعائلتين سوريتين من اللاذقية تأثرتا بالتصنيف الجديد للاذقية، إذ ألغت سلطات الهجرة تصاريح إقامتهما بذريعة أنّ منطقتهما في سوريا آمنة للعودة.

من جهته، حكم المجلس لصالحهما ومنحهما حالة اللجوء استناداً إلى مخاطر فردية، لكن حكم مجلس الطعون بشأن هاتين الحالتين ينطوي على تأكيد تقييم سلطات الهجرة في اعتبار اللاذقية آمنة عموماً لعودة أبنائها.

وهذا يعني أنَّ السوريين من اللاذقية حالياً “لا يمكنهم استعادة تصاريح إقامتهم ما لم يكن لديهم أسباباً فردية للاضطهاد”، بحسب إيفا سينجر، رئيسة قسم اللجوء في المجلس الدنماركي للاجئين، هيئة مستقلة تقدم خدمات قانونية للاجئين.

لم يتخذ مجلس الطعون، هيئة شبه قضائية مستقلة، إلى الآن “موقفاً حيال محافظة طرطوس”، كما أوضح مصدر من دائرة الهجرة الدنماركية لـ”سوريا على طول”، ولكن من المتوقع أن يأتي قرار المجلس على غرار قراره في اللاذقية.

يتعين على اللاجئين السوريين ذوي الحماية المؤقتة في الدنمارك تجديد تصاريح إقامتهم سنوياً. عند موعد مراجعة ملفات السوريين القادمين من اللاذقية وطرطوس، ترتفع احتمالية إلغاء تصاريحهم بحكم تصنيف سلطات الهجرة المحافظتين على أنهما آمنتان. هذا لا ينفي أن الطعن بالقرار ما يزال ممكناً.

لم يتسن لدائرة الهجرة أن تقدِّر إجمالي عدد اللاجئين السوريين من طرطوس واللاذقية في الدنمارك، إلا أنَّ المصدر ذكر أن هناك نحو مئة حالة قيد الدراسة لأفراد من المحافظتين “فيما يتعلق بانتهاء تصاريح الإقامة المؤقتة [لعامٍ واحد]”.

“الخوف مزروعٌ في قلوبنا”

إحدى الحالات المطروحة للمراجعة تعود لفايز أحمد الشيخ، 54 عاماً، الذي فرَّ من اللاذقية، عام 2014، وحصل على الحماية المؤقتة في الدنمارك، وتمكن فيما بعد من لم شمل زوجته وطفليه. طُرِح ملفهم للمراجعة قبل عام تقريباً، ونظراً إلى اعتبار اللاذقية مؤخراً محافظةً آمنة، ينتاب الشيخ مخاوف عميقة. 

في مقابلته الأخيرة مع سلطات الهجرة، أخبرهم الشيخ أنّه مطلوبٌ للنظام السوري، وأن “والد شريكي في العمل اعتقلته قوات الأمن وقتلته، وبعد فراري من سوريا، أتوا إلى منزل أمي بحثاً عني”، كما قال لـ”سوريا على طول”.

دُهِش الشيخ، الذي يعمل حالياً في مطعمٍ بدوام جزئي، من تصنيف السلطات الدانماركية اللاذقية على أنّها آمنة للعودة، متسائلاً: “كيف تكون آمنةً إذا كانت منطقة بلا قانون، ويُمكن أن يُعتقل فيها أي شخص ويُقتل ولا يمكنك أن تفعل شيئاً حيال ذلك؟”

العودة إلى سوريا ليست ضمن خياراته، بحسب ما قال، حتى لو ألغت سلطات الهجرة تصاريح إقامة عائلته “لا يمكن أن نعود أبداً. في اللاذقية نحن مهددون، نحن لا شيء، ولا كلمة لنا هناك”، بحسب الشيخ. وقال عندما علم أن حكومة البلد التي فرّ إليها تصنف محافظته على أنها آمنة خياراً آمناً لعودتهم: “إنهم زرعوا الخوف في قلوبنا”.

وبدوره، قال خالد بركات قدري، 55 عاماً، أن العودة إلى سوريا ليست خياراً مطروحاً بالنسبة له أيضاً. في هذا الشهر، أعادت السلطات الدانماركية تقييم تصريح إقامته، وأخبرته أنّها ستقرر تمديد إقامته أو إبطالها خلال الستة أشهر المقبلة. ” إن رفضتني سلطات الهجرة، سألجأ إلى مجلس الطعون، وإن رُفِضت أيضاً، أفضل الانتحار على العودة”، كما قال لـ”سوريا على طول”.

قبل أن يشق طريقه إلى الدنمارك، فرّ قدري من اللاذقية إلى تركيا، عام 2013، بعد أن بلغه تحذير على لسان شقيقته بملاحقة الأجهزة الأمنية له. “أخبرتني أنهم جاؤوا إلى منزل أهلي ليسألوا عني. إذا كان النظام يسأل عنك، فأنت تعلم ماذا يعني ذلك”، وفقاً له.

كشفت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها السنوي أن قوات النظام السوري مسؤولة عن الإخفاء القسري لـ95,696 شخصاً ومقتل 200,291 مدنياَ على مدى السنوات الإحدى عشرة الماضية.  

النتائج موضع تساؤل

يسير تصنيف الدنمارك مؤخراً للاذقية وطرطوس كمحافظتين آمنتين للعودة على خطى تقييمها لدمشق وريفها في عام 2019. قلب التصنيف السابق حياة مئات العائلات رأساً على عقب لسنوات، ومع ذلك، لم يعد سوى عدد قليل جداً من السوريين جرّاء إلغاء تصاريح إقامتهم.  

بحسب دائرة الترحيل الدانماركية، الهيئة المسؤولة عن إعادة الرعايا الأجانب الذين لا يملكون إقامة قانونية، حتى تموز/ يوليو 2022، لم يغادر من الدنمارك سوى 16 سورياً ينحدرون من دمشق وريفها إثر إلغاء إقامتهم.  

هناك حالياً 33 سورياً يقيمون في مراكز الترحيل، من الذين فقدوا إقامتهم، بحسب سلطات الهجرة. هناك، لا يُسمح لهم بالعمل ويتعين عليهم مراجعة الشرطة عدة مراتٍ أسبوعياً، والحصول على إذن مغادرة لإمضاء ليلتين خارج المركز مرةً كل أسبوعين. وقد يفضي خرق هذه القواعد إلى عقوبة السجن

“إنّهم لا يضعون الناس على متن الطائرات، لأنّهم لا يستطيعون فعل ذلك. إلا أنّ هذه المراكز هي طريقة لإجبارهم على إعادة النظر، لأنَّ الناس لا تستحمل العيش بلا كرامة. هذه المراكز مُصممة لدفع الناس إلى التفكير في العودة”، قالت ناديا هاردمان، باحثة في قسم حقوق اللاجئين والمهاجرين في “هيومن رايتس ووتش”، معتبرة ما يحدث “طريقة معيبة يُعامل فيها الناس الذين مروا بأكثر الصراعات تدميراً في العصر الحديث”.

من جهتها، أصدرت الشرطة الدنماركية مذكرة توقيف بحق 76 شخص لا تعلم أماكن وجودهم، ما يعني احتمال مغادرتهم إلى بلدٍ ثالث دون إبلاغ السلطات الدنماركية. في آب/ أغسطس 2022، قضت محكمة هولندية بأنّه لا يمكن إعادة السوريين الفارين من الدنمارك بعد فقدانهم إقامتهم فيها آلياً [إليها بموجب اتفاقية دبلن]، لأنه لا يُمكن افتراض أن “السلطات الدنماركية تمتثل لحظر المعاملة غير الإنسانية”. 

ولكنّ معظم السوريين الذين تأثروا بتصنيف عام 2019 استعادوا حق الإقامة بعد الاستئناف. من حزيران/ يونيو 2019 إلى آذار/مارس 2023، نقض مجلس الطعون قرارات إلغاء تصاريح الإقامة في 54.7% من الحالات، وأحال 12% من الحالات إلى سلطات الهجرة لإعادة النظر فيها مجدداً، فيما أيد المجلس في 32.5٪ من الحالات قرار دائرة الهجرة القاضي بإلغاء الإقامة أو عدم تجديدها، بحسب أرقام حصلت “سوريا على طول” عليها من المجلس. 

‏نظراً إلى المعدل العالي للحالات التي نُقِض فيها قرار إلغاء الإقامة، يتساءل خبراء قانونيون عمّا يدفع ‏السلطات الدنماركية لتوسيع نطاق المناطق التي تعتبرها آمنة في سوريا. “من الصعب أن تفهم لماذا تواصل دائرة الهجرة الدنماركية إصدار قرارات يتم نقضها”، بحسب سينجر.

ووصفت هاردمان السياسة بأنّها “‏حركة سياسية تحاول استغلال تدني شعبية قضايا اللاجئين”، مضيفة “‏إذا كانت القرارات تُنقض باستمرار عند الاستئناف فهي قرارات غير عقلانية ومضيعة كبيرة للمصادر الدنماركية”.

‏بما أن معظم السوريين من دمشق وريفها استعادوا حق الإقامة، توصي سينجر المنحدرين من طرطوس واللاذقية أن يتحلوا بالهدوء، وعدم الفزع “أرى أن احتمال عدم سحب تصاريح إقامتهم منهم جيداً”، بحسب قولها.

‏وعزت سينجر ‏المعدل العالي لنجاح الاستئنافات إلى تغييرات في وضع اللاجئين على الصعيد الفردي، كأن ينتقدوا علانية نظام الأسد بعد قدومهم إلى الدنمارك، إضافة إلى أن “مدى ارتباطهم بالدنمارك فيما يتعلق بحياتهم الخاصة أو العائلية هو موضع اعتبار بنظر مجلس طعون اللاجئين أكثر مما هو بنظر دائرة الهجرة”. 

إنفوجرافيك “دهاليز النسيان في الدنمارك”: ماذا يحدث عندما تعيد الدنمارك النظر في وضع السوريين القادمين من مناطق تعتبرها “آمنة” للعودة؟ (سوريا على طول)

“مفهومٌ عبثي عن الأمان”

في اعتبارها أجزاء من سوريا آمنة لعودة اللاجئين، تناقض السياسة الدنماركية التقييمات الأمنية للاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.

“تتمسك السلطات الدانماركية حقيقةً بفكرة أن العنف العام أو الأمان مرتبط بوابل القنابل [أولاً]. هذه المناطق تحت سيطرة السلطات التي ارتكبت وما تزال ترتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان”، كما قالت هاردمان، واصفةً مفهوم الأمان المعتمد وراء تصنيف هذه المناطق بـ “العبثي”.    

تسيطر حكومة دمشق على محافظتي اللاذقية وطرطوس. في عام 2022، كان ما يزال 34 شخصاً في اللاذقية و20 في طرطوس “قيد الاعتقال أو الاحتجاز أو مختفين قسرياً في مراكز الاحتجاز التابعة لقوات النظام السوري”، كما قال فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان لـ”سوريا على طول”.

في عام 2021، وثَّق تقرير صادر عن هيومن رايتس ووتش عمليات قتل خارج نطاق القضاء وإخفاء قسري وحالات اعتقال وتعذيب في أوساط اللاجئين السوريين العائدين إلى سوريا. وفي العام نفسه، كشفت منظمة العفو الدولية عن حالات من العنف الجنسي المرتكب ضد العائدين من قبل مسؤولي الأمن.

“تظهر وثائقنا من سوريا أنّه لا يمكن لأي عائد أن يكون بمنأى عن الاتهامات بالخيانة والعقاب، وبالتالي فهو عرضة للانتهاكات العنيفة”، قال مارتن ليمبرغ بيدرسن، رئيس السياسات والتوثيق في الفرع الدنماركي لمنظمة العفو الدولية 

أبلغت سلطات الهجرة الدنماركية، في تقرير صدر عام 2021، عن حادثين أمنيين في طرطوس و119 حادثة في اللاذقية، وأقرَّت بأن سلطات الدولة “واصلت الاعتقالات التعسفية والتعذيب والإخفاء القسري والقتل خارج نطاق القضاء”. 

وذكرت سينجر أن اعتبار اللاذقية وطرطوس محافظتين آمنتين “هو قرار إشكالي، على غرار قرار دمشق وربما أكثر، لأننا نملك [الآن] معلومات أكثر توثِّق المخاطر التي قد يواجهها العائدون، والتي ينبغي على السلطات أن تأخذها بعين الاعتبار”.

عندما فرَّ الشيخ من سوريا، عام 2014، كان ابنه أحمد في الثانية عشر من العمر، فيما يبلغ الآن الواحدة والعشرين، ويواصل دراسته في الدنمارك، حيت تقيم العائلة منذ تسع سنوات. “ابني هو أهم شيء بالنسبة لي، ومستقبله هنا، إنّه يدرس البكالوريا [الثانوية العامة] ويستحيل أن يعود إلى سوريا”، وفقاً للشيخ.

غير أنَّ تصنيف اللاذقية على أنّها آمنة يهدد مستقبل العائلة بأكملها. “في الدنمارك تشعر كأنّك في حربٍ نفسية، كالموت البطيء”، ختم الشيخ حديثه. 

تم نشر هذا التقرير أصلاً في اللغة الإنجليزية وترجمته إلى العربية فاطمة عاشور

شارك هذا المقال