6 دقائق قراءة

عقد من الحرب: عشاق الطبيعة السورية يستذكرون بيئتها ويندبون تدهورها

الطبيعة كانت إحدى ضحايا الحرب في سوريا، ذلك البلد الذي يصفه البعض بـ"جوهرة التاج" في الشرق الأوسط. ومع ذلك يسعى عشاق الطبيعة لرصد التراث الطبيعي والحفاظ عليه.


بقلم ليز موفة

25 أبريل 2021

عمان- “كنت أذهب في طفولتي للسباحة على ضفاف نهر الفرات رفقة والدي. أراقب صيادي الأسماك، وأسأل عن أنواع السمك العالق في الشبكة وأحفظ أسماءها. كنت مولعاً بالأصناف الشرسة منها حتى صرت ملماً بها”، بحنين يستذكر نادر السالم (اسم مستعار) تلك الأيام، وقد كان في السابعة من عمره.

لم تزد السنوات ابن دير الزور إلا شغفاً بالفرات، حتى صار السالم خبيراً بالتنوع الحيوي المحلي، يجمع الصور والملاحظات والبيانات المتعلقة بالنظم البيئة لحوض الفرات والبادية السورية، وهي الصحراء المقفرة الممتدة حتى جنوب شرق البلاد.

في العام 2015، فرّ السالم إلى دمشق، عقب تدمير منزله في دير الزور وفقدانه لممتلكاته النفيسة: منظاره (تلسكوب) وكاميرته ومئات الوثائق والملاحظات العلمية التي جُمعت على مدار عشرين عاماً.

يعيش السالم بعيداً عن الفرات الذي يسري حبه في دمه، واصفاً “الحياة البرية هي حياتي، لا يمكنني تصور الحياة من دونها”، وما يزال يكافح من أجل الحفاظ على الطبيعة في سوريا. 

تأثير الحرب على التنوع الحيوي

إلى جانب الدمار الواسع والخسائر البشرية الكارثية التي تكبدتها سوريا خلال الصراع المحتدم طيلة عقد من الزمن، تركت الحرب أثاراً كبيرة على البيئة الطبيعية؛ مخلّفة إرثاً من الخراب ستمتد وطأته إلى الأجيال القادمة.

ففي شتى أنحاء البلاد تسود حالة من الفوضى الحياة البرية أو الغابات، في ظل تزايد أنشطة الصيد غير القانوني في مناطق معينة، لا سيما مع ارتفاع مستويات انعدام الأمن الغذائي، وغياب أجهزة إنفاذ القانون وانتشار الأسلحة في كل مناطق النفوذ.

وأسهمت الحرب في تسريع وتيرة تدمير الموائل أو المواطن الطبيعية، إذ فيما تلتهم الحرائق الكبيرة غابات المناطق الساحلية صيفاً، يتفاقم مستوى تلوث التربة والمياه مع انتشار حراقات تكرير النفط البدائية في شمال سوريا. أيضاً يزداد التحطيب الجائر تحت وطأة الأزمة الاقتصادية والافتقار إلى وقود التدفئة وارتفاع ثمنة.

كذلك، تتعرض الطبيعة السورية للنهب بفعل تزايد الاتجار بالحياة البرية. ففي عام 2019، صادرت الشرطة التركية 2000 طائر من فصيلة “الحسون” المهرّبة من سوريا، وصار لبنان سوقاً للطيور المهربة من سوريا، فيما يُتخذ الأردن كمعبر لتهريب الكائنات النادرة من سوريا إلى أسواق الخليج. ويقع العديد من فصائل الحيوانات البرية والأصناف المحمية فريسة للإتجار، بما في ذلك الحرباويات

وفي حين يصعب الحصول على بيانات تظهر كيف تأثّر التنوع الحيوي في سوريا منذ عام 2011، إلا أنه من المرجح أن تكون بعض الأصناف مهددة بالانقراض، أو أوشكت على الانقراض فعلياً. ويعتبر طائر أبو منجل الأصلع الشمالي، المهدد بالانقراض، تجسيداً رمزياً لما يجري. إذ إن الطيور الثلاثة التي تمثل مجموعة أبو منجل لم يتم رصدها في مواطنها المألوفة التي كانت تعيش بها في تدمر منذ عام 2014. 

ولا يمكن عزو احتمال انقراضها إلى الحرب وحدها، إذ قد يكون التدهور البيئي للبادية على مر السنوات والذي بلغ ذروته سبباً في انقراضها. لكن بانقراضها تقوّضت أمال دعاة حماية البيئة الذين كرّسوا سنوات من حياتهم لاستعادة مجموعات الطيور إلى موائلها الطبيعية، كما أن الكثيرين يخشون أن عقوداً من الجهود الرامية للحفاظ على البيئة ستذهب سدى جرّاء الحرب. 

“إن سوريا غنية جداً بالتنوع الحيوي”، قال لـ”سوريا على طول” توماس أكسين هارالدسون، ناشط مستقل في مجال الحفاظ على البيئة، ومن ذوي الخبرة في الشأن السوري، وعضو في جمعية علم الطيور في الشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى (OSME) ، موضحاً أن سوريا “تتمتع بتنوع هائل من حيث هطول الأمطار، والأنظمة البيئية المتعددة مثل الصحراء والأراضي الرطبة (السبخات) ونهر الفرات”.

فضلاً عن وقوعها ضمن مسار العديد من الطيور الأسيوية التي تهاجر إلى الجنوب في الشتاء، مما يجعل من أراضيها الرطبة محطةً هامة في حياة الطيور خارج سوريا. 

“لقد عملت طويلاً في معظم البلاد في المنطقة، إن لم يكن في جميعها، لكن سوريا بالنسبة لي كانت جوهرة التاج”، بحسب ما ذكر ليث المغربي، خبير البيئة الأول في شركة “Fieldfare Ecology” الاستشارية الخاصة، لـ”سوريا على طول”. والذي عمل على مشروعين لحماية البيئة في سوريا، من ضمنها محمية سبخة الجبول بالقرب من مدينة حلب، والتي تحظى بأهمية دولية.

“العمل بسبخة الجبول كان استثنائياً جداً. ليس هناك مكان آخر يضاهي أهميتها في منطقتنا”. إذ تم اعتبار الموقع على أنه الوحيد المعروف في غرب آسيا لتكاثر طيور الفلامنجو.

أفق حماية البيئة قبل عام 2011

قبل الحرب بعقود، كانت معاول الهدم تضرب في الجذور البيئية لسوريا. وكان لهذا دور رئيس في زعزعة استقرار سبل العيش في المناطق الريفية، وإثارة النعرات في المجتمع التي أفضت لاحقاً إلى احتجاجات اندلعت في عام 2011.

تضررت البادية السورية التي تغطي مساحتها 55% من سوريا من الإفراط في الرعي. وأدت السياسات الزراعية الجائرة والمكثفة، وكذلك التوسع الزراعي إلى استنزاف المخزون الاحتياطي المحدود للمياه في سوريا. إذ ارتفع عدد الآبار من 135 ألف بئر في عام 1999 إلى 225 ألف في عام 2010 ، فيما انخفض منسوب المياه الجوفية في سوريا إلى 40 متراً. وعانى المزارعون السوريون خلال الفترة الممتدة من عام 2006 حتى 2011 من قحط كبير، ما دفع نحو مليون شخص إلى النزوح. يبدو أنه لم يتم التعامل مع الأزمة البيئية المرتقبة حينها على محمل الجد.

ومع ذلك، “كان هناك قبل الحرب نوع من المشاعر الإيجابية المنتشرة في سوريا حيال حماية البيئة”، وفقاً لهارالدسون، مضيفاً “تحظى سوريا بالعديد من الشباب الأكاديميين الموهوبين”.

وكان هناك الكثير من المشاريع الدولية لحماية البيئة، بعض هذه المشاريع كانت مدعومة من أسماء الأسد، التي شاركت بالجهود الرامية إلى الحفاظ على أبو منجل الأصلع الشمالي، وتم إنشاء المحميات الطبيعية وصياغة المسودات الأولية لخطط الإدارة. 

وذكر هارالدسون، المساهم في حماية البيئية في سوريا من خلال عضويته  بـOSME”، أنّ الجمعية نشرت كتباً عن الحياة البرية باللغة العربية، ونفذت بعض مشاريع السياحة البيئية بالتعاون مع الجهات المعنية الأخرى، بما في ذلك جمعية الطيور العالمية “Birdlife International”. 

لطالما كانت المنظمات غير الحكومية تعمل ضمن بيئة مقيِّدة، إلا أنّ العديد من المصادر التي قابلتها “سوريا على طول” وصفت سياقاً أكثر تساهلاً  نوعاً ما بخصوص المشاريع البيئية التي يتم النظر إليها على أنها لا تشكل خطراً سياسياً نسبياً. كانت الجمعية السورية لحماية الحياة البرية (SSCW) هي المنظمة البيئية الرائدة، التي قامت بتنفيذ مشاريع عدة بالتعاون مع شركاء دوليين.

ولكن “مع اندلاع الحرب”، أضاف هارالدسون، “باتت [سوريا] كابوساً، وكل من استطاع الرحيل رحل، من بينهم الخبراء في حماية البيئة ممن لهم جهات اتصال في الخارج. وبعضهم يقيم الآن في أوروبا أو في مخيمات الأردن وتركيا”. 

ماهو مستقبل حماية البيئة في سوريا؟

رغم الحاجة الماسة إلى مشاريع حماية البيئة، لا يحتمل الوضع في سوريا تنفيذها، فانعدام الأمن، والذخائر غير المنفجرة التي خلفتها الحرب تحدّ من إمكانية القيام بأي مشروع ميداني.

“زُرعت البادية السورية بالألغام، وتبعاً لذلك، توقفت الكثير من عمليات الصيد والرعي”، وفقاً للسالم، معقباً على ذلك “لابدّ وأن الحياة الريفية تعافت بشكل كبير مع غياب مثل هذه الأنشطة هناك”. 

“ربما خفّت وتيرة الصيد غير المرخص، والصيد بالمجمل في بعض المناطق، لأنّ التجول بالبندقية تحفه الكثير من المخاطر، أو لأنه لم يتسن للناس الذهاب لاصطياد السمك، أو الالتفات إلى العناية بحقولهم وحصادها”، بحسب هارالدسون. مؤكداً “لابدّ وأن بعض المناطق شهدت فعلياً انخفاضاً في أنشطة الصيد الجائر وصيد الطيور غير القانوني”.

بالمجمل، “من الصعب تقييم وتوثيق مدى الضرر البيئي الناجم عن الصراع”، كما أضاف هارالدسون، ولكن مما لا يقبل الشك أن “كل الجهود الإيجابية الرامية إلى حماية الحياة البرية تُرمى جانباً حينما تنحصر حاجة الناس بما يسد رمقها”. 

على الرغم من التحديات الراهنة، ما تزال هناك بعض المشاريع القائمة لحماية البيئة، لكن معظمها في مناطق سيطرة نظام الأسد، منها مشروع صغير ممول من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لدعم المجتمعات المحلية حول موقع سبخة الجبول، وفقًا لمدونة كتبها الباحث نابغ غزال باسم الجمعية السورية لحماية الحياة البرية. 

لا يزال عشاق الطبيعة يتبادلون المعلومات عنها والملاحظات بشأنها على وسائل التواصل الاجتماعي. هنالك ناشط بيئي سوري مقيم في اللاذقية يدير بحسابٍ شخصي واحد على الفيسبوك ما لا يقل عن 42 صفحة مختلفة لها بضعة ألاف من المتابعين، مخصصة للزهور والحيوانات والفطر والمناظر الطبيعية في سوريا. كما يتفاعل قلةٌ من علماء الطبيعة السوريين أيضاً على منصة إلكترونية تعاونية، إذ يرفعون على الدوام الصور والبيانات حول ما يرونه من مختلف فصائل الكائنات الحية. وغالباً ما تتركز مثل هذه الأنشطة في المناطق الساحلية، بعيداً عن خطوط النزاع.

ويبقى فرص الارتباط بالبيئة في تضاؤل مستمر، خاصة وأن “تأمين سبل العيش بات أولوية، وهو يستنفذ الوقت كله”، كما قال أحد المتابعين لصفحة مخصصة للحياة البرية في سوريا على “فيسبوك” لـ”سوريا على طول”، طالباً عدم الكشف عن اسمه.

وأضاف متحسراً “بصراحة، أنشطة السياحة البيئية مثل الرحلات الطويلة والتخييم تكاد تكون معدومة. كان روادها في الغالب من الشباب وطلاب الجامعات، وكانوا يأتون من دمشق إلى الريف. لكن منذ سنة توقفت هذه المجموعات الشبابية. فلم يعد بإمكانهم حتى تغطية تكاليف المواصلات”. 

ومع تقلص فرص تنفيذ المشاريع الميدانية الرامية إلى حماية البيئة، والضغوط المتنامية على الموائل أو المواطن الطبيعية، فضلاً عن السياق الإنساني الكئيب، يبدو أن فرصة تحسن الظروف البيئية في المستقبل القريب ضئيلاً.

“لطالما عملت في هذا البلد، وأصبح يجمعني به ارتباط قوي، من المحزن أنه لم يُنجز سوى القليل قبل العام 2011. ضاع الكثير، ولم يعد بوسعنا سوى تجميع تلك الشظايا المتناثرة”، قال المغربي بأسى.

إلا أن شغف عشاق الطبيعة داخل سوريا وخارجها يدفعهم إلى المثابرة، وتجمعهم الغابات ذاتها. هؤلاء الخبراء وهواة الطبيعية يرسمون الأمل الأجمل لسوريا باستعادة الأنظمة البيئية الخاوية على عروشها يوماً ما. وكما شدد المغربي “ما إن يصبح الوضع آمناً للعودة سأعود حتماً، وأجري أبحاثي هناك”.

نشر هذا التقرير أصلاً في اللغة الإنجليزية وترجمته إلى العربية فاطمة عاشور

شارك هذا المقال