7 دقائق قراءة

في العاصمة الأردنية.. لاجئون سوريون يبحثون إمكانية العودة إلى الوطن بعد فتح الحدود

يجلس رجل خمسيني بصمت، يكسو رأسه الشيب، على كرسيّ الحلاقة داخل صالون مروان للحلاقة الرجالية، في أحد أحياء عمّان الشعبية.المشهد خارج الصالون مألوف بالنسبة للشاب مروان، 35 عاماً من مواليد حلب، الذي يعيش في الأردن قبل بدء الحرب، وتسير أمام محله طالبات المدرسة بزيهن المدرسي في شوارع ضيقة مرصوفة بحجارة رمادية، والرجال يغادرون المسجد بعد أن فرغوا من صلاة الظهر، ويقف البعض منهم عند محل الخضراوات للشراء والتحدث بين بعضهم.


6 نوفمبر 2018

شارع في عمان، ٢٤ تشرين الأول. تصوير: مادلين إدواردز/ سوريا على طول.

يجلس رجل خمسيني بصمت، يكسو رأسه الشيب، على كرسيّ الحلاقة داخل صالون مروان للحلاقة الرجالية، في أحد أحياء عمّان الشعبية.

المشهد خارج الصالون مألوف بالنسبة للشاب مروان، 35 عاماً من مواليد حلب، الذي يعيش في الأردن قبل بدء الحرب، وتسير أمام محله طالبات المدرسة بزيهن المدرسي في شوارع ضيقة مرصوفة بحجارة رمادية، والرجال يغادرون المسجد بعد أن فرغوا من صلاة الظهر، ويقف البعض منهم عند محل الخضراوات للشراء والتحدث بين بعضهم.

في هذه الزاوية من عمان، أصبحت اللهجة السورية لمناطق مثل الرقة وحمص وحلب شائعة على نحو متزايد مع قدوم العائلات التي فرّت من الحرب عبر الحدود إلى الشمال واستقرارها في الأحياء السكنية المتواضعة المحيطة بصالون مروان، إلا أن ذلك قد يتغير قريباً، حيث يتزايد أعداد السوريين الذين يفكرون بالعودة إلى ديارهم.

ففي الشهر الماضي، وافقت الحكومة الأردنية على إعادة فتح معبر جابر – نصيب الذي يربط الأردن بمحافظة درعا في أقصى الجنوب، بعد شهور من المحادثات مع الجانب السوري، وللمرة الأولى منذ إغلاق المعبر في عام ٢٠١٥، بدأت سيارات الأجرة والشاحنات التجارية بنقل الركاب والبضائع عبر الحدود.

وفي غضون ذلك، طالبت الحكومة السورية بعودة ملايين اللاجئين من الأردن ولبنان وأماكن أخرى إلى سوريا.

لكن إعادة فتح الحدود – المعروفة باسم معبر نصيب على الجانب السوري – تركت اللاجئين في عمان أمام خيار صعب: إما مواصلة العيش في الأردن رغم قسوة الظروف في كثير من الأحيان، أو العودة إلى بلدهم الذي مازال في حالة فوضى.

وغالباً ما تدور الأحاديث عن العودة بين مروان وزبائنه السوريين، فمعظمهم من الذين نزحوا بسبب الحرب، ويعانون من سوء الأوضاع المالية، حيث يعمل معظمهم في البناء والدهان وغيرها من المهن الشاقة، وسئموا من الأجور المنخفضة والإيجارات المرتفعة، التي تتسم بها حياة الشتات في الأردن.

لقد خسر مروان بالفعل أحد زبائنه، كما يقول، وهو رجل سوري يبلغ من العمر ٤٥ عاماً، عاد عبر حدود نصيب بعد أيام فقط من إعادة فتح المعبر الحدودي، الشهر الماضي.

ويضيف مروان “هناك عائلات أخرى عادت أيضاً، كانوا يعيشون في ظروف بالغة السوء هنا في عمان”.

صالون حلاقة مروان في عمان، تشرين الأول. تصوير: مادلين إدواردز/ سوريا على طول.

“حضن الوطن”

على بعد خطوات فقط من أحد المولات الراقية في عمان، يصطف أكثر من ٢٠٠ شخص من مختلف أنحاء سوريا خارج السفارة السورية في صباح أحد أيام الأسبوع، بُعيد إعادة فتح الحدود بإيام قليلة، ويقول عدد من الأشخاص بأنهم يقومون باستصدار الأوراق اللازمة وتصيب أوضاعهم للعودة إلى سوريا.

البعض منهم ينتظر منذ ساعات طويلة، لذا قرروا أخذ استراحة وخرجوا من طابور الانتظار متجهين إلى الحاجز الإسمنتي الذي يفصل مدخل السفارة عن الأوتوستراد ليدخنوا السجائر، وتجمع آخرون في قطعة أرض فارغة مجاورة، يشربون القهوة التي حصلوا عليها من عربة بيع القهوة.

يقول أحد الرجال “عليك أن تنتظر دورك لمدة ٥ ساعات، وفي النهاية لا تنجز أي شيء”، مشيراً إلى طاولة حيث يقوم العشرات من النساء والرجال بتعبئة نماذج ورقية.

وبالنسبة للاجئين السوريين الموجودين هنا في الأردن، فإن الخطوات الفعلية للعودة – ومعها، التنازل الفعلي عن وضع اللاجئ في المفوضية – هو أمر أشبه بالمتاهة، وقد يكون من الصعب الحصول على معلومات رسمية حول الإجراءات، وكذلك عدد الأشخاص الذين قاموا بها، على الرغم من أن صحيفة الغد الأردنية ذكرت في ١ تشرين الثاني أن حوالي ٦٠٠ إلى ٧٠٠ سيارة كانت تغادر إلى سوريا عبر نصيب يومياً منذ فتح المعبر، الشهر الماضي.

وبإمكان أولئك الذين يحملون جوازات سفر المغادرة إلى سوريا عبر نصيب. إلا أن اللاجئين الذين دخلوا الأردن بشكل غير نظامي، أو الذين فقدوا وثائقهم خلال الحرب أو النزوح، قد يضطرون إلى المرور عبر إجراءات معقدة – والانتظار الطويل – قبل تجديد وثائقهم والبدء بعملية العودة. ويشمل ذلك زيارة للسفارة السورية في عمان للحصول على وثائق سفر مؤقتة، أو الذهاب إلى مبنى وزارة الداخلية الأردنية للحصول على أذونات السفر والعودة إذا كانوا يخططون للعودة إلى الأردن في وقت لاحق.

عمان، بعد صلاة الظهر. تصوير: مادلين إدواردز.

وبالنسبة للحكومة السورية، فإن استئناف السفر والتبادل التجاري عبر نصيب يتناسب مع ما تروج له الدولة  على أنها خرجت منتصرة من حرب دامت سبع سنوات.

وفي خطاب ألقاه الشهر الماضي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، زعم وزير الخارجية السوري وليد المعلم أن الوضع في بلاده أصبح “أكثر أمناً واستقراراً”، مع سيطرة الحكومة السورية وحلفائها على غالبية مناطق سوريا.

وقال المعلم في كلمته “كل سوري نازح يمثل أولوية بالنسبة للحكومة السورية… الأبواب مفتوحة على مصراعيها لجميع السوريين في الخارج للعودة طواعية وبشكل آمن”.

من جهتها، دعت الحكومة السورية السوريين في الخارج إلى “العودة إلى حضن الوطن”، وأدخلت سلسلة من السياسات الحديثة – بما في ذلك إصدار عفو عن المتخلفين عن الجيش الموجودين حالياً في الخارج – لتحقيق هذه الغاية.

وبدأ اللاجئون السوريون في لبنان بالعودة “طواعية” منذ بداية هذا العام، ودفعهم إلى ذلك الظروف المعيشية المزرية في المنفى، فضلاً عن مناخ من الكره وسوء المعاملة لكونهم سوريين.

وشكك مراقبون، بمن فيهم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيما إذا كانت العودة من لبنان طوعية وآمنة بالفعل، فوضع اللاجئين في لبنان أمام خيارين وهما البقاء في وضع غير مستقر، أو العودة إلى بلد ما زال في حالة حرب، في الوقت نفسه، يشجّع المسؤولون اللبنانيون وحزب الله اللاجئين على العودة، علماً أن السلطات اللبنانية أعلنت الأسبوع الماضي عن مقتل ٢٠ عائداً على الأقل منذ مغادرتهم لبنان.

وتشير التقديرات إلى أن ما لا يقل عن ٢٠٠٠ سوري قد عادوا من لبنان منذ بداية هذا العام، على الرغم من أن الحكومة اللبنانية تزعم أن ما يصل إلى ٥٥ ألف لاجئ عادوا إلى سوريا كجزء من عمليات عودة فردية أو حكومية.

عمان، تشرين الأول. تصوير: عمار حمو.

وبدأ عدد غير معروف من حوالي مليون لاجئ سوري مقيم في الأردن بالعودة أيضاً منذ إعادة فتح معبر نصيب، رغم أن الإحصائيات الرسمية غير متوفرة بعد، وقبل ذلك، كان اللاجئون يعودون أحياناً على أساس فردي بينما في السنوات الأخيرة تم ترحيل عدد منهم قسراً من الأردن، وفقاً لجماعات حقوق الإنسان.

ولم يتسن لسوريا على طول التواصل مع مسؤولي المفوضية للتعليق بشأن ذلك.

“حياة جديدة”

يعمل رامي أبو محمد، مع ستة عاملين سوريين آخرين، بصنع فطائر الزعتر والجبن والبطاطا المهروسة في مخبز مزدحم في عمان.

وأثناء عملهم عندما تخفّ وتيرة العمل لبضع لحظات، يأخذ رامي البالغ من العمر ٢٩ عاما استراحة خلف المحل ويجلس على كرسي بلاستيكي حيث يخفي زميله في العمل علبة سجائر.

يقول رامي، بلهجة تفصح عن جذوره الدمشقية “هنا في المخبز، معظمنا سوريون، نتحدث معاً ونشجع بعضنا البعض على العودة إلى سوريا”.

ويضيف ضاحكا “هناك شاب أردني يعمل معنا، نسأله: متى ستزورنا في دمشق؟”

لم يقم رامي بعد بزيارة السفارة السورية – رغم أنه ينوي الحصول على وثائقه من أجل العودة عبر الحدود “عندما يأتي الوقت المناسب”، كما يقول.

وبالنسبة لرامي، فإن قرار العودة إلى دمشق هو قرار براغماتي، حيث أكمل خدمته العسكرية الإلزامية قبل عام من اندلاع الحرب، ويقول إنه ليس لديه أي أسباب تمنعه من العودة كغيره من اللاجئين.

والأهم من ذلك أن رامي وعائلته يمتلكون متجراً للحلويات بالقرب من مركز مدينة دمشق، ويقومون بتأجيره بعد فرارهم من سوريا قبل ست سنوات، ويقول رامي أنهم عندما غادروا سوريا كانت زوجته حاملاً بطفلها الأول، والحرب تتصاعد في سوريا وهو ما دفعهم للخروج.

وانتقل رامي مع عائلته، ولحق بهم أهله وأهل زوجته إلى الأردن، وقبل رامي العمل في مخابز عمان مقابل 300  دينار أردني (450 دولارا) شهرياً، في سبيل تربية أطفاله بعيداً عن القتال.

وقد يكون العمل تحت شروط كهذه أمراً كافيا بالنسبة لبعض اللاجئين، مع معدل بطالة بنسبة ١٥٪ بين الأردنيين، بزيادة قدرها ٥٪ عن عام ٢٠١٠/ كما أن المشاكل الاقتصادية في الأردن تعني أنه من الصعب التأسيس لحياة مستقرة بالنسبة للعديد من اللاجئين السوريين هنا.

لكن مع توقف القصف الآن حول دمشق منذ بداية هذا العام، يقول رامي إنه بدأ يرى “حياة جديدة” لنفسه وعائلته في سوريا – بعد انتهاء الصراع في دمشق وإعادة فتح الحدود- كونه يمتلك مخبزاً هناك قد يؤمن له دخل ثابت.

ويقول “مخبزي في دمشق مماثل للمخبز هنا، لماذا يتوجب عليّ البقاء هنا والعمل في مخبز شخص آخر؟”

“سأبدأ حياة جديدة عندما أعود إلى دمشق “

لكن بالنسبة للبعض، سوريا أصبحت ماضي

بقي أبو وسام جالساً على كرسي الحلاقة في صالون مروان، بعد أن قص شعره، وقال لسوريا على طول أنه لا يوجد منزل يعود إليه.

ووصل أبو وسام، المولود في حمص، إلى الأردن قبل ست سنوات فارّاً من حي باب الدريب القديم في مدينة حمص، حيث خسر منذ ذلك الوقت أربعة من أولاده وصهره زوج ابنته نتيجة الحرب في سوريا، وتعرض حيّه للقصف والتدمير.

اختفى آخر أبنائه داخل سوريا، وبعد عام تقريباً، تسلّم بعض معارف أبو وسام دفتر الخدمة الإلزامية الخاص بابنه – وهو وثيقة تصدرها الحكومة السورية – مع عدد قليل من أشياء تعود إليه، ويفترض أنه فقد على طريق الحافلات شمالاً إلى تركيا.

“قالوا إنه قد قتل”.

يقول الجد الذي يرعى أحفاده الأيتام “لا أريد العودة”، ثم يتحدث عن الأعداد المتزايدة للاجئين من حوله ممن يخططون للعودة قائلاً “يا حسرتي عليهم، شو رح يصير فيهم؟!”.

 

قامت سوريا على طول بتغيير جميع الأسماء الواردة في هذا التقرير لحماية المصادر.

 

ترجمة: سما محمد

شارك هذا المقال