7 دقائق قراءة

قصة سورية: جدّ لاجئ يسعى وراء حياة هادئة

محمود أحمد الحلاق، جدٌ سوري لاجئ من الغوطة الشرقية يعيش في لبنان، وكان يعمل في النجارة. يستذكر خدمته العسكرية أيام كان طاهياً للجنود الكوبيين خلال الحرب ضد إسرائيل عام 1973، والتقلبات والانعطافات التي عكرت صفو الحياة الهادئة التي يسعى في طلبها ويتعثر.


27 أبريل 2023

المرج، سهل البقاع- كان منتهى حلم محمود أحمد الحلاق حياةً بسيطة بمنأى عن السياسة، إلا أن الأحداث والاضطرابات في بلده ظلّت تلاحقه مراراً طوال سنوات حياته، التي بدأت بعد عامين من تأسيس الدولة السورية الحديثة، لتجعل منه شاهداً على تاريخها شاء أم أبى.

قلَّما يخرج محمود، 75 عاماً، وزوجته رائدة سهيل الليموني من الخيمة رقم 19، مكان إقامتهما في مخيم اللاجئين، الواقع في ضواحي قرية المرج بسهل البقاع، شرقي لبنان. يفضل الزوجان المكوث بداخلها والعيش على ذكريات الياسمين والتين وأشجار الدراق، التي تركوها في ديارهم في بلدة جسرين التابعة لناحية كفربطنا، في الغوطة الشرقية بريف دمشق، حيث “كانت أرضنا كبيرة بمساحة هذا المخيم كله”، كما قالت رائدة لـ”سوريا على طول”.

وُلد محمود في عام 1948، بعد جلاء الفرنسيين عن سوريا واستقلالها الكامل. ترعرع في الغوطة الشرقية، وقامت شقيقته الكبرى بتربيته بعد أن فقد والديه بسن مبكرة. 

لم ترق له المدرسة أبداً، ولم يتعلم القراءة والكتابة. يبدو أنَّ إحراز التقدم الاجتماعي كان محفوفاً بالمخاطر في سوريا المضطربة أيام شبابه، مستذكراً “تسمع أنَّ الضابط الفلاني أُعدِم، وأنَّ الضابط الآخر قُتِل، كنت أقول لنفسي: كان خيراً أني لم أتعلم، لا أريد أن أتعلم”، قالها بطريقةٍ أقرب للمزاح.

ابتليت سوريا بالمكائد السياسية والاضطرابات في السنوات الأولى من الاستقلال. بذل محمود قصارى جهده للنأي عنها. “أذكر فترة تولي جمال عبد الناصر رئاسة البلاد”، مشيراً إلى فترة الوحدة، التي توحدت فيها جمهورتي سوريا ومصر تحت اسم الجمهورية العربية المتحدة بين عامي 1958 و1961، وشهد الرجل السبعيني “تغيير ثلاث رؤساء في حياتي”.

يفتقر سرده في الحقيقة إلى بعض الوقائع: شهد السوريون سبعة انقلابات عسكرية خلال الفترة الممتدة من عام 1949 إلى الستينات. في عام 1970، كان انقلاب حافظ الأسد حاسماً وأوصله إلى حكم سوريا حتى وفاته عام 2000، واستلام ابنه بشار الأسد السلطة. 

ذاكرة محمود تخونه قليلاً إذا ما ارتبط الأمر بالأرقام، وهو يحصي أحفاده قال بثقة “لديّ ستة”، لتنفجر رائدة ضاحكة “أي ستة؟ حنان لديها أربعة، ولهيفاء أربعة، ولهدى ثلاثة ولصدى أربعة”، قاطعها قائلاً: “أياً كان، عندما أكلّمهم على الهاتف، تقول لهم أمهاتهم: احكوا مع جدكم، وهم يعرفون أني جدهم”.

رائدة سهيل الليموني (يساراً) ومحمود أحمد الحلاق (يميناً) في خيمتهم على أطراف قرية المرج في سهل البقاع، شرقي لبنان، 24/ 01/ 2023 (أليثيا مدينا/ سوريا على طول)

رُزق محمود بسبعة أبناء، جميعهم من زواجه السابق بامرأة توفيت بعد صراع طويل مع المرض قبل الحرب. ما يزال بعض أبنائه في سوريا، وبعضهم الآخر في تركيا وهولندا، حالهم كحال غيرهم من العائلات السورية، التي شتتها الحرب، ولم يلتقِ محمود أياً من أبنائه منذ ثماني سنوات.

الحرب والكوبيون

تتقد ذاكرة محمود عندما يستذكر “الثلاث سنوات وأحد عشر يوماً” التي أمضاها في الجيش السوري أواخر الستينيات. التحق لأداء الخدمة الإلزامية وهو في التاسعة عشر، وعُيِّن طاهياً طوال خدمته فترة خدمته. “عندما التحقت بالجيش كنت أتقاضى 5 ليراتٍ سورية شهرياً، خلال الخدمة الإلزامية، ومن ثم 250 ليرة، وهو مبلغ جيد في ذلك الوقت”، على حد قوله.

بعد هذه السنوات الثلاث، عاد إلى حياته المدنية، ولكن في عام 1973، استُدعي ثانية للانضمام إلى للخدمة الاحتياطية. في تلك السنة، شنت سوريا ومصر هجوماً مُفاجئاً على إسرائيل في محاولةٍ لاسترداد الأراضي التي استولى عليها الجيش الإسرائيلي خلال حرب الستة أيام في عام 1967، ومن ضمنها مرتفعات الجولان المُحتلة.

أصبح الصراع حرباً بالوكالة خلال الحرب الباردة، حيث ساندت الولايات المتحدة إسرائيل، في حين ساند الاتحاد السوفيتي البلدان العربية. وانتصرت إسرائيل في ثلاثة أسابيع، ووقعت النكسة التي رسمت معالم المنطقة لسنوات. 

بعيداً عن الأطر الجيوسياسية التي لا يكدر خاطره بالانشغال بها، كانت غنيمته من الحرب اللغة الإسبانية التي تعلمها خلال الصراع. كانت كوبا واحدة من الدول التي أرسلت جنودها للانضمام إلى الحرب ضد إسرائيل وصار محمود طاهياً لهم. 

لم يخف محمود انبهاره بمدى تنظيمهم، قائلاً: “كان للكوبين 100 سيارة، تركن بانتظامٍ فائق، وجميعهم يرتدون زياً واحداً”، مشيراً إلى أنهم “كانوا منظَّمين جداً”. بالإضافة إلى الطهي للجنود الكوبيين، كان يعينهم بمهماتٍ أخرى، من قبيل: “كنت أزوّدهم بمعلومات عن المنطقة: هذه المدينة تسمى كذا، وتلك القرية كذا، الخ”.

يستذكر محمود، الذي لم ينخرط يوماً في صراعٍ نشط، أن الكوبيين مكثوا في وحدته ثلاثة أشهر، تعلم خلالها بعض الكلمات الإسبانية التي ما يزال يحفظها. “كنت أشير إلى كوب الشاي وأسالهم: ماذا تسمونه في اللغة الكوبية؟، فيقولون: taza te،  تعلمت كيف أطلب منهم الأشياء (dame) [أي أعطوني] شيئاً”، قالها والابتسامة على وجهه. 

صادق جندياً كوبياً اسمه ويلفريدو، “وفي النهاية، كنا نفهم على بعضنا كثيراً، مثلاً، كان يشير إلى سجن ويقول: malos [أشرار]، ولكن في بعض الأحيان كان يتظاهر بأنَّه لم يفهم عندما لا يريد أن يجيب”، بحسب محمود، في المقابل “كان ويلفريدو يقول لي: محمود  dame cigarreta  [أعطني سيجارة]، وكنت أتظاهر أنني لم أفهم ما يقول”.

على الرغم من الشهرة العالمية التي يحظى بها التبغ الكوبي، إلا أنَّه لم يستهو محمود، لأن “سجائرهم الكوبية كانت ثقيلة جداً، كنت دائماً أختنق بها”، قال باشمئزاز.

في إحدى المرات، طلب الكوبيون من محمود الوقوف على الحاجز، وهم لا يدرون أنه لا يقرأ، وكانت مهمته عدم السماح بعبور السيارات ما لم تملك تصريحاً عسكرياً، بحسب محمود، قائلاً: “أنا لا أقرأ، وكانت الناس تريني ورقةً، فأقول لهم: الله معكم، يمكنكم المرور”، مستذكراً الحادثة وهو يكاد يبكي من شدة الضحك. حاول المسؤول معرفة من الشخص الذي سمح بعبور كل تلك السيارات، لكن محمود تجاهل الموضوع برمّته. “كان الكوبيون يحبونني كيفما كنت”.

“كانت الحياة كافية كما هي”

بعد انقضاء خدمته في الجيش، عاد محمود إلى شغفه في نحت الخشب، حرفة شرع بتعلمها مع عمه منذ أن كان في الخامسة عشر، ولم يمض وقت طويل حتى فتح منشرة خاصة في الغوطة الشرقية، صانعاً كل شيء من تصميم الأثاث إلى حفر وتطعيم الخشب الزخرفي. 

“أحببت ذلك العمل، فهو هوايتي، كنت أتفنن في شغل الخشب، وكان الناس المثقفون يأتون لمراقبتي وأنا أعمل ويتعلموا مني”، قال ومشاعر الفخر بادية عليه.

كان الزبائن يتوافدون إلى محمود من مناطق مختلفة، مثل داريا وكفرسوسة، “كانوا يقولون هناك شاب في الغوطة يعمل عملاً لا يتقن مثله أحد. أنا ذلك الشاب”، بحسب قوله. 

ورشة محمود كانت منبع السكينة له، “وكان الناس يأتون إلى ورشتي، يشربون كأساً من الشاي ويمكثون لساعة أو ساعتين”، قال مستذكراً.

ذات مرة، عرض ابن مختار منطقته عليه فرصة السفر إلى سويسرا لعرض أعماله، ولكنه لم يجد غايةً تجعله يغادر بلدته سعياً في طلبها، قائلاً: “كنت سعيداً، لم أكن أريد أكثر من ذلك أو أقل، حينها كانت الحياة كافيةً كما هي”.

من بين المقتنيات القليلة الموجودة في خيمة محمود ورائدة بمكان لجوئهم الحالي، توجد منحوتة خشبية صغيرة اشتروها في لبنان، وهي “تشبه ما كان يعمله، لكن منحوتاته كانت أفضل جودة بكثير”، قالت رائدة وهي تحمل القطعة الخشبية.

كل القطع الخشبية الفنية التي صممها محمود، تركوها وراءهم عندما فروا من الموت والحصار في سوريا عام 2014. كان التذكار الوحيد الذي حملوه معهم إلى لبنان هو ألبوم صور يضم عشرات الصور التي تحكي عن الأيام الخوالي في جسرين.

رائدة تحمل صورة محمود وهو أصغر سناً، واقفاً في حديقة منزله  ببلدة جسرين في الغوطة الشرقية. وهي من ضمن الأشياء القليلة التي حملها الزوجان معهما، في عام 2014، حينما فرا من سوريا إلى لبنان، 24/ 01/ 2023 (أليثيا مدينا/ سوريا على طول)

وهما يُقلبان ألبوم الصور، تستعيد رائدة ومحمود ذكرياتهما عن الحياة قبل الحرب، “كان أجمل شيء في الغوطة الشرقية تل الدهب، حيث الأشجار والأنهار والزهور، كنا نذهب في عطلة الأسبوع ونعدّ المشاوي مع الأصدقاء” قال محمود.

في إحدى الصور، يقف محمود، وهو بعمرٍ أصغر، في حديقة منزله بجسرين، معلقاً على الصورة: “كان لدينا العديد من الأشجار والنباتات: الخوخ، التين، الكوسا، النعناع، الياسمين، والزعتر”. أضافت رائدة “كنا نأكل من الحديقة، وعندما يزورنا أحد الجيران كنا نأكل معاً، وإذا زرناهم كنا نقطف الكزبرة والبقدونس والفاصولياء ونغادر منزلهم تاركين كيساً مليئاً بالخضروات”. 

ما تزال رائدة ومحمود على تواصل مع بعض جيرانهم الذين بقوا في جسرين، ولكنهما لا يختلطان كثيراً بأهل المخيم حيث يمكثون الآن، وبالكاد يعرفون بعض العائلات في الخيم الأخرى.

تحت الحصار

ما لبثت الحياة البسيطة الهادئة في بلدتهم، التي كانا لا يتطلعان إلى ما هو أكثر منها، أن مزقتها الحرب في عام 2011، عندما تحولت المظاهرات الشعبية ضد بشار الأسد إلى حمام دم، وتحولت الثورة إلى صراع أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 306,887 مدنياً، وفقاً للأمم المتحدة.  . 

في بداية الصراع، حاولا أن يبقيا على الحياد، خاصة أنه “لم يكن لدينا يوماً مشكلة أو قضية أمنية مع النظام”، بحسب رائدة. “لم أكترث بالمظاهرات. بعض الناس كانوا يريدون البعث [الحزب الذي يقوده الأسد]، وبعضهم يريد الحرية. كلٌ كان يطلب شيئاً. وكنت بنفسي لا أريد أن أدنو من أي طرف”، قال محمود.

غير أن الأحداث على الأرض لم تدعهم وشأنهم، إذ تحولت الغوطة الشرقية إلى ساحة معركة في الأيام الأولى من الحرب. وفي عام 2013، فرض النظام حصاراً استمر حتى عام 2018. “لم تدخل الغوطة الشرقية قطرة ماء أو كسرة خبز، إن وُجد من يستطيع منحك كأس شاي، فتلك معجزة”، كما قلت رائدة، التي انخفض وزنها من 100 إلى 60 كيلوغرام،  كما انخفض وزن زوجها 50 كيلوغراماً، لدرجة “يمكن أن تُحيط خصره بيديك الاثنتين” على حد وصفها.  

بعد أن صمدا لأربع سنوات تحت الحرب والحصار، غادر الزوجان عبر نفقٍ حفر من الغوطة الشرقية إلى منطقة برزة المجاورة، ولم يأخذا معهما سوى ألبوم الصور، كتاب الذكريات التي خلدها الزمن. في تلك السنة اتجهوا إلى لبنان، وهما يعيشان في خيمةٍ من البلاستيك والخشب منذ ذلك الحين. تحظر السلطات اللبنانية مواد البناء الدائمة في مخيمات اللاجئين السوريين.  

بعد وصولهما إلى لبنان بسنةٍ ونصف، دُمِّر منزلهما بصاروخ. ما يزال لدى محمود أمل بالعودة يوماً إلى دياره، قائلاً: “آمل أن أعود لأذهب وأرمّم منزلي”، لا يأمن الغريب في أي بلد. لبنان ليس وطني” وفقاً له.

رائدة أقل ثقة بتحقيق هذا الحلم، معتبرة أنه “لا أمل لي بالعودة. صحيحٌ أنه لا يوجد علينا قضية أمنية مع النظام، ولكن أخشى من التجويع إن عدنا. الناس اليوم في سوريا يعانون الأمرّين ليأكلوا”.

ومع ذلك “لا شيء أجمل من سوريا إلا سوريا”، بالنسبة لرائدة، أضاف محمود: “ساعة في سوريا تساوي العمر كله”. 

تم نشر هذا التقرير أصلاً في اللغة الإنجليزية وترجمته إلى العربية فاطمة عاشور

شارك هذا المقال