5 دقائق قراءة

لاجئون سوريون في أوروبا يفضلون الموت على العودة إلى مناطق سيطرة الأسد “الآمنة”

بيروت- حتى وقت قريب، عاش خالد أحمد ابراهيم، حياة مريحة مع زوجته وأطفالهما الأربعة في شبه جزيرة يوتلاند بالدنمارك. لكن اليوم صار القلق رفيق الأب، البالغ الخمسين من عمره، مع تصنيف السلطات الدنماركية محافظة دمشق التي فرّت منها العائلة العام 2014، منطقة آمنة للعودة. وقد تلقى بالفعل إخطاراً بوجود إعادة تقييم لوضعه وأسرته كلاجئين، ما يعني إمكانية عودتهم إلى سوريا.


1 نوفمبر 2020

بيروت- حتى وقت قريب، عاش خالد أحمد ابراهيم، حياة مريحة مع زوجته وأطفالهما الأربعة في شبه جزيرة يوتلاند بالدنمارك. لكن اليوم صار القلق رفيق الأب، البالغ الخمسين من عمره، مع تصنيف السلطات الدنماركية محافظة دمشق التي فرّت منها العائلة العام 2014، منطقة آمنة للعودة. وقد تلقى بالفعل إخطاراً بوجود إعادة تقييم لوضعه وأسرته كلاجئين، ما يعني إمكانية عودتهم إلى سوريا.

“أنا فزِعٌ جداً! كل ليلة أتخيل ما سيحل بي إن ألغوا إقامتي. إنه ألمٌ نفسي أشبه بانتظار الموت كل يوم”، قال خالد، القادم من حي الحجر الأسود في ريف دمشق الجنوبي، لـ”سوريا على طول”.

وكان شقيق خالد اختفى عقب اعتقاله من قبل الشبيحة التابعين للنظام السوري العام 2012، إلى أن تعرف على جثته، بعد أربع سنوات من ذلك، ضمن “صور قيصر” التي سربها مصور في الشرطة العسكرية، وتوثق موت السوريين في سجون النظام. على إثر ذلك، انضم خالد إلى رابطة عائلات قيصر، وتقدم من خلال رابطة المعتقلين والمفقودين بدعوى ضد النظام. وبعد أن شعر”بشيءٍ من الحرية” في الدنمارك، تجرأ على التعبير عن عدائه لحكم بشار الأسد من خلال وسائل التواصل الاجتماعي.

وبحسب مديرة قسم اللجوء في المجلس الدنماركي للاجئين، إيفا سينغر، تعكف دائرة الهجرة الدنماركية على مراجعة 3,600 حالة للاجئين سوريين لتحديد المحافظة التي أتوا منها، متوقعة انتهاء العملية بنهاية 2020. وبشكل دوري، تتم إعادة تقييم وضع كل لاجئ. إلا أنه في حزيران/ يونيو الماضي قررت الحكومة الدنماركية “التعجيل” بمعاملات السوريين الذين “تم منحهم اللجوء تبعاً للعنف السائد بمحافظة دمشق عموماً ولا يواجهون خطر الملاحقة الأمنية بشكل فردي”، كما أوضح المسؤول الإعلامي في دائرة الهجرة الدنماركية، نيلس باك أندرسون.

وترى السلطات الدنماركية أن “الوضع الأمني في دمشق وريفها قد تحسن بشكل كبير”، وفق ما ذكرت سينغر لـ”سوريا على طول”. ونتيجة لذلك “تم نزع صفة اللجوء عن العديد من الحالات، ولم يعد هناك تجديد لتصاريح إقامة السوريين القادمين من دمشق خلال السنوات الماضية”. مضيفةً أن “مناطق أخرى غير دمشق قد تضاف في المستقبل القريب”.

“ويقع على كاهل اللاجئ عبء إثبات وجود خشية ملاحقته أمنياً عقب عودته. فإن لم يترتب على ذلك إجراءات قانونية، ولم تر [السلطات الدنماركية] أن الدليل المقدم كاف، يصبح طالب اللجوء واقعاً في نطاق الترحيل”، وفق ما قالت لـ”سوريا على طول” ناديا هاردمان، الباحثة في قسم حقوق اللاجئين والمهاجرين في منظمة “هيومن رايتس ووتش”.

وقد حاول خالد تغيير وضعه القانوني من لاجئ إنساني إلى لاجئ سياسي، استناداً إلى معارضته السياسية العلنية للنظام السوري، لكن السلطات الدنماركية رفضت التماسه. وبينما هو بانتظار البت في وضعه القانوني كلاجئ، تستحوذ عليه هواجس العودة. معبراً عن ذلك بالقول: “أخشى من القتل، من الاغتصاب، من اعتقال عائلتي؛ هذا النظام مجرم”.

وكانت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين دعت “الدول التي استقبلت لاجئين سوريين، بما فيها الدنمارك، إلى مواصلة حمايتهم”.

وعرضت السلطات الدنماركية على خالد مبلغاً من المال في إطار برنامج العودة الطوعية. وهو ما علق عليه بالقول: “هم لا يعون أنه لا نفع حتى من أن يقدموا آلاف الكرونات [الدنماركية] أو الدولارات، فالخوف من الموت ليس كالخوف من الفقر”. مضيفاً القول: “إن خيروني بين الموت والعودة إلى سوريا، فسأختار الموت”.

وفي حال قررت السلطات الدنماركية عودة لاجئ ما لكنه رفض ذلك، فإنه يُرسل إلى “مراكز مغادرة مفتوحة”، حيث يقبع أولئك من يمكن وصفهم بـ”المنسيين” الذين لا يمكن ترحيلهم ويضطرون إلى الابتعاد و التواري إلى أجل غير مسمى إلى أن يغيروا رأيهم. وحتى الآن، لم يتم نقل أي سوري إلى أحد هذه المراكز، على حد علم سينغر.

عودة (غير) آمنة

في العام 2019، أعلنت السلطات السويدية إلغاء منح الإقامة بناءً على “الخطر العام” الذي يتعرض له السوريون القادمون من مناطق قيّمت السلطات السويدية أن وضعها الأمني قد تحسن، وهي محافظات دمشق وريفها ودرعا والسويداء والقنيطرة والحسكة واللاذقية. منذ ذلك التاريخ، يتم النظر في طلبات اللجوء تبعاً لظروف كل لاجئ بشكل فردي.

ولفتت هاردمان إلى أن نهج الدنمارك والسويد القائم على اعتبار وجود أجزاء من سوريا آمنة للعودة يبعث بـ”رسالة إلى العالم -لاسيما البلدان التي تستضيف العدد الأكبر من اللاجئين السوريين، مثل تركيا ولبنان- بأن الوقت آن للعودة، وأن سوريا باتت آمنة مستقرة”. 

وهو ما أكدت عليه ماري فروستير، الباحثة في حقوق اللاجئين والمهاجرين في منظمة العفو الدولية. إذ إن القول بانحسار العنف في سوريا، كما قالت لـ”سوريا على طول”، “سيحثّ الدول المضيفة على دفع اللاجئين للعودة أو تقييد سياسة اللجوء إليها”.

وبشكل عام، تراجعت المعارك الكبيرة منذ العام 2018، بعد أن بات النظام السوري يسيطر على ثلثي البلد. وبحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، شهد العام 2019 عودة 1.25 مليون نازح وأكثر من 56,000 لاجئ إلى ديارهم. مع ذلك، فإن القول بـ”العودة الآمنة” يعتريه الكثير من الشك.

إذ بين كانون الثاني/يناير 2019 وتشرين الأول/أكتوبر 2020، اعتقل النظام السوري 237 من اللاجئين الذي عادوا إلى سوريا، ما يزال 198 منهم رهن الاعتقال، فيما أصبح 176 شخصاً في عداد المختفين قسرياً، كما تم تعذيب خمسة منهم حتى الموت في مراكز الاعتقال، بحسب ما قال فضل عبد الغني، مؤسس ومدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، لـ”سوريا على طول”.

أغلب أولئك الذين اعتقلوا عقب رجوعهم إلى سوريا كانوا عائدين من لبنان، البلد الذي لفتت منظمات حقوق الإنسان إلى قيامه، إضافة إلى تركيا والأردن، بترحيل لاجئين سوريين قسراً. 

وفي تموز/ يوليو الماضي، عبّرت 46 من منظمات المجتمع المدني عن قلقها من ورقة مسربة أعدتها وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية، “لتحفيز عودة” اللاجئين السوريين. لكن لا يبدو أن السياسة التي تضمنتها الورقة في طريقها إلى التنفيذ، نظراً للاضطراب السياسي الذي يشهده البلد حالياً. وبالنسبة لهاردمان فإن “إعادة طرح بربوغاندا العودة وجعل اللاجئين كبش الفداء” يدعو للقلق في خضم “الأزمة الاقتصادية والانهيار العام للحكومة اللبنانية”.

أيضاً،  وثقت منظمة العفو الدولية عمليات ترحيل غير قانونية من تركيا منذ العام 2014، آخرها في أيار/ مايو الماضي، عندما أجبرت السلطات التركية ستة سوريين على التوقيع على وثائق العودة الطوعية قبل إعادتهم إلى شمال سوريا. وفي أيلول/ سبتمبر، أدانت منظمة العفو الدولية إقدام السلطات الأردنية على نقل لاجئين سوريين إلى المنطقة الفاصلة بين الأردن وسوريا.

وتشهد منطقة البحر الأبيض المتوسط كذلك حالات رفض استقبال لطالبي لجوء. إذ أعادت قبرص، على سبيل المثال، قارباً على متنه 200 شخص، من ضمنهم سوريون، قادمين من لبنان، ومنعتهم من التقدم بطلب لجوء، بحسب هيومن رايتس ووتش، بما يناقض مبدأ عدم الإعادة القسرية. وفيما رأت هاردمان، تعليقاً على دور الاتحاد الأوروبي بشأن هذه الممارسات، أن “التصريحات المعبرة عن القلق هي أمر مُرحبٌ بها”، أكدت أن “ما نحتاجه هو المساءلة، ولم نر أي تحقيق في ذلك”. 

ولطالما كانت موسكو، الحليف الرئيس لدمشق، أحد أبرز الداعين إلى عودة اللاجئين، في مسعى لفرض تطبيع العلاقات مع النظام  السوري. وقد أطلقت مبادرة، في العام 2018، لتحفيز عودة اللاجئين السوريين في لبنان والأردن وتركيا. كما دعت إلى عقد مؤتمر في دمشق، هذا الشهر، لمناقشة “عودة اللاجئين السوريين”. لكن العودة إلى “الوطن” أصبحت بالنسبة لكثيرين، من بينهم خالد، كابوساً لا يريدونه في ظل الظروف الراهنة.

 

نُشر هذا التقرير أصلاً باللغة الإنجليزية، وترجمته إلى العربية فاطمة عاشور.

شارك هذا المقال