11 دقائق قراءة

آلاف العلويين يفرون إلى لبنان والسكان المحليون يتصدرون الاستجابة

فرّ آلاف العلويين إلى لبنان في أعقاب عمليات القتل على أساس طائفي، التي وقعت في الساحل السوري، وسط مخاوف من امتداد أعمال العنف إلى البلد المضيف


17 مارس 2025

المسعودية- كانت سارة (اسم مستعار) ترتدي سترة ملونة بألوان قوس قزح، والوحل يغطي حذائها المطاطي الأزرق، وتحمل بيديها حقيبتين فيهما ملابس أطفال، يوم الأربعاء، عندما كانت تسير على الطريق من “النهر الكبير” الذي يرسم حدود لبنان الشمالية مع سوريا.

كانت  سارة، 24 عاماً، قد عادت للتو من منزلها في مدينة بانياس، التابعة لمحافظة طرطوس على الساحل السوري، بعد أن فرّت إلى لبنان في الثامن من آذار/ مارس، لكنها عادت لتحضر الملابس لبناتها الخمس الصغيرات، اللواتي يقمن في مركز إيواء مؤقت بقرية المسعودية اللبنانية الحدودية.

وقالت سارة لـ”سوريا على طول”، شريطة عدم الكشف عن هويتها، “سافرت [أثناء الهجمات والقتل] من أجل جلب الملابس لأطفالنا”.

في السابع من آذار/ مارس الحالي، اندلعت أعمال العنف في بانياس، بعد يوم واحد من استهداف دورية محلية للأمن العام السوري في قرية بالقرب من مدينة جبلة في محافظة اللاذقية، بكمين على يد فلول النظام السوري، ما أسفر عن مقتل 13 شخصاً على الأقل حينها. وسرعان ما انتشرت المواجهات المسلحة في جميع أنحاء المحافظات الساحلية السورية، حيث سيطر المقاتلون الموالون للأسد لفترة وجيزة على بعض مراكز المدن.

ومع وصول تعزيزات إلى الساحل، وهي خليط من قوات الأمن الرسمية والفصائل التي اندمجت مؤخراً ضمن وزارة الدفاع ومجموعات مسلحة غير تابعة لها، وقعت عمليات قتل على أساس طائفي في عدة قرى ومدن، العديد منهم من الطائفة العلوية، التي تنتمي إليها عائلة بشار الأسد.

في الثامن من آذار/ مارس، سارعت سارة وزوجها، وهما من الطائفة العلوية، إلى جمع ما استطاعا حمله وهربا مع بناتهما إلى لبنان المجاور. 

ويقدر عدد الأشخاص الذين فروا من سوريا إلى لبنان منذ السادس من الشهر الحالي بحوالي 8,898 شخصاً، كما قالت ليزا أبو خالد، المتحدثة باسم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان، لـ”سوريا على طول”، في 13 آذار/ مارس. 

وأشارت أبو خالد إلى أن معظم القادمين من سوريا وصلوا إلى 17 قرية في محافظة عكار شمال لبنان، حيث تستضيف قريتا المسعودية وتل البيرة الحدوديّتان الصغيرتان العلويتان أكبر عدد منهم، إذ وصل عددهم إلى 2,331 و1,557 شخصاً على التوالي. 

وأضافت: “تصل العائلات، بما في ذلك التي تعيلها نساء، ترافقها آثار الصدمة النفسية بسبب النزاع المسلح والفرار، إذ يصل معظمهم سيراً على الأقدام، في رحلة [شاقة] يعبرون خلالها الحدود والنهر ليلاً عبر طرق غير آمنة”.

وقد وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وهي مرصد مستقل لحقوق الإنسان، مقتل نحو 1084 شخصاً خارج نطاق القضاء في اللاذقية وطرطوس وحماة وحمص في الفترة بين 6 و17 آذار/ مارس الحالي، مشيرة إلى أن القوات التابعة لدمشق مسؤولة عن قتل ما لا يقل عن 639 مدنياً و”أفراداً من بقايا نظام الأسد منزوعي السلاح”، بينما قتل الموالون للأسد 213 شخصاً من عناصر قوات الأمن العام و231 مدنياً.

القتل على أساس طائفي

قالت سارة بصوت مرتجف: “وقعت هناك مجزرة فاضطررنا للفرار”، مضيفة: “فقط لأنك علوي، سيأتون لذبحك أنت وأطفالك وزوجتك وكل من له صلة قرابة بك”. 

واستشهدت سارة بما حدث مع جارتها، في السابع من الشهر الحالي، عندما كانت تجلس مع أطفالها الستة في منزلهم حول المدفأة، اقتحم مسلحون المنزل وقتلوهم جميعاً، متسائلة: “هل هؤلاء الأطفال من فلول النظام؟ وهل هم مذنبون؟ هل نحن مذنبون لأننا علويون؟ ماذا فعلنا؟”.

في اليوم التالي لمقتل جيرانها، رأت سارة وزوجها أن البقاء لم يعد ممكناً، إذ “كان كل شيء من حولنا يتداعى”، والمسلحون يجوبون بانياس “ويقتلون الناس”، وكانوا “يتجولون بسياراتهم ويصرخون: الله أكبر، جئنا إليكم أيها العلويون”، على حد قولها.

وأكد ناشط في مجال السلام في طرطوس، يعمل مع “مركز كرما للدفاع عن حقوق الإنسان“، أعمال العنف التي اندلعت في بانياس في السابع من آذار/ مارس، وما رافقها من تجاوزات على يد المسلحين في جميع أنحاء المدينة. 

لم يتمكن الناشط من تأكيد مقتل جارة سارة وأطفالها الستة، ولكنه أكد وقوع حوادث أخرى مماثلة، مؤكداً أن الضحايا لم يكن لهم علاقة بجيش النظام السابق أو أجهزته الأمنية، سواء في الماضي أو وقت مقتلهم، في إشارة إلى أنهم لا يندرجون تحت وصف “فلول النظام”.

أقرت الحكومة السورية بوقوع انتهاكات خلال عملياتها على الساحل ووعدت بالمحاسبة، وأعلنت مديرية الأمن العام عن اعتقال عدد من الأفراد، الأسبوع الماضي، بتهمة ارتكاب ”أعمال غير قانونية ودموية“ ضد المدنيين في الساحل. 

وبالتوازي مع ذلك، بدأت لجنة مستقلة لتقصي الحقائق، تم تشكيلها للنظر في أحداث الساحل، عملها الأسبوع الماضي، وقد أكد المتحدث باسمها، د.ياسر فرحان، على “الحيادية والموضوعية”، كما جاء في تصريحه خلال مؤتمر صحفي عقد في دمشق الثلاثاء الماضي.

قبل أن تغادر على متن دراجة نارية كانت تنتظرها، قالت سارة وعيناها تذرف دمعاً: “لم يعد هناك مستقبل. أطفالي لا يستطيعون الذهاب إلى المدرسة، ونحن نعيش في غرفة مليئة بالركام”، ورغم ذلك “نحاول أن نبقى أقوياء”.

سوريون فارّون من العنف أثناء عبورهم إلى شمال لبنان، 12/ 03/ 2025، (هانا ديفيس/ سوريا على طول)

سوريون فارّون من العنف أثناء عبورهم إلى شمال لبنان، 12/ 03/ 2025، (هانا ديفيس/ سوريا على طول)

الآلاف يعبرون إلى لبنان 

في حوالي الساعة 9:30 صباحاً، من  يوم 12 آذار/ مارس، بدأ الرجال والنساء والأطفال بالاصطفاف على الجانب السوري من نهر “النهر الكبير” بالقرب من قرية تل البيرة، استعداداً للعبور إلى لبنان. على مدار الساعة التالية، خلع العشرات من الأشخاص أحذيتهم وخاضوا في المياه الضحلة -من بينهم أطفال ومسنّون ومُعاقون- وكانوا يحملون حقائبهم فوق رؤوسهم، أو خلف ظهورهم، ممسكين بأحبائهم إلى جانبهم. 

وقف عدد من الرجال السوريين بجانب النهر يرشدون الناس للعبور، مثل سامر حسن، 40 عاماً، الذي قال لـ”سوريا على طول”: ”نحن هنا للمساعدة في حمل حقائبهم [الفارين] وأطفالهم”، مشيراً إلى أنه غادر قريته في سوريا، الحدودية مع لبنان، للمساعدة ويتواجد عند النهر منذ ستة أيام.

قدّر حسن عدد الفارين إلى لبنان بحوالي 10 آلاف شخص، من بينهم ألفي شخص عبروا في اليوم الذي سبق زيارة “سوريا على طول” للمكان، مشيراً إلى أن معظمهم كانوا من النساء والأطفال وكبار السن، الذين توجهوا إلى القرى العلوية الحدودية القريبة. 

كان العديد منهم يفرون من الساحل السوري -حيث كان العنف على أشدّه- لكن جاء آخرون من محافظتي حماة وحمص. 

في ذلك الصباح، وصلت امرأتان ترتديان حجابين أزرق ووردي ملفوفين بإحكام إلى ضفة النهر من الجانب اللبناني.

قالت غفران، 25 عاماً، التي طلبت من “سوريا على طول” ذكر اسمها الأول فقط، أنهما قادمتان من قرية خربة التين في ريف حمص الغربي، وكلاهما من الطائفة العلوية، ولا ترتديان الحجاب عادة، لكنهما اضطرا إلى ذلك للتنكّر وعدم لفت الانتباه في الطريق.

وقالت: “لا يوجد سلام على الإطلاق، لا أحد يستطيع الخروج من منزله بأمان”، مؤكدة “حدوث عمليات قتل وخطف ضد الطائفة العلوية [في حمص]”، ورغم أنها “ليست كما حدث في الساحل، إلا أنه ما يزال لدينا الكثير من الخوف”.

في 12 شباط/ فبراير، أفادت مجموعة السلم الأهلي في سوريا، وهي منظمة مجتمع مدني توثق الجرائم، أن عمليات الخطف -التي استهدف العديد منها العلويين- قد تصاعدت في حمص منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر. في ذلك الوقت، كانت المجموعة قد وثقت اختطاف واختفاء 64 شخصاً في مدينة حمص، أعدم 19 منهم.

وكذلك، تم الإبلاغ عن عمليات قتل في ريف حمص. ففي قرية فحل، غرب حمص، أقدمت القوات المسلحة، التي دخلت القرية لتفتيش المنازل بحثاً عن فلول النظام، على اعتقال عدداً من أبناء القرية وقتلت منهم 15 رجلاً، بحسب تقرير لصحيفة “ذا ناشيونال” في أوائل شباط/ فبراير.

وقالت غفران: “نخشى أن يصل ما يحدث في الساحل إلى حمص”.

“جميعهم أقربائي” 

يأتي الجزء الأكبر من الدعم للنازحين من العائلة والأصدقاء وأفراد الطائفة العلوية في لبنان، بحسب سليمان إسماعيل، 51 عاماً، وهو علوي لبناني من قرية المسعودية، قائلاً وهو يقف بجانب النهر: “جميعهم أقربائي“، وأضاف: “أنا أساعد الناس الذين فروا. أصطحبهم إلى المأوى وأوفر لهم الحاجات الأساسية مثل الفراش والبطانيات وخاصة للنساء”. 

سليمان إسماعيل، 51 عاماً، ينتظر على الجانب اللبناني من نهر "النهر الكبير" لمساعدة السوريين العابرين إلى لبنان، 12/ 03/ 2025، (هانا ديفيس/ سوريا على طول) 

سليمان إسماعيل، 51 عاماً، ينتظر على الجانب اللبناني من نهر “النهر الكبير” لمساعدة السوريين العابرين إلى لبنان، 12/ 03/ 2025، (هانا ديفيس/ سوريا على طول)

كانت المسعودية تعج بالحركة عندما زارتها “سوريا على طول”، حيث تشتري العائلات من المحلات الصغيرة، والأطفال يلعبون شوارعها، بينما يتجمع الأصدقاء على الشرفات وعتباتِ المنازل والأرصفة، يشربون القهوة ويدخنون السجائر.

وقالت أبو خالد من مفوضية شؤون اللاجئين أن السلطات المحلية في المسعودية افتتحت مركزي إيواء كبيرين، يستضيفان حوالي 1500 شخص. وأضافت أن الشركاء في المجال الإنساني، بما في ذلك المنظمة الدولية للهجرة والصليب الأحمر اللبناني ومنظمة أطباء بلا حدود ووكالات الأمم المتحدة، ينسقون لتوفير الفراش ومستلزمات النظافة والوجبات الجاهزة للأكل والرعاية الطبية.

الدعم من الوكالات الإنسانية “ليس كبيراً”، بحسب اسماعيل، قائلاً: “المساعدة من الناس فقط ولم تأتِ من الأمم المتحدة”، وليس لديه توقعات عالية لتقديم المساعدات من الحكومة اللبنانية.

وقال اسماعيل: “لم تحصل الطائفة العلوية على تمثيل مناسب [في الحكومة اللبنانية”، وكذلك “تم تهميشنا في المناقشات الحكومية“، لافتاً إلى أن “الطائفة العلوية كان له صوت وتمثيل في الدولة عندما كان حزب الله نشطاً”، أما بعد مقتل زعيمه حسن نصر الله، تم “إسكات” الطائفتين العلوية والشيعية.

لم يكن الجيش اللبناني موجوداً عند المعبر الحدودي عندما زارته “سوريا على طول”، في 12 من هذا الشهر. قال إسماعيل: “هناك بعض التسامح” من الجيش في الوقت الحالي، مشيراً إلى أنهم “يغضون الطرف لأنهم يعلمون أن الناس يتعرضون للكثير من الضغط”، ومع ذلك لم يكن متأكداً حتى متى يستمر تسامحهم.

“الأعداد تتزايد كل ساعة”

في مكتبه بجبل محسن، وهو حي ذو أغلبية علوية في مدينة طرابلس الساحلية شمال لبنان، تحدث الشيخ أحمد عاصي، وهو مدير مكتب رئيس المجلس الإسلامي العلوي في لبنان الشيخ علي خضر، عبر الهاتف إلى ضابط في الجيش اللبناني. 

في 12 آذار/ مارس، عندما زارته “سوريا على طول”، كان يتفاوض على إطلاق سراح مجموعة من السوريين الذين عبروا مؤخراً إلى لبنان، كان من المقرر ترحيلهم. وقال عاصي أنهم أوقفوا عند نقطة تفتيش دير عمار، على طريق طرابلس، حيث يتم احتجاز السوريين في كثير من الأحيان.

وأضاف عاصي: “في الوقت الحالي، لا يتعاون الجيش اللبناني معنا“، لافتاً إلى أنه “سوف يعيدوهم إلى  سوريا إذا لم نتحدث مع [الضباط] عبر الهاتف”، واعتبر أنه “يجب أن يكون هناك توجه عام عند الجيش اللبناني بالسماح لهؤلاء الأفراد بدخول لبنان”.

كان عاصي يجري مئات الاتصالات يومياً مع ضباط الجيش اللبناني لمنع ترحيل السوريين الذين وصلوا مؤخراً، قائلاً: “عندما يسمحون بعودتهم  إلى سوريا [يعني أنهم] يعودون إلى الموت“. 

تواصلت “سوريا على طول” مع متحدث باسم الجيش اللبناني، يوم الجمعة، لكنها لم تتلق أي رد حتى وقت نشر هذا التقرير. في أواخر كانون الأول/ ديسمبر الماضي، سلّم لبنان نحو 70 جندياً وضابطاً سورياً للإدارة السورية الجديدة، كانوا دخلوا الأراضي اللبنانية بعد الإطاحة بالأسد.

وترددت مزاعم عن تنقل شخصيات محسوبة على نظام الأسد المخلوع ذهاباً وإياباً عبر الحدود الشمالية اللبنانية مع سوريا، التي يسهل اختراقها، وهو ما لم يتسن لـ”سوريا على طول” التأكد منه بشكل مستقل.

وقد أشار تقرير لتلفزيون سوريا، اعتمد على المصادر المفتوحة، إلى أن مقداد فتيحة، وهو قائد سابق في الحرس الجمهوري وشخصية بارزة في التمرد الموالي للأسد، نشر مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي من كلا جانبي الحدود في الأيام الأخيرة.

الشيخ أحمد عاصي في مكتبه بجبل محسن، أحد الأحياء العلوية في مدينة طرابلس اللبنانية، 12/ 03/ 2025، (هانا ديفيس/ سوريا على طول)

الشيخ أحمد عاصي في مكتبه بجبل محسن، أحد الأحياء العلوية في مدينة طرابلس اللبنانية، 12/ 03/ 2025، (هانا ديفيس/ سوريا على طول)

يعد حي جبل محسن موطناً لغالبية العلويين في لبنان، البالغ عددهم نحو 150 ألف نسمة، بحسب عاصي، كما أن هناك بعض العلويين اللبنانيين يعيشون في في القرى على طول الحدود بمحافظة عكار، بينما ينتشر خُمسهم “في جميع أنحاء لبنان”.

على مكتب عاصي، توجد رُزمة سميكة تضم أسماء العائلات العلوية التي فرت مؤخراً إلى لبنان، وتقيم حالياً في جبل محسن. قال: “هناك عدد كبير من العلويين [الذين فروا] إلى هنا”، مشيراً إلى أنهم أحصوا حتى الآن حوالي خمسة آلاف شخص من 1500 عائلة يعيشون في جبل محسن وحده، بينما أحصوا 400 عائلة تقيم في عكار. 

“الأعداد تتزايد كل ساعة وليس يومياً”، بحسب عاصي، ولأن المنازل لم تعد كافية لاستيعابهم في الحي الصغير، بدأ في إيجاد محلات تجارية لإيوائهم.

امتداد العنف الطائفي؟

تم تسليط الضوء على جبل محسن كنقطة اشتعال محتملة يمكن أن يمتد إليها العنف الطائفي من سوريا، إذ شهدت السنوات الماضية اندلاع اشتباكات دامية بين جبل محسن ذي الغالبية العلوية وحي باب التبانة المجاور ذي الغالبية السنية، ولا تزال آثار الرصاص بادية على جدران المباني نتيجة المعارك المتكررة.

أدى اندلاع الثورة في سوريا عام 2011 إلى اشتعال التوترات بين الحيين من جديد، ما أدى إلى تأليب سكان جبل محسن المؤيدين لبشار الأسد إلى حد كبير ضد سكان باب التبانة الذين لم يؤيدوا بشار الأسد. 

وقال عاصي إن الأحداث كانت “متأثرة بعوامل سياسية أكثر منها طائفية”، مقدراً عدد جولات الاشتباكات العنيفة بين جبل محسن والمناطق المجاورة بنحو 20 جولة. ومع ذلك، كانت موجات العنف بين الأحياء نادرة في السنوات الأخيرة. 

أعرب النائب اللبناني السابق فارس سعيد لقناة ”الحرة“ التلفزيونية الناطقة بالعربية، الأسبوع الماضي، عن مخاوفه من أن يؤدي وصول العلويين السوريين لطرابلس إلى تجدد “الاقتتال الطائفي”، مشيراً إلى أن اجتماعاً سيعقد يوم الجمعة للاتفاق على ”إعلان طرابلس“ بمشاركة شخصيات سنية وشيعية ومسيحية ”للتأكيد على الحفاظ على السلم الأهلي والعيش المشترك بين جميع الطوائف اللبنانية“.

في ليلة السابع من آذار/ مارس، ومع اندلاع أعمال العنف الطائفي في سوريا، خرج المتظاهرون الغاضبون إلى الشوارع في طرابلس بعد ورود أنباء على وسائل التواصل الاجتماعي عن تعرض قاصر سوري من إدلب للطعن في لبنان، ووجهت أصابع الاتهام إلى شاب من جبل محسن. 

تطورت الأمور إلى إطلاق نار، وانتشرت وحدات الجيش اللبناني بكثافة بين الحيين. وافق المجلس الإسلامي العلوي على تسليم الرجل المتهم إلى القوى الأمنية، وقد هدأت الأوضاع منذ ذلك الحين، بحسب ما نقلت صحيفة الشرق الأوسط عن الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية. 

وفي مساء التاسع من آذار/ مارس، أضرم “موالون لحزب الله” النار في مخيم للاجئين السوريين في منطقة العاقبية بقضاء صيدا، جنوب لبنان، كما نُشر على وسائل التواصل الاجتماعي. وقال حسن القطب، وهو محلل سياسي مقيم في صيدا، لـ”سوريا على طول”، أنه تحدث إلى أحد السوريين الشهود، الذي أكد بدوره تفاصيل المنشور. وقال إن أنصار حزب الله جاؤوا واتهموا سكان المخيم بحيازة أسلحة، وفتشوا هواتفهم ومنازلهم ثم شرعوا في إحراق ست أو سبع خيام. 

يقطن المخيم سوريون من الطائفة السنية، بحسب قطب، مشيراً إلى أن ما حدث كان “ردة فعل” على العنف الطائفي في الساحل السوري، الذي أجّجته منشورات مشحونة على وسائل التواصل الاجتماعي، التي تثير الكراهية ضد ”الإسلاميين“ في سوريا. 

ومع ذلك، لم يكن الشيخ عاصي قلقاً من اندلاع اشتباكات طائفية، قائلاً: ”نحن لا نخشى الصراع لأن المجتمع الدولي قوي، والجيش موجود، وفيما يتعلق بالسلم الأهلي فإن مسألة الثقة المجتمعية والتوترات الطائفية تتم معالجتها“، وأضاف: ”أما بالنسبة لجيراننا أهل السنة فنحن لا نخاف منهم ونحتمي بهم“.

مدرسة مهجورة في قرية المسعودية الحدودية، شمال لبنان، تم تحويلها إلى مأوى مؤقت لاستقبال الفارّين من سوريا، 12/ 03/ 2025، (هانا ديفيس/ سوريا على طول) 

مدرسة مهجورة في قرية المسعودية الحدودية، شمال لبنان، تم تحويلها إلى مأوى مؤقت لاستقبال الفارّين من سوريا، 12/ 03/ 2025، (هانا ديفيس/ سوريا على طول)

“نحن ممتنون حقاً”

بالعودة إلى قرية المسعودية، ساعدت سارة والدة زوجها في إعداد الكوسا المحشي بعد ساعات من عبورها النهر. يتقاسم ثلاثة عشر فرداً من عائلتها غرفة صغيرة من الطوب في مدرسة مهجورة مكتظة بالفرش والحقائب الملونة. 

طبق الكوسا الذي تم إعداده تبرع به مزارع محلي في القرية، بحسب سارة، التي قالت: “أنا ممتنة حقاً لكل ما تلقيناه. لا أستطيع أن أشكر الجميع بما فيه الكفاية على الطعام والشراب والرعاية الطبية” وأضافت: “نحن ممتنون حقاً لدعم العائلات”.

ساعد سمير حسين، الذي فرّ من قرية أرزة في حماة، في تحويل المدرسة إلى مركز إيواء لأكثر من 260 نازحاً. وقال حسين أنه تلقى بعض الدعم من المنظمات الإنسانية، بما في ذلك 160 فرشة ووسادة من الهلال الأحمر، لكن معظم الدعم جاء من المجتمع المحلي. 

بدرية حسن عايش، والدة زوج سارة، تحفر الكوسا في الملجأ المؤقت الذي الذي تقيم فيه العائلة بقرية المسعودية شمال لبنان، 12/ 03/ 2025، (هانا ديفيس/ سوريا على طول) 

بدرية حسن عايش، والدة زوج سارة، تحفر الكوسا في الملجأ المؤقت الذي الذي تقيم فيه العائلة بقرية المسعودية شمال لبنان، 12/ 03/ 2025، (هانا ديفيس/ سوريا على طول)

بينما كانت والدة زوج سارة، بدرية حسن عايش، البالغة من العمر 60 عاماً، تحفر الكوسا، قالت لـ”سوريا على طول”: “سواء كنت بدوياً أو علوياً أو حلبياً، كان مرحبٌ بك بمنزلنا” في بانياس، مؤكدة أنه “لم يكن لدينا هذا التفريق بين بعضنا”.

ألقت عايش باللوم على الرئيس السوري الجديد، أحمد الشرع، في اندلاع العنف الطائفي، قائلة وهي تحرك يدها بحماس أثناء الحديث: “منذ اليوم الأول وهم يطلبون أسلحتنا ويقتلوننا، لقد قتلوا الشيوخ والأطفال لأننا علويون”.

شارك هذا المقال