من النزوح إلى العطش: كيف غيرت أزمة المياه نمط الحياة في ريف إدلب الجنوبي؟
فرضت أزمة المياه نمطاً جديداً من الحياة على أهالي ريف إدلب الجنوبي، العائدين إلى قراهم، يقوم على تقنين الاستهلاك وتحمل أعباء شراء المياه بتكاليف مرتفعة
9 يوليو 2025
إدلب- يومياً، تتجول صهاريج المياه في مدن وقرى ريف إدلب الجنوبي بشكل لافت للعيان، في مشهد لم يكن مألوفاً، ناهيك عن أنه يشير إلى أزمة مياه حادة تعاني منها المنطقة، بعد عودة آلاف النازحين إليها منذ سقوط نظام الأسد، في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024.
عادت بسمة أم أحمد، المعيلة الوحيدة لعائلة مكونة من خمسة أفراد، إلى بلدة كفرعويد في ريف إدلب الجنوبي، مطلع حزيران/ يونيو الماضي، لتنهي سنوات من النزوح في ريف المحافظة الشمالي، لكن معاناتها ما زالت مستمرة.
تشكل المياه “التحدي الأكبر” بالنسبة لأم أحمد، إذ تحتاج عائلتها 20 برميلاً من المياه كل عشرة أيام، بكلفة 600 ليرة تركية (15 دولاراً تقريباً)، وهو مبلغ كبير على السيدة التي توفي زوجها عام 2021، وتعتمد في تأمين احتياجاتها على “خمسة دونمات مزروعة بأشجار التين، وتبلغ قيمة إنتاجها السنوي 1500 دولاراً، بحسب كمية الإنتاج وسعر السوق”، كما قالت السيدة لـ”سوريا على طول”.
عائلة أم أحمد واحدة من أصل 1350 عائلة عادت إلى كفرعويد بعد سقوط الأسد، ولا يوجد في البلدة سوى بئر واحدة تنتج 25 صهريج يومياً، وهو رقم لا يسد احتياجات إلا 50 بالمئة من السكان، كما قال فرج مغلاج، رئيس المجلس المحلي لـ”سوريا على طول”.
نزحت أم أحمد إلى مخيم أم الشهداء في تجمع مخيمات أطمة، بريف إدلب الشمالي، عام 2019، وهناك سكنت في غرفتين مسقوفتين، وكانت المياه مؤمنة مجاناً بمعدل خزان سعة خمسة براميل كل 48 ساعة، وحتى في فترات انقطاع الدعم عن المخيم كانت تكلفة تعبئة الخزان 50 ليرة (1.25 دولاراً)، وفقاً لها.
بعد عودتها إلى منزلها في كفرعويد، الذي تبلغ مساحته 250 متراً، اضطرت إلى ترشيد استهلاك المياه، وتستخدم حالياً إناءً (إبريقاً) عوضاً عن صنابير المياه، حتى تستطيع تقدير كمية المياه التي يجب أن تصرفها. وكذلك، لم تزرع الورود والنباتات في فناء منزلها وبجواره، كما كانت تفعل قبل النزوح، لأنها “تحتاج إلى سقاية وصرف زائد”.
بدأت أزمة المياه في ريف إدلب الجنوبي منذ السنوات الأولى للثورة السورية، عندما تعرضت العديد من محطات المياه الحكومية والآبار الخاصة للقصف، لا سيما مشروع خط اللج بريف إدلب الجنوبي، الذي خرج عن الخدمة عام 2013 بسبب القصف وسرقة تجهيزاته، وهو يخدم عشرات البلدات في جبل الزاوية، كما قال المهندس عيسى كبيش، مدير الدراسات في المؤسسة العامة لمياه إدلب لـ”سوريا على طول”.
وبعد سيطرة النظام على أجزاء واسعة من ريف إدلب الجنوبي، خلال المعارك التي بدأها في عام 2019، تعرضت البنى التحتية، بما في ذلك محطات المياه وشبكاتها، لعمليات نهب وتخريب “دخلت عشرات القرى، لا سيما منطقة جبل الزاوية في أزمة عطش، لكنها تفاقمت بعد تحرير سوريا، وعودة أكثر من 91 ألف شخص إلى مناطقهم الأصلية في ريف إدلب الجنوبي”، بحسب عبد الرحمن جنيد، معاون مدير الشؤون الاجتماعية والعمل في إدلب.
أشار كبيش إلى أن نسبة تغطية المؤسسة “محدودة، لأن شبكات الضخ وشبكات المياه في القرى تضررت أضراراً جسيمة، وهي بحاجة إلى إعادة تأهيل شاملة”، على حد وصفه.
وبينما فرضت أزمة المياه على الأهالي نمطاً جديداً من الحياة، يقوم على تقنين الاستهلاك وتحمل أعباء شراء المياه بتكاليف مرتفعة، أوجد هذا الواقع فرص عمل جديدة للعائدين، كما هو حال سامر العيسى، الذي اشترى سيارة وزودها بخزان سعة 25 برميل، عندما عاد من تركيا مطلع العام الحالي، ويحقق دخلاً شهرياً من بيع المياه بنحو 400 دولار أميركي، كما قال لـ”سوريا على طول”.
أعباء ترهق العائدين
لطالما شعرت بسمة أم أحمد بالحنين لمنزل العائلة وأرضها الزراعية، وهي مصدر الرزق الوحيد، ومع سقوط النظام الأسد فكّرت بالعودة لكن منعها سوء الخدمات في بلدتها.
في المقابل، بدأ قاطنو مخيم أم الشهداء، التي كانت فيه، بالعودة تدريجياً إلى مواطنهم الأصلية، حتى وجدت أم أحمد نفسها مع عائلتين لوحدهم في المخيم، لذا قررت العودة إلى كفرعويد، متحملة عناء وتكاليف تأمين المياه.
أيضاً، عندما عاد محمد خليل رفقة زوجته وأطفاله الثلاثة إلى بلدة كنصفرة، بريف إدلب الجنوبي، في أواخر أيار/ مايو الماضي، وجد نفسه في دوامة البحث عن المياه، التي كانت متوفرة مجاناً في المخيم الذي حمل اسم القرية ذاتها في بلدة البرتقلي بريف إدلب الشمالي.
في المخيم، “كانت المياه تضخ بمعدل ساعتين كل خمسة أيام، وهو وقت كافٍ لتعبئة خزان سعة عشرة براميل”، كما قال خليل لـ”سوريا على طول”، بينما حالياً يجد نفسه “مضطراً لشراء المياه من الصهاريج كل خمسة عشر يوماً”.
“أدفع 700 ليرة تركية [17.5 دولاراً] مقابل صهريج سعته 27 برميلاََ، قادماً من مدينة كفرنبل التي تبعد 7 كيلومترات عن قريتي”، بحسب خليل، مشيراً إلى أن “هذه الكمية لا يتجاوز سعرها 270 ليرة تركية [6.75 دولاراً] في ريف إدلب الشمالي”.
اتخذ خليل قرار العودة إلى قريته، رغم علمه بأزمة المياه، لأنه كان يضطر إلى قطع مسافة 100 كيلومتراً من أجل الوصول إلى أرضه الزراعية، وهو مبلغ “يمكن إنفاقه على شراء المياه، مقابل السكن في منزلي والعمل في أرضي”، قال خليل.
إلى الجنوب من كنصفرة وكفرعويد، يعتمد سكان قرية الشيخ مصطفى في جنوب إدلب، على الصهاريج القادمة من بلدة النقير، التي تبعد نحو أربعة كيلومترات.
رغم الدمار الواسع الذي حل بقرية الشيخ مصطفى، قرر أحمد عبد الله عنان العودة مع عائلته، وهي من أصل 130 عائلة عادت حتى الآن، فيما يبلغ عدد العائلات الكلي حوالي 650 عائلة، بحسب تقديرات عنان، الذي يرأس المجلس المحلي للقرية، مشيراً إلى أن العديد من العائدين “فضلوا توفير ما كانوا يدفعونه إيجار سكن، الذي يتراوح بين 50 و150 دولار شهرياً، ودفعه في ترميم منازلهم بأنفسهم وشراء المياه”، كما قال لـ”سوريا على طول”.
ويختلف سعر صهريج المياه بحسب المسافة المقطوعة ونوع الاستخدام، إن كان لمياه الشرب أو لريّ الأشجار، التي تعرضت للإهمال منذ عام 2019، كما ذكرت عدة مصادر محلية لـ”سوريا على طول”.
التكيف مع الأزمة
يعتمد سكان أرياف إدلب، لا سيما الريف الجنوبي، على تجميع مياه الأمطار خلال فصل الشتاء في خزانات أرضية مخصصة لهذا الغرض، حتى لا يكاد منزل إلا وفيه خزاناً أرضياً، كما قال مراسل “سوريا على طول”.
بنى محمد خليل منزله في عام 1988، وجهّزه بخزان أرضي يستوعب حوالي ألف برميل، وكان يتوقع أن يجد فيه كميات جيدة من المياه عند عودته هذا العام، لكنه فوجئ بأن “الخزان فارغ تماماً بسبب الجفاف”.
وبما أن عودته تزامنت مع دخول فصل الصيف، فهذا يعني أنه لن يستفيد منه لتجميع مياه الأمطار خلال هذه الأشهر، وإنما لتجميع مياه الصهاريج فيه كلما أتيحت له فرصة التعبئة، لأنه في إحدى المرات انتظر ثلاثة أيام حتى تمكن من تأمين صهريج “بسبب الطلب المرتفع وعدم قدرة مصادر المياه في المنطقة على الاستجابة”.
في المقابل، لجأ بعض العائدين إلى ريف إدلب الجنوبي، الذين يمتلكون سيارات زراعية، إلى نقل المياه بأنفسهم عبر تحميلها بخزانات تتراوح حمولتها بين خمسة وعشرة براميل، وهذا يوفر عليهم الوقت ومصاريف النقل، بحسب مراسل “سوريا على طول”، مشيراً إلى أن سعر البرميل الواحد من دون نقله 10 ليرات تركية (0.25 دولاراً).
من جهته، اعتمد المجلس المحلي في بلدة كفرعويد على خطة مبدئية من أجل توزيع مياه البئر الوحيدة على السكان، تقوم على تقسيم العائلات إلى عدة مجموعات، وكل مجموعة تحصل يومياً على عدد من الصهاريج، بمعدل صهريج لكل خمسين عائلة، وبسعر عشرة ليرات تركية للبرميل، بحسب مغلاج، رئيس المجلس.
بالتوازي مع ذلك، تجري عمليات صيانة الآبار الخاصة القديمة وحفر آبار مياه جديدة “عشوائياً| في جنوب إدلب، وتباع مياهها بسعر عشرة ليرات تركية للبرميل الواحد، وهو سعر منخفض مقارنة بأسعار المياه المنقولة من مناطق أخرى.
بنية تحتية صفرية
توجد في قرية الشيخ مصطفى محطة مياه حكومية، كانت تغذي القرية والقرى المجاورة لها، مثل النقير ومعرزيتها، وتعتمد المحطة على أربعة آبار، لكنها خرجت عن الخدمة نتيجة تعرضها للقصف، بما في ذلك “الخزان العالي”، ومن ثم النهب بعد دخول النظام إلى المنطقة عام 2019، كما قال عنان، رئيس المجلس للقرية، مقدراً تكلفة إعادة تأهيل الآبار فقط بأكثر من مئة ألف دولار أميركي.
وتعاني بلدة الفطيرة في ريف إدلب الجنوبي – التي عاد إليها نحو ألفي نسمة بعد سقوط النظام، من أصل تسعة آلاف وهو العدد الإجمالي – من أزمة حادة في تأمين مياه الشرب، إذ يعتمد سكانها بشكل كامل على صهاريج المياه القادمة من كفرنبل، التي تبعد عنها نحو عشرة كيلومترات، كما قال عارف أبو محمود رئيس المجلس، لـ”سوريا على طول”.
اعتمدت البلدة لمدة ثلاث سنوات على بئر حُفرت على نفقة الأهالي عام 2017، قبل أن تتحول المنطقة إلى خط تماس مع قوات النظام عام 2019، ما أدى إلى نزوح السكان وتوقف البئر.
إعادة تشغيل البئر “ضرورة ملحة” لكنها بحاجة إلى تجهيزات كاملة، تشمل “الغاطس والتمديدات ومجموعة طاقة كهروشمسية ومولدة كهرباء”، بتكلفة إجمالية “تتجاوز 50 ألف دولار أميركي”، بحسب أبو محمود.
أمام هذا الواقع المتردي ومحدودية الإمكانيات، تعمل المؤسسة العامة لمياه إدلب على إعادة تأهيل وتشغيل البنية التحتية المتضررة، مع إعطاء الأولوية لمشروع مياه اللج باعتباره مشروعاً محورياً واستراتيجياً، بحسب كبيش، مدير الدراسات في المؤسسة، مشيراً إلى أنه “تم التواصل مع عدد من المنظمات الإنسانية والدولية، وأُجريت زيارات ميدانية وتقييمات فنية ومالية للمشروع. وقد حصلت بعض هذه المنظمات على تمويل فعلي، ويتم حالياً التنسيق معها لتسريع وتيرة إعادة التأهيل”.
وقال كبيش أن المؤسسة العامة لمياه إدلب “أولت اهتماماً كبيراً بمشروع محطات مياه اللج، واعتبرته من أولوياتها القصوى نظراً لأهميته الحيوية في تأمين مياه الشرب لجنوب إدلب، وقد جرى عقد سلسلة من الإجراءات والتقييمات والاجتماعات، أفضت إلى تأمين تمويل فعلي لتنفيذ أجزاء من المشروع”، وتُعتبر هذه الخطوات “جزءاً من خطة إسعافية شاملة تهدف إلى تحسين الوضع المائي تدريجيا”.
وأضاف كبيش: “يظل التمويل من أبرز التحديات”، وهذا لا يقلل من “صعوبة تنفيذ مشاريع إعادة التأهيل في ظل الظروف الحالية والدمار الواسع”.
وتتضمن قائمة المشاريع الضرورية لتحسين واقع المياه في محافظة إدلب: إعادة تأهيل منظومة محطات مياه اللج بشكل كامل، التي تخدم الريف الجنوبي، وتنفيذ مشروع محطات عين الزرقا، التي تخدم مدينة إدلب، وتحديث الأنظمة المائية باستخدام تقنيات تشغيل حديثة، بالإضافة إلى معالجة الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنى التحتية نتيجة الحرب، بحسب كبيش.
