أصداء الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران تصل إلى جنوب سوريا
رغم أنه ليس هدفاً مباشراً للتصعيد المتزايد بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران وحزب الله، يواجه جنوب سوريا تداعيات الحرب الأخيرة، من سقوط حطام الطائرات المسيّرة إلى توغل دوريات الاحتلال
19 مارس 2026
القنيطرة- في ليلة التاسع كان محمد الخبي جالساً مع عائلته في منزلهم بقرية خان أرنبة في ريف القنيطرة، جنوب سوريا، مساء التاسع من آذار/ مارس، عندما بدأت أصوات الانفجارات، وبعد تسعة أيام على بداية إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة وأنظمة المضادات فوقهم، اعتادت العائلة على أصوات الحرب الأخيرة.
“عندما تسمع هذه الأصوات، من الأفضل البقاء في الداخل”، قال الخبي. وفعلاً التزموا بذلك، فيما يشاهدون عبر النوافذ الوميض في السماء ليلاً، لما يُعتقد أن الدفاعات الجوية الإسرائيلية تعترض الصواريخ الإيرانية.
في صباح اليوم التالي، سمع الخبي أن طائرة إيرانية مسيرة سقطت في مدينة السلام، على بعد نحو كيلومتر من منزله. وعندما خرج، رأى جسماً غريباً في حديقته الخاصة، على بعد عشرة أمتار من باب المنزل، وكأنه حطام طائرة مسيرة، فاتصل بالسلطات السورية والدفاع المدني.
قال لـ”سوريا على طول” بعد أيام من الحادثة، أن طول الجسم “نحو 70 سنتمتراً، ويبدو أنه يحمل شيئاً الكترونياً مثل الكاميرا”، مضيفاً: “الحمد لله أنه لم يسقط فوق المنزل”.
بعد ذلك، حضرت وسائل الإعلام المحلية لتصوير الحطام، فيما أزالت قوى الأمن الداخلي السورية ذاك الجسم أو الطائرة. سرعان ما عادت حياة العائلة إلى طبيعتها، يتخللها بين الحين والآخر أصوات متباعدة للحرب الجديدة التي لا تزال على أطراف مدينتهم وفوق سمائهم.
في 28 شباط/ فبراير، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً جوياً مفاجئاً على إيران، أسفر عن مقتل كبار المسؤولين، بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي، وهو ما أدى إلى اندلاع صراع إقليمي متصاعد.
وخلال الأسابيع التالية، اعتادت محافظة القنيطرة، الواقعة على حدود هضبة الجولان المحتلة، على أصوات الطائرات والانفجارات، كما عانت المحافظة من سقوط الحطام الناتج عن المقذوفات والطائرات المسيرة، التي أطلقتها طهران وحليفها حزب الله اللبناني، الذي دخل الحرب في الثاني من آذار/ مارس.
في الأسبوع الماضي، أغلقت المدرسة التي يرتادها ابن الخبي مؤقتاً، خشية سقوط حطام الطائرات والصواريخ عليها. سوريا ليست هدفاً مباشراً للنزاع الحالي، لكن الحطام الناتج عن اعتراض الطائرات المسيرة والصواريخ سقط في أنحاء مختلفة من البلاد، مسبباً أضراراً مادية وإصابات.
من جهته، قال أحمد محمد العوض، رئيس الدفاع المدني في القنيطرة، لـ”سوريا على طول” عبر واتساب أن المحافظة تعاملت حتى الآن مع سقوط حطام “حوالي خمس طائرات مسيرة وصاروخ باليستي” في المنطقة الحدودية.

صورة تظهر طرق ممتدة على حافة جبل الشيخ، الواقع على الحدود السورية-اللبنانية في محافظة ريف دمشق، 15/ 03/ 2026، (أناغا سوباش ناير/ سوريا على طول)
حزب الله والحدود
إن مشاركة حزب الله في الحرب، عبر إطلاق صواريخ على شمال إسرائيل من جنوب لبنان في مطلع آذار/ مارس، أدخلت الحرب إلى أقرب ما يكون من أراضي سوريا. هناك عداء متجذّر بين دمشق والحزب اللبناني، الذي كان حليفاً طويل الأمد لنظام الأسد البائد، إلى جانب إيران.
منذ الثاني من آذار/ مارس، أسفرت الهجمات الإسرائيلية عن مقتل أكثر من ألف شخص في لبنان، وأُجبر أكثر من مليون شخص – نحو سدس السكان – على النزوح، وفقاً للأمم المتحدة. وحتى هذا الأسبوع، فرّ أكثر من 125 ألف شخص عبر الحدود إلى سوريا، الغالبية العظمى منهم (119 ألف) يحملون الجنسية السورية.
في مطلع آذار/ مارس، نشرت سوريا آلاف الجنود لتعزيز حدودها مع لبنان، وأفاد ضباط عسكريون سوريون لوكالة رويترز أن هذه الخطوة تهدف إلى منع “تهريب الأسلحة والمخدرات، ومنع ميليشيا حزب الله اللبنانية المدعومة من إيران أو أي مسلحين آخرين من التسلل إلى سوريا”.
ويوم الخميس، أعلنت وزارة الدفاع السورية أن حرس الحدود أحبط محاولة لتهريب أسلحة عبر الحدود غرب دمشق واعتقل أربعة أشخاص، اثنان منهم يحملان الجنسية اللبنانية.
جنوب غرب دمشق، تمتد الحدود السورية-اللبنانية على طول جبل الشيخ، الذي احتلت إسرائيل جزءاً منه بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024. الطرق المتعرجة على الجبل تؤدي مباشرة إلى أجزاء من لبنان مثل كفرشوبا، وكانت منذ زمن طويل طرقاً رئيسية تستخدمها مجموعات مختلفة للتهريب.
تقع قرية عرنة في ريف دمشق، على بعد نحو خمسة كيلومترات داخل الحدود، عند قاعدة الجبل. كانت هذه الطرق واضحة من خلال طبقة من الضباب يوم السبت الماضي، رغم أن حركة المركبات بدت قليلة.
قال علي حمدان (اسم مستعار)، أحد سكان عرنة وعضو في مجلس روحي غير رسمي لدروز سوريا، الذي طلب عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية: “قطعت إسرائيل هذه الطرق أمام المدنيين”.
نجت عرنة إلى حد كبير من وطأة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب سوريا، الذي بدأ بعد سقوط نظام الأسد، بحسب حمدان، مشيراً إلى أن الدوريات دخلت القرية في السابق لكنها لا تتدخل في “الشؤون الداخلية”، وقال: “أحياناً يضعون نقاطاً طبية، لدينا مركز صحي في القرية يعمل به سكان محليون، لكن إسرائيل أحضرت بعض الأجهزة”.

قاعدة إسرائيلية في بلدة جباتا الخشب بمحافظة القنيطرة، أُنشئت في كانون الأول/ ديسمبر، أي بعد سقوط نظام الأسد، 15/ 03/ 2026، (أناغا سوباش ناير/ سوريا على طول)
تصاعد النشاط الإسرائيلي
في معظم مناطق جنوب سوريا، تجلّى الوجود الإسرائيلي كمصدر قلق دائم للسكان، مع تنفيذ مداهمات وهدم منازل وعمليات اعتقال وإطلاق نار، سواء داخل المنطقة العازلة التي كانت منزوعة السلاح سابقاً، التي اجتاحتها إسرائيل واحتلتها أواخر عام 2024، أو في البلدات المجاورة.
شهدت بلدة جباتا الخشب في القنيطرة، الواقعة ضمن المنطقة العازلة، توغل دوريات إسرائيلية وحدوث عمليات اقتحام للمنازل واعتقال مدنيين بشكل متكرر، بحسب محمد مازن مريود، مختار البلدة، الذي أشار إلى تكرار دخول الدوريات الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب مع إيران.
“خلال الأيام الأربعة الماضية، كانت هناك دوريات يومية داخل البلدة، بينما كان [الجيش الإسرائيلي] يكتفي في السابق بإقامة حواجز على أطراف البلدة ليومين أو ثلاثة أيام في الأسبوع”، قال مريود لـ”سوريا على طول”، ولا يعرف سبب تغيّر هذا النشاط.
وأضاف مريود: “هم لا يشرحون هذه الأمور للناس أساساً. سألنا [قوات فضّ الاشتباك الأممية] الأندوف الموجودة في المنطقة العازلة، فقالوا إن الأمر يتعلق بما وصفوه إجراءات أمنية تخص إسرائيل”.
محمد مازن مريود، مختار بلدة جباتا الخشب، يجلس في منزله بمحافظة القنيطرة جنوب سوريا، 15/ 03/ 2026، (أناغا سوباش ناير/ سوريا على طول)
وبالقرب من مدخل بلدة جباتا الخشب، قال سكان محليون لـ”سوريا على طول” يوم السبت أن حاجزاً إسرائيلياً طياراً كان متمركزاً على بُعد نحو 200 متر قبل ساعة من حينها، كما أغلق الجيش الإسرائيلي بعض الطرق داخل البلدة.
ورأت كارولين روز، مديرة برنامجي “الترابط بين الجريمة والنزاع” و”الانسحابات العسكرية” في معهد نيو لاينز الأميركي، أن العمليات الإسرائيلية في جنوب سوريا تمثل “وسيلة لتنويع بصمتها في المشرق”، قائلة لـ”سوريا على طول”: “من المرجح أن هذا هو سبب زيادة الدوريات، لإعطاء انطباع بأنهم يعمّقون وجودهم هناك”.
وبينما أشار مركز ألما البحثي الإسرائيلي، إلى انتشار عناصر من الجيش السوري على الحدود مع إسرائيل، نفى مريود وجود أي قوات أمنية سورية في جباتا الخشب، مؤكداً أن الشرطة المحلية هي من تتولى حفظ الأمن الداخلي في البلدة.

بوابة صفراء وضعها الجيش الإسرائيلي لإغلاق أحد الطرق في بلدة جباتا الخشب، 15/ 03/ 2026، (أناغا سوباش ناير/ سوريا على طول)
وبحكم قرب البلدة من الحدود، يستطيع السكان في كثير من الأحيان سماع القصف الإسرائيلي لجنوب لبنان، إضافة إلى أصوات عمليات اعتراض الصواريخ، بحسب مريود، لافتاً إلى أن الأهالي يتخوفون من أن تصل الحرب التي يسمعونها إليهم في أي لحظة.
قد تتوسع إسرائيل في عملياتها داخل الأراضي السورية المجاورة، إذا “انتهى بها الأمر إلى احتلال مساحات واسعة من لبنان”، لكن ذلك لا يشكل “تهديداً قريباً”، بحسب روز.
وأضافت: “إن الوجود الإسرائيلي في المناطق المحتلة داخل سوريا بعد سقوط نظام الأسد يهدف في معظمه إلى ردع الجماعات المدعومة من إيران العاملة في لبنان. ومع توسيع حضورها في لبنان، سوف تحتاج إسرائيل بدرجة أقل إلى الاعتماد على تموضعها في سوريا، نظراً لعمقها الاستراتيجي المتزايد في لبنان في مواجهة حزب الله”.
ومع ذلك، قال مريود إن عدم القدرة على التنبؤ بتحركات إسرائيل وغياب الوضوح بشأن نواياها يثيران “الخوف” لدى السكان.
وأضاف: “هذه الحرب بين إسرائيل وإيران، أو بين إسرائيل ولبنان، لكنها تؤثر علينا أيضاً، سواء نفسياً أو اقتصادياً”، معرباً عن أمله في العودة إلى اتفاق عام 1974 مع إسرائيل، وقال: “كانت هذه المنطقة في الأصل منطقة منزوعة السلاح. نحن نريد فقط الاستقرار”.
