أطفال على طريق قنديل: تجنيد القاصرين مستمر رغم اتفاق دمشق و”قسد”
تستمر قوات سوريا الديمقراطية (قسد) و"الشبيبة الثورية" بتجنيد القاصرين في شمال شرق سوريا، رغم توصلها إلى اتفاق مع حكومة دمشق من أجل الاندماج في مؤسسات الدولة، ما يعني - ظاهريا - وقف عمليات التجنيد.
18 مايو 2026
القامشلي- في غرفة صفية – تحولت إلى مأوى مؤقت – داخل إحدى مدارس القامشلي، جلس أحمد عارف عبدالو، 54 عاماً، وزوجته نجوى قميحة، 43 عاماً، وهما نازحان من منطقة عفرين، يرويان تفاصيل انضمام ابنتهم نزيهة عبدالو،17عاماً، إلى صفوف قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في 20 آذار/ مارس الماضي، تاركة عائلتها في حالة قلق مستمر لغياب أي معلومات عن مصيرها ومكانها.
مع بزوغ فجر ذاك اليوم، الذي صادف أول أيام عيد الفطر، استيقظ الأب على غياب ابنته نزيهة عن الغرفة التي تؤوي الأسرة المؤلفة من الوالدين وخمس بنات، قبل أن تتلقى العائلة بعد أقل من ساعة تسجيلاً صوتياً لابنتها عبر تطبيق “واتساب” من رقم أميركي، تخبرهم بأنها غادرت بمحض إرادتها للالتحاق بصفوف “قسد”، رغبة منها في أن تصبح “كادرو” ضمن صفوف حزب العمال الكردستاني، كما رويا لـ”سوريا على طول”.
ويطلق لقب “كادرو” على الأعضاء الرسميين التنظيميين الذين يتلقون تدريباً عسكرياً وفكرياً في جبال قنديل ويتولون مهاماً تنظيمية وعسكرية داخل هيكل الحزب أو المؤسسات المرتبطة به.
بعد سماع التسجيل، دخلت الأم في نوبة بكاء حاد، وتعرض الأب لصدمة شديدة تسببت بارتخاء الشفة السفلى وتنميل اليدين، ما استدعى نقله إلى المستشفى، وفقاً له.
اللافت أن انضمام ابنتهما، جاء بعد أقل من شهرين على التوصل إلى اتفاق بين حكومة دمشق و”قسد”، في 30 كانون الثاني/ يناير، يقضي باندماج الأخيرة في مؤسسات الدولة السورية، ما يعني – ظاهرياً – أن تتوقف عمليات التجنيد لصالح “قسد”، وأن تكون عمليات الانتساب الجديدة لصالح وزارة الدفاع ووفق شروطها، ومنها عدم قبول انتساب الأشخاص دون 18 عاماً.
“عيد الفطر مناسبة للفرح، لكنه تحوّل إلى يوم أسود”، قالت قميحة باكية، مشيرة إلى أنها تعيش “حالة انتظار يومي”، إذ تستيقظ كل صباح على أمل عودة ابنتها، ولكن هذا لم يحدث حتى الآن.
“لا إرادة حرّة للقاصرين”
بعد ثلاثة أيام من التحاق نزيهة بـ”قسد”، عاشت ميادة بلال أحمد، 50 عاماً، من ريف كوباني (عين العرب)، السيناريو ذاته، عندما وصلها نبأ التحاق ابنتها ياسمين عبدو أحمد، 17 عاماً، بصفوف “قسد” أيضاً، كما قالت الأم لـ”سوريا على طول”.
في ذلك اليوم، تركت أحمد أبناءها في المنزل، وذهبت في زيارة لمنزل جيرانها تهنّئهم بعيد الفطر، وعندما رجعت قرابة الساعة العاشرة ليلاً لم تجد ياسمين في المنزل، وبعد ساعات من الخوف والبحث، تلقت العائلة تسجيلاً مصوراً عبر واتساب، ظهرت فيه ياسمين لتعلن أنها ذهبت للانضمام لحزب العمال الكردستاني بكامل إرادتها.
ولدت نزيهة في الأول من نيسان/ أبريل 2009، أي كان عمرها عند انضمامها 16 عاماً وأحد عشر شهراً، بينما ولدت ياسمين في 30 من الشهر والعام ذاته، أي كان عمرها عند انضمامها 16 عاماً وعشرة أشهر، بحسب الوثائق الرسمية للعائلتين اطلعت عليهم “سوريا على طول”، وهذا يعني أن كليهما دون السن القانونية.

صفحة معلومات نزيهة عبدالو في وثيقة “دفتر العائلة”، يؤكد تاريخ ميلادها إلى أنها ما تزال دون السن القانونية
قال عبد الرحمن كورجو، المنسق العام لمنظمة “الربيع الكردي”، وهي منظمة مدنية تأسست عام 2020، تعمل ضمن الفضاء الأوروبي مع شبكة ميدانية داخل سوريا على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان، أن “الشبيبة الثورية تلعب دوراً محورياً في عمليات الاستقطاب”، مشيراً لـ”سوريا على طول” أن ما يشار إليه على أنه تجنيد “طوعي” هو في الواقع “نتيجة ضغوط نفسية وتأثيرات فكرية واستغلال لظروف الأطفال، ما ينفي وجود إرادة حرة حقيقية لدى القاصرين”.
تأكيداً على ذلك، قالت والدة ياسمين، إن ابنتها تعرّضت للاستدراج والتأثير من قبل وحدات حماية المرأة، اللواتي كنّ يقمن في منزل قريب من منزل العائلة في القرية، وكانت تتردد عليهم “لكن بحكم الجيرة والمعرفة لم نقلق بشأن تلك الزيارات”، إلا أنها “انضمت إليهم بعد عشرة أيام من انتقال مركزهم من القرية”.
حدد القانون الدولي الإنساني سن الثامنة عشرة بوصفها الحد القانوني الأدنى للعمر بالنسبة للتجنيد ولاستخدام الأطفال في الأعمال الحربية، وتضاف أطراف النزاع التي تجند وتستخدم الأطفال إلى “قائمة العار”، التي تصدر سنوياً.
ياسمين ونزيهة هما اثنتان من قائمة أكبر من المجندين والمجندات في صفوف “قسد” بعد بدء عملية اندماج “قسد” في وزارة الدفاع السورية. ففي 27 آذار/ مارس الماضي، ظهر أحمد عبد الباقي، والد القاصر بروان عبد الباقي، 16 عاماً، من مدينة القامشلي، في تسجيل مصور يناشد فيه وزارة الداخلية السورية والإدارة الذاتية التدخل العاجل لإعادة ابنه الذي تم تجنيده في يوم بث التسجيل.
وفي مدينة عامودا غربي القامشلي، وثّقت فاطمة مامو حبيب، النازحة من ناحية معبطلي (ماباتا) بريف عفرين، والمقيمة في إحدى مدارس المدينة، قضية تجنيد ابنتها زينب محمد نور الدين منان، 16 عاماً، مطلع نيسان / أبريل الماضي، عبر مقطع مصور تحدثت فيه عن تعرضها للطرد من مراكز تابعة لحزب العمال الكردستاني أثناء محاولتها الاستفسار عن مصير ابنتها، بعد إنكار وجودها لديهم، قبل أن تطلق نداءً عاماً للمساعدة في استعادتها.
وفي 14 نيسان/أبريل الماضي، تداول ناشطون تسجيلاً مصوراً لعائلة من مدينة كوباني توجّهت إلى أحد مراكز “الشبيبة الثورية” للمطالبة بإعادة طفلتهم القاصر ناديا إبراهيم، 13 عاماً، بعد تجنيدها، فيما ظهر والدها في تسجيل لاحق وعليه آثار ضرب، في مشهد يعكس تصاعد التوتر والانتهاكات المحيطة بمحاولات الأهالي استعادة أطفالهم.
إخفاؤهم عن عائلاتهم
يبرز استمرار تجنيد القاصرين في شمال شرق سوريا كواحد من أكثر الملفات إثارة للقلق لذويهم، وسط تساؤلات عن أسباب الاستمرار في عمليات التجنيد في مرحلة يفترض أنها تؤسس لاستقرار مستقبلي لا لإعادة إنتاج أدوات الصراع.
وثقت منظمة “الربيع الكردي” العديد من حالات تجنيد الأطفال، ورغم أنها “على نطاق ضيق، لكنها مقلقة، وتعكس استمرار هذه الظاهرة بشكل واضح رغم تراجعها النسبي”، بحسب كورجو، المنسق العام للمنظمة.
وأوضح كورجو أن منظّمته تعتمد في توثيق الحالات على شهادات مباشرة من الأهالي ومتابعة ميدانية، لافتاً إلى أن العديد من الحالات لم يُبلغ عنها بسبب “الخوف من (ب ك ك) أو نتيجة ضغوطات مورست على العائلات ما دفع بعضها إلى الاستسلام للأمر الواقع” وهذا قد ينبئ بأن “الحجم الحقيقي لعمليات التجنيد أكبر من المعلن عنه”.
بينما كانت الحكومة السورية و”قسد” تقتربان من التوصل إلى تفاهمات سياسية وأمنية، كانت مدينة الحسكة تشهد في الوقت نفسه دورة تدريب عسكرية لمجندين جدد ضمن صفوف “قسد”، بدأت قبل توقيع الاتفاق واستمرت بعد التوقيع، وقد شارك فيها نحو 45 شخصاً، غالبيتهم دون سن 18 عاماً، كما أفادت إحدى المشاركات في التدريب لـ”سوريا على طول”، شريطة عدم ذكر اسمها لدواع أمنية.
وتلعب “الشبيبة الثورية” دوراً أساسياً في تجنيد القاصرين في مناطق شرق سوريا، وهي تنظيم شبابي مثير للجدل، يُتهم منذ سنوات من قبل عائلات ومنظمات حقوقية محلية ودولية بالوقوف وراء عمليات استقطاب وتجنيد قاصرين ضمن البيئة العسكرية المرتبطة بقوات سوريا الديمقراطية، ووجهت له اتهامات على مدار السنوات الماضية بحرق مكاتب لأحزاب سياسية في شمال شرق سوريا.
تنشط هذه الجهة المرخصة لدى الإدارة الذاتية، عبر شبكات شبابية ومراكز محلية تستهدف المراهقين من الجنسين، تحت عناوين مرتبطة بـ”الثورة” أو “الحماية المجتمعية”، حيث يتم استقطاب القاصرين من خلال أنشطة ثقافية ورياضية وترفيهية، وأحياناً عبر ضغوط نفسية وتلقين أيديولوجي تدفعهم للالتحاق بصفوفها.
تقوم “الشبيبة الثورية”، التي يديرها كوادر من “حزب العمال الكردستاني”، على تنظيم دورات تأطير فكري مكثفة يمكن وصفها بآليات “غسل أدمغة” ممنهجة، تُحاكي في أدواتها أدوات “شبيبة الثورة” في عهد حزب البعث، لكن “بخطاب أيديولوجي مغاير”، كما قال مصطفى الخليل، صحفي من مدينة الرقة.
وتعتمد هذه البرامج على تعزيز مفهوم “الفردانية” والتمرد على “السلطة الأسرية لدى المراهقين، مقابل تقديم إغراءات وظيفية وهمية وإيهامهم بمكانة اجتماعية زائفة، مما يحولهم إلى مادة بشرية سهلة التطويع”، أضاف الخليل لـ”سوريا على طول”.
ولاحقاً، يُنقل قسم من القاصرين الملتحقين إلى معسكرات تدريب في جبل قنديل، الواقع على الحدود العراقية الإيرانية (المعقل الرئيسي لحزب العمال الكردستاني)، ويخضعون هناك لتدريبات عسكرية وفكرية قبل الدفع بهم إلى جبهات القتال، بما فيها مواجهات مع القوات التركية، ويبقى جزء آخر داخل مناطق شمال شرق سوريا ضمن تشكيلات “قسد” العسكرية.
وغالباً، يواجه الأهالي صعوبة في الوصول إلى أبنائهم أو معرفة أماكن تواجدهم، بسبب التكتم الشديد ونقل بعضهم إلى “معسكرات سرية تقع بعضها في مواقع مغلقة أو ضمن أنفاق تحت الأرض”، بحسب كورجو، المنسق العام لمنظمة “الربيع الكردي”.
فوق ذلك، يغيّر حزب العمال و”قسد” أسماء المجندين القاصرين ويعطيهم أسماء حركية، وهذا يزيد من صعوبة رصد الحالات وتوثيقها بدقة، ناهيك عن أنه يمثل معضلة كبرى في مسارات المحاسبة والمساءلة، كما قال الخليل.
تُعتمد الأسماء الحركية – التي تًمنح للقاصرين والبالغين- في التعاملات اليومية داخل المراكز وبين المجندين، بحيث لا يستخدم الاسم الشخصي في أي سياق داخلي، وحتى في حالات الإعلان عن مقتل العناصر يكون بالإفصاح عن أسمائهم الحركية.
وفي وثائق الوفاة التي تُسلَّم لذوي القتلى المجندين، تُدرج معلومات تاريخ ومكان الميلاد، لكن بعضها يقتصر على ذكر المكان دون التاريخ، وقد يكون هذا مؤشر محتمل على عدم إظهار الأعمار الحقيقية لبعض المجندين.
على مدار أسبوع كامل، حاول أحمد عبدالو والد نزيهة، التواصل مع الرقم الذي وصل منه التسجيل الصوتي، لكن “كان الهاتف دائماً خارج التغطية” كما قال. وراجعت العائلة عدة جهات بحثاً عن ابنتهم، من بينها مركز “الشبيبة الثورية” الواقع في ملعب “هيثم كجو” بمدينة القامشلي، ومركز قوى الأمن الداخلي (الآسايش) ومراكز أخرى، مثل مجلس عفرين ومراكز “الشبيبة الثورية” في الحسكة، إلا أن “جميع الجهات نفت وجودها لديها”.
بينما يحاول حبس دموعه، تساءل الأب بحرقة: “هل تبّخرت ابنتي؟ أنا أعرفهم جيداً، حتى لو كانت خلف الباب فلن يخبروننا عنها”، لافتاً إلى أن الجهات التي راجعها اكتفت بأخذ أرقام هواتفهم ووعدتهم بالتواصل في حال توفر أي معلومات عن مصيرها، “لكن حتى اليوم لم يتصل بنا أحد!”.
وأضاف: “لا أعرف من أقنعها بهذه الخطوة أو كيف تم التلاعب بعقلها، خاصة أنها لا تعرف شيئاً عن السلاح أو الحياة العسكرية”.
قاطعته زوجته قائلة: “ما زالت طفلة، لم ترَ شيئاً من حياتها بعد”، متسائلة باستنكار: “كيف يمكن تجنيد فتاة قاصر في هذا العمر؟!”.
وبدورها، بحثت عائلة ياسمين عنها في مركز “الشبيبة الثورية” ومركز وحدات حماية المرأة وغيرها من المراكز، “جميع الجهات نفوا معرفتهم بمكانها. وصلتنا أخبار بأنها في الحسكة وهناك من قال بأنها في كوباني”، بحسب الأم.
في يوم عيد ميلاد ياسمين، الذي صادف 30 نيسان/ أبريل، لم تستطع والدتها مغادرة فراشها، نتيجة ارتفاع ضغط الدم، وأمضت يومها بلا شهية للطعام ولا قدرة على ممارسة أي عمل، كلّ ذلك “نتيجة الإنهاك النفسي الشديد وألم الفقد والانتظار”، على حد قولها.
“بمناسبة عيد ميلادها كل عام، كنا نشتري قالب الكاتو، ونحتفل بها وسط العائلة، له هذا العام مرّ عيد ميلادها ثقيلاً علينا”، أضافت الأم بحرقة.
وتواصلت “سوريا على طول” مع خمس عائلات أخرى، في عفرين ومنطقة الجزيرة، من الذين التحق أبناؤهم بـ”قسد” بين عامي 2015 و2016، وكانت أعمارهم آنذاك بين 13 و14 عاماً، وجميعهم قالوا أن مصير أبنائهم ما زال مجهولاً حتى الآن.
اتفاقية غير نافذة؟
في مقطع مصوّر متداول على إحدى الصفحات التابعة لـ”الشبيبة الثورية السورية”، تظهر إحدى كوادر حزب العمال الكردستاني وهي تتحدث عن فتاة انضمت لاحقاً إلى صفوف “قسد”، قائلة أنها عندما رأت الطفلة، وكانت تبلغ نحو 10 أو 11 عاماً، توجّهت إلى والدتها بالقول: “هذه ابنتنا… يجب أن تنضم إلى الثورة”.
ويعكس هذا الخطاب، نمطاً يقوم على استهداف الأطفال في سن مبكرة عبر مراقبتهم واعتبارهم مشاريع تجنيد مستقبلية، ضمن مقاربة أيديولوجية تتجاوز فكرة القرار الفردي الحر، لتصل أحياناً إلى ممارسة ضغوط اجتماعية مباشرة على العائلات، بما يشبه المطالبة بتقديم أحد أبنائهم أو بناتهم لصالح المشروع التنظيمي.
ورأى الصحفي مصطفى الخليل، أن استمرار ظاهرة تجنيد الأطفال في هذه المرحلة يعود إلى “وجود تباينات جوهرية داخل بنية صنع القرار لدى قوات سوريا الديمقراطية، وتحديداً لدى حزب العمال الكردستاني”، معتبراً أن هذا السلوك ينمّ عن وجود “أجنحة نافذة داخل الحزب لا تضمر نوايا حقيقية لإنجاح مسار اندماج الكرد في الدولة السورية الجديدة”، بل تسعى إلى “استدامة حالة عدم الاستقرار واستمرار توظيف الوجود الكردي في سوريا كورقة ضغط جيوسياسي”.
والهدف من وراء ذلك “الحفاظ على نفوذ الحزب في سوريا بوصفه أداة تفاوض إقليمي، لا سيما في ظل التراجع الملحوظ لقاعدة الحزب الشعبية داخل المكون الكردي السوري، وفقدانه للمكانة المعنوية التي كان يحظى بها سابقاً”.
من جانبه، رأى الحقوقي آرمانج محمد أمين، الذي ينحدر من كوباني ويقيم في ألمانيا، أن تجنيد الأطفال في هذه المرحلة في ظل غياب معارك مفتوحة، لا يبدو “مرتبطاً بحاجات عسكرية ملحّة، بل قد يرتبط بعوامل أخرى مثل الأدلجة أو استغلال الفئات الهشّة في المجتمع من أجل المشاريع السياسية أو سدّ النقص التنظيمي”.
يذكر أن القائد العام لـ”قسد” مظلوم عبدي وقّع في 29 حزيران/ يونيو 2019، على “خطة عمل” مع الأمم المتحدة لإنهاء ومنع تجنيد الأطفال دون سن 18 عاماً واستخدامهم في الأعمال العسكرية، لكن حالات تجنيد القاصرين لم تتوقف واستمرت التقارير عن استقطاب الأطفال وزجّ بعضهم في أنشطة وعمليات عسكرية.
غياب المحاسبة
رأى المنسق العام لمنظمة “الربيع الكردي”، عبد الرحمن كورجو، أن “غياب المحاسبة الفعلية، واستمرار بعض الجهات في إدارة هذا الملف بعيداً عن أي رقابة حقيقية”، هو السبب في استمرار تجنيد الأطفال.
وأشار إلى أن استمرار هذه الممارسات يؤكد وجود “فجوة عميقة بين الخطاب السياسي والواقع الفعلي”، ويطرح تساؤلات جدية حول “جدية الالتزام بالمعايير الدولية، إذ لا يمكن الحديث عن إعادة هيكلة أو توحيد مؤسساتي في ظل استمرار انتهاكات جسيمة بحق الأطفال”.
انطلاقاً من موقع الدولة الوطنية السورية، التي يُفترض أن تستعيد سيادتها على كامل التراب السوري، يقع على عاتقها دور “محوري ومتعدد المستويات” في وقف تجنيد الأطفال، عبر إدراج بند واضح في أي اتفاقات اندماج مع “قسد” يُلزم بحل الهياكل المسؤولة عن التجنيد وإحالة الملف إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل باعتبار المجندين “أطفالاً ضحايا لا معتقلين”، قال الصحفي الخليل.
ودعا الخليل إلى تطبيق قانون العقوبات السوري وقانون الأحداث والالتزامات الدولية على كامل الجغرافيا السورية، وإنشاء آلية وطنية للرصد وإعادة الإدماج، من خلال تأسيس “صندوق وطني لدعم ضحايا التجنيد القسري” بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الدينية، لتأمين قنوات إبلاغ آمنة وتقديم دعم نفسي وتعليمي وإعادة دمج الأطفال المحررين.
من جانبها، يجب أن “تضطلع الشخصيات الكردية المؤثرة اجتماعياً وعشائرياً ودينياً بدورها المحوري في إنهاء هذه الظاهرة الخطيرة والحد منها”، ووقف تغذية هذه الآلة العسكرية بالأطفال، عبر “ممارسة ضغط مجتمعي أخلاقي على القوى المسيطرة وترسيخ ثقافة رفض تجنيد القاصرين باعتبارها جريمة أخلاقية قبل أن تكون قانونية”، بحسب الخليل.
وذهب الحقوقي آرمانج إلى ضرورة “حظر منظومة الشبيبة الثورية، وتفعيل قوانين صارمة، وإنشاء آليات رقابة مستقلة ومحاسبة المسؤولين، إلى جانب تعزيز دور المجتمع وتوفير بدائل تعليمية واجتماعية للأطفال”.
تعليقاً على ذلك، قال الحقوقي بسام الأحمد، مدير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، إن سبل الانتصاف القانونية أمام عائلات الأطفال المجندين “بقيت محدودة حتى خلال السنوات السابقة”، موضحاً أنه رغم وجود بعض الآليات مثل “مكتب حماية الطفل” ومحاولات تسريح جزئية، فإن هذه الأدوات تراجعت خلال المرحلة الحالية، “ما جعل العائلات تعتمد أساساً على المناصرة الإعلامية والتواصل مع المنظمات الحقوقية الدولية لتوثيق الحالات.
وأكد الأحمد أن التوثيق يبقى الخطوة الأساسية لأي مسار قانوني أو حقوقي لاحق، محذراً من أن ضعف المتابعة أو غياب الإرادة السياسية يحدّ من فرص المساءلة، مشدداً على دور المنظمات الحقوقية بأن يبقى أساسياً في رصد وتوثيق جميع حالات تجنيد الأطفال، بصرف النظر عن الجهة المسؤولة، لأن ضعف التوثيق أو غياب الإرادة لدى بعض الجهات المحلية والدولية لمتابعة الانتهاكات المرتبطة بالسلطات الجديدة يحدّ من فرص المناصرة والمحاسبة.
“ورغم أن أعداد الأطفال المجندين قد تكون أقل من سنوات الحرب، إلا أن استمرار أي حالة يفرض تحركاً عاجلاً لوضع حد نهائي لهذه الظاهرة ومنع تكرارها مستقبلاً”، قال الأحمد.
تنحدر نزيهة عبدالو من عفرين، ومع عودة الكثير من النازحين إليها، ترفض عائلتها التسجيل في قوائم العودة من شمال شرق سوريا إلى عفرين، أملاً بعودة ابنتهم نزيهة إليهم أولاً، ومن ثم تعود العائلة كاملة إلى مسقط رأسها هناك.
أسهمت منظمة “الربيع الكردي” في تنسيق المقابلات الصحفية مع ذوي القاصرين المجندين لدى “قسد”.






