أهالي عفرين يعودون إلى ديارهم حاملين رفات موتاهم
تجمع العودة إلى عفرين بين الأحياء والأموات، إذ ينقل العائدون رفات أقاربهم الذين دفنوا مؤقتاًً خلال سنوات النزوح في توابيت خشبية او أكياس نايلون وفاءً لوصية أو رغبة دفنهم في تراب منطقتهم.
15 يونيو 2026
القامشلي – بعد عام ونصف على دفنه في مقبرة بحي غويران بمدينة الحسكة، شمال شرق سوريا، أعادت هيفا عمر نعسان، 24 عاماً، جثمان طفلها أرمانج فرهاد إيمو إلى مسقط رأسها في ناحية معبطلي بريف عفرين، ضمن قافلة العودة التي تم تسييرها إلى المنطقة، الأربعاء الماضي 10 حزيران/يونيو الجاري والتي ضمت 1700 عائلة من نازحي عفرين في مدينة ديرك (المالكية) والقامشلي.
قالت نعسان بينما كانت في طريق العودة إلى عفرين لـ”سوريا على طول”: “كان مؤلماً علينا أن نخرج جثمانه من القبر لكن كنا مصرون منذ البداية على أخذه معنا إلى قريتنا لدفنه هناك ليتسنى لنا زيارة قبره دائماً”، مضيفة، “عفرين أرضنا لذا نعيش فيها وندفن أحباءنا في ترابها”.
وكان الطفل أرمانج قد توفي عن عمر ثلاث سنوات بعد عشرين يوماً من نزوح عائلته من منطقة الشهباء بريف حلب الشمالي إلى مدينة الحسكة في كانون الأول/ديسمبر 2024، إثر عملية “فجر الحرية”، وذلك بعد سنوات من استقرارها في الشهباء عقب تهجيرها من عفرين خلال عملية “غصن الزيتون” عام 2018.
وبدافع مماثل، وبعد سبع سنوات على دفنهم في مقبرة بمدينة القامشلي، شمال شرق سوريا، أعادت سلافا محمد علي، 27 عاماً، برفقة شقيقتها الكبرى وزوجها، جثامين والدها ووالدتها وشقيقها إلى مسقط رأسهم في ناحية راجو بريف عفرين، في العاشر من أيار/ مايو الماضي ضمن الرحلة التي سُيّرت إلى المنطقة وضمّت أكثر من 1200 عائلة، في إطار قوافل العودة المتواصلة إلى عفرين.
بالنسبة للعائلة، لم تكن الخطوة مجرد نقل جثامين، بل “استعادة لحق معنوي وإنساني بأن يرقد أحباؤنا في ترابهم الذي عاشوا له وحنّوا إليه حتى آخر لحظاتهم”، كما وصفت علي لـ”سوريا على طول”، مضيفة أنه كان “رجوع روح لأرضها، شعرنا كأنه لم شمل صار أخيراً بين أهلنا وتراب عفرين، بين الذاكرة والمكان وبين الحنين الذي عاش معنا سنين طويلة”.
ضمن الرحلة ذاتها، نقلت عائلة محمد نور حنان، 20 عاماً، من ناحية معبطلي (ماباتا) بريف عفرين، جثمان جدته فلك بكر بكير التي وافتها المنية قبل 6 أشهر عن عمر ناهز 72 عاماً، وقد تم دفنها حينها في مقبرة بحي الهلالية بمدينة القامشلي.
قال حنان عبر تطبيق الواتس آب لـ”سوريا على طول”، إن جدته كان لديها حسرة كبيرة لرؤية عفرين قبل وفاتها وكانت دائماً تقول للعائلة: “إذا متُ هنا (القامشلي) ولم أرَ عفرين، يجب أن تأخذوا جثماني إلى عفرين حتى لو بعد مئة سنة”.
وأضاف حنان: “مع تسيير رحلات العودة إلى عفرين كان جدي يبكي دائماً ويقول: كيف سأعود إلى عفرين وفلك هنا؟ لذلك كنا مصرين على نقل جثمانها معنا”، مشيراً إلى أن بقاء قبرها في القامشلي كان سيجعل زيارته أمراً صعباً على العائلة، نظراً لأن المسافة بين المدينتين تستغرق سبع أو ثماني ساعات.
إضافة إلى الجثامين التي نقلتها عائلتا علي وحنان، تم نقل جثمانين آخرين ضمن القافلة ذاتها، ليرتفع عدد الجثامين المنقولة إلى ستة، جرى نقلها إلى قرى مختلفة في عفرين وإعادة دفنها هناك، حسبما رصدت “سوريا على طول”.

عائلات نازحة من عفرين خلال تجمعها في ساحة بمدينة ديرك، شمال شرق سوريا، بانتظار الحافلات المخصصة لنقلها إلى منطقتها ضمن قوافل العودة، 09/06/2026، (سوريا على طول/سلام علي)
سنوات من الانتظار
منذ نزوح أهالي عفرين من منطقتهم عام 2018 إثر عملية “غصن الزيتون”، دفنت بعض العائلات موتاها في توابيت خشبية رغم تكلفتها المرتفعة بينما لجأت عائلات أخرى إلى استخدام أكياس نايلون لعدم قدرتها على تحمل نفقات التوابيت، وذلك في مناطق توزعهم في القامشلي والحسكة والشهباء وحيّي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب، حرصاً على نقل الرفات وإعادتها إلى عفرين عند أول فرصة للعودة.
اقرأ المزيد: يدفنون مع توابيتهم: نازحو عفرين يتمسكون بالعودة إليها حتى لو موتى
وكان نقل الجثامين إلى عفرين متعذراً بالنسبة لكثير من العائلات آنذاك بسبب المخاوف الأمنية والخشية من التعرض للمضايقات أو الانتهاكات خلال الطريق، في ظل ما وثقته منظمات حقوقية من انتهاكات ارتكبتها فصائل المعارضة المسلحة بحق المدنيين، ولا سيما الكرد في عفرين.
بعد التغيرات العسكرية التي شهدتها المنطقة عقب سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وخروج منطقة الشهباء بريف حلب الشمالي من سيطرة وحدات حماية الشعب إثر عملية “فجر الحرية” التي أطلقها الجيش الوطني في الأول من كانون الأول/ديسمبر، وفتح الطرق بين حلب وعفرين، عادت آلاف العائلات إلى عفرين، ومع عودتهم سعى العائلات التي كانت تستقر في قرى الشهباء وتل رفعت وحي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، إلى نقل رفات ذويهم إلى عفرين خاصة بعد تعرض مقابر الشهباء التي تأوي موتى من نازحي عفرين لمطالبات بالإخلاء وتحويلها إلى أراضٍ زراعية.
قوافل العودة
ومع ابتداء تسيير قوافل العودة إلى عفرين في مارس/آذار 2026، بدأت العائلات في كوباني (عين العرب) والقامشلي والحسكة بنقل رفات موتاهم والدفن في مقابر قراهم أو في مقابر مدينة عفرين محققين بذلك وصية مؤجلة فرضتها سنوات النزوح وصعوبة الوصول.
وفي هذا الصدد، قال زانا خليل، إعلامي إدارة منطقة عفرين أنه “يحق لأي عائلة لديها متوفى خارج عفرين أن تنقل جثمانه وتدفنه في عفرين”، مشيراً أنه لا يستوجب التنسيق مع إدارة المنطقة بخصوص هذا الأمر، كونه “حالة إنسانية بالدرجة الأولى”.
حتى الآن، جرى تسيير ثماني دفعات من قوافل العودة إلى عفرين، ويُقدَّر عدد العائدين ضمن هذه الدفعات بأكثر من 15 ألف شخص، أي ما بين ثلاثة وأربعة آلاف عائلة، بحسب خليل، مشيراً أن عدداً من العائلات عاد بشكل فردي ومن دون الانضمام إلى القوافل، ما رفع العدد الإجمالي للعائلات العائدة إلى نحو ثمانية آلاف عائلة.
ووفقاً لخليل، “لم يتبقَّ سوى ما بين ألف وألفي عائلة لم تتمكن من العودة بعد، فيما عاد نحو 90 إلى 95% من أهالي عفرين إلى مناطقهم”.
وتحمل عملية إعادة الرفات بالنسبة إلى كثير من العائلات بعداً عاطفياً وإنسانياً عميقاً، وهو ما عبّرت عنه سلافا محمد علي قائلة: “الوجع كبير ولا يمكن وصفه، لكنني شعرت بسلام داخلي للمرة الأولى وكأنهم أخيراً قد ارتاحوا وعادوا إلى البيت الذي لم يغادر قلوبهم يوماً، ولم يغادروه في وجدانهم”.

سيارات محمّلة بأمتعة العائلات العائدة إلى عفرين، في مدينة القامشلي قبيل انطلاق قافلة العودة، 10/06/2026، (سوريا على طول/سلام علي)
كيف تنقل الجثامين؟
وتتطلب عملية نقل جثامين نازحي عفرين المتوفين استكمال عدد من الإجراءات، وفقاً لإبراهيم حفطارو، عضو المجلس العام لرابطة عفرين الاجتماعية في مدينة القامشلي، فبالنسبة للمتوفين حديثاً، ينبغي إبراز تقرير الطبيب الشرعي الخاص بالوفاة إلى جانب وثيقة صادرة عن الرابطة “لتسهيل عملية النقل وتجنب أي إشكالات قد تواجه العائلة على الطريق”.
أما في حالات الوفاة التي مضى عليها سنوات، فتتقدم العائلات بطلب إلى رابطة عفرين الاجتماعية للحصول على وثيقة تثبت هوية المتوفى وصلته بالعائلة ورغبتها في نقل رفاته إلى عفرين، كما ذكر حفطارو، مشيراً إلى أنه هذه الوثيقة تكتسب أهمية خاصة في الحالات التي لم يتبقَّ من الجثمان سوى الرفات أو العظام، إذ تساعد على إثبات هوية المتوفى وتجنب أي مشاكل خلال عملية النقل.
قبل نقل طفلها إلى عفرين بعدة أيام، قامت هيفا عمر نعسان باستخراج شهادة وفاة لطفلها إلى جانب ورقة من كومين الحي الذي كانت تقيم فيه تثبت نسب الطفل مع معلومات مختومة من قوى الأمن الداخلي (الأسايش) في الحسكة، كما ذكرت لـ”سوريا على طول”، كما جرى استخراج الجثمان من القبر قبل يوم من الرحلة ووضعه في تابوت جديد تمهيداً لنقله إلى عفرين.
وقبل يومين من تسيير الرحلة، توجه محمد نور حنان إلى رابطة عفرين وحصل على وثيقة تثبت وفاة جدته في المنطقة وموافقة الرابطة على نقل جثمانها إلى عفرين، وفي يوم تسيير الرحلة 10 أيار/مايو الماضي، شارك حنان برفقة خاله وجدّه وثلاثة عمّال في استخراج الجثمان.
قال حنان، “خلال عملية استخراج الجثمان، كان جدي يجلس في المكان ويراقب ما يجري، ولم يتمالك دموعه وهو يشاهد استخراج رفات زوجته”، ليتم إرسال الجثمان مع خمسة جثامين أخرى إلى عفرين، حيث كان أبناء المتوفاة وبناتها وأقاربها بانتظاره هناك، وتم دفنها في “مزار حنان” بعفرين.
أضاف حنان: “ذلك اليوم ارتاحت جدّتي ونامت في عفرين، وصارت بين تراب عفرين”.
