إخلاء عشوائيات السومرية تأخذ بعداً طائفياً وتعيد إشعال نزاعات عقارية تاريخية
إن المداهمات التي حدثت في السومرية، الضاحية العشوائية غربي دمشق، وعمليات الإخلاء العنيفة، هي جزء من قصة أعمق: نزاعات عقارية متجذرة مع بلدة معضمية الشام المجاورة، التي صودرت أراضي سكانها في عهد حافظ الأسد.
11 سبتمبر 2025
السومرية، معضمية الشام- وقفت نيرمين علي (اسم مستعار)، 41 عاماً، مع مجموعة مؤلفة من حوالي عشرين 20 امرأة وفتاة في مكان بالسومرية، ضاحية عشوائية ذات غالبية علوية غربي دمشق، في 27 آب/ أغسطس. هتفنَ وهنّ يصفقن: “نريد بيوتنا، نريد بيوتنا”، إذ كان مصير مجتمعهم متأرجحاً لعدة أشهر، قبل أن يتعرض لمداهمات بهدف إخلاء قاطنيه.
فجأة، اقترب رجل مسلّح، يرتدي لباس الأمن العام السوري، من النساء ودفع إحداهنّ أرضاً، وكذلك “دُفعت امرأة أخرى بسلاحه فسقطت أرضاً على مؤخرة رأسها، ما أفقدها الوعي ونقلت على إثرها إلى المستشفى”، كما قالت علي لـ”سوريا على طول”.
تم توثيق حادثة اعتداء 27 آب/ أغسطس بمقطع فيديو ظهرت فيه علي، وقالت منصة “تأكد”، المتخصصة بالتحقق من الأخبار والمعلومات، لـ”سوريا على طول” أنها تأكدت من صحة الفيديو.
قبل الاحتجاج بوقت قصير، اقتحمت مجموعة مسلّحة السومرية مدّعية أنها تعمل بأوامر حكومية، وأعطت السكان مهلة 72 ساعة لمغادرة منازلهم. وقد تعرض حينها رجال من الحي للضرب والاعتقال، بما في ذلك المختار، وعندما احتجّت علي ونساء أخريات قوبلنَ بعنف.
الرجل الذي تعرّض للنساء المحتجّات في ذلك اليوم “وضع السلاح بجانب وجهي وبدأ بإطلاق النار في الهواء” لبث الرعب وتفريق المشاركات في الوقفة، فقالت له “إذا كنت تريد قتلي فاقتلني، ما عاد يفرق معي”، على حد قولها.

نيرمين علي، 41 عامًا، تستعرض الفيديو، الذي التقط في 27 آب/ أغسطس، ويظهر فيه رجل مسلّح يعتدي على امرأة خلال احتجاج سكان السومرية الذي شاركت فيه، 04 /09/ 2025، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول)
مع نهاية اليوم، تعرضت العديد من منازل السومرية للنهب والسرقة، بما في ذلك منزل علي، مشيرة إلى أنها فقدت ذهباً بقيمة ألفي دولار أميركي، إضافة إلى مبلغ مالي مقداره 1.5 مليون ليرة سورية (150 دولاراً تقريباً)، عندما فتّش المسلحون منزلها، على حد قولها.
المسلحون، الذين يتبعون لشخص يدعى “أبو حذيفة”، أبرزوا للسكان وثيقة “رسمية” تأمرهم بإخلاء منازلهم، لكنها لم تحمل توقيعاً رسمياً ولا تاريخاً. بعد ذلك، قالت السلطات السورية أن مصير المساكن العشوائية سيُحسم وفقاً للقانون والقرارات القضائية. مع ذلك، فرّ العديد من السكان.
قصة علي هي جزء من تاريخ أكثر تعقيداً، فيه مظالم بحق كلا الجانبين: سكان معضمية الشام، أصحاب الأرض – التي بنيت عليها السومرية، التي وضعت الدولة يدها عليها قبل عشرات السنين – وسكان التجمع العشوائي الحاليين. وهي قصة تكررت في أكثر من مكان بسوريا.
ابتداءً من خمسينات القرن الماضي – وبلغت ذروتها في الثمانينات في عهد حافظ الأسد – صادرت الدولة مساحات شاسعة من الأراضي التابعة إدارياً لمعضمية الشام، وهي بلدة سنّية في ريف دمشق الغربي. شيدت الحكومة مساكن عسكرية على الأراضي المستملكة، فيما انتشرت حولها مساكن عشوائية، وهي السومرية حالياً.
فقدت عائلات كاملة من معضمية الشام مصدر رزقها، بعدما خسرت أراضيها الزراعية. واليوم، يسعى أحفادهم استعادة تلك الأراضي، بعد سنوات طويلة من استقرار عائلات علوية في السومرية، التي صارت موطناً لهم.
“لقد دفعنا ثمن بيوتنا”
بعد نحو أسبوع من مداهمة 27 آب/ أغسطس، ساد في السومرية هدوء يشوبه التوتر، إذ تعرضت بعض البيوت العشوائية – وهي صغيرة ومتلاصقة كأنها أبنية في مخيم مكتظ – للنهب، ومقتنياتها مبعثرة في الشوارع.
وعلى المدخل الشرقي للحي امتدت محال مهدمة، قال السكان أن قوات الحكومة الجديدة دمّرتها في الأسابيع التي أعقبت سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر الماضي.
كان الحي العشوائي يضم 15 ألف نسمة عام 2010، لكن بعد سقوط النظام، فرّ معظم السكان باستثناء الثلث تقريباً، ، كما قال رئيس المجلس المحلي لبلدة المعضمية، التي تتبع لها السومرية، أحمد إدريس لـ”سوريا على طول”.
خشي من فرّوا من السومرية أن تضطهدهم فصائل المعارضة بسبب علاقتهم – الحقيقية أو المفترضة – مع نظام الأسد، باعتبارهم من الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الرئيس المخلوع بشار الأسد، إضافة إلى أن الكثير منهم كانوا يخدمون في ثكنات النظام العسكرية القريبة بينما عائلاتهم يسكنون في الأحياء العشوائية المجاورة.
اعتقل زوج نيرمين علي في شباط/ فبراير وبقي محتجزاً 47 يوماً، من دون صدور مذكرة توقيف رسمية، بتهمة المشاركة في مجازر بلدة جديدة عرطوز المجاورة خلال الحرب، وقد أفرج عنه لاحقاً مقابل دفع رشوة بقيمة ألف دولار تقريباً، كما قالت الزوجة، مؤكدة أن زوجها كان يعمل في مخبز الثكنة العسكرية القريبة ولم يكن ضالعاً في عمليات القتل.

بقايا محل لتصليح الالكترونيات قال سكان السومرية أنه تعرّض للسرقة في 27 آب/ أغسطس، على يد أفراد مجموعة مسلّحة زعمت أنها تعمل بأوامر حكومية، 04/ 09/ 2025، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول)
يصرّ من بقي من سكان السومرية على حقهم في البقاء بمنازلهم، إذ قالت علي: “دفعنا ثمن بيوتنا بدمنا، ولم نأخذها هكذا [بالمجان]”، مشيرة إلى أنها تستأجر المنزل الذي تسكنه في السومرية منذ 17 عاماً وليس لديها مكان آخر تذهب إليه.
وتملك علي عقد إيجار موقع من مالك منزلها، الذي تعود ملكيته إليه بموجب حكم قضائي أيضاً، وفقاً لوثائق اطلعت عليها “سوريا على طول”.
ورغم أنها تملك قانونياً شقة في معضمية الشام المجاورة ولديها سند ملكية (طابو أخضر) يثبت ذلك، لكن أحد عناصر الأمن الحاليين استولى على المنزل يوم سقوط النظام، وعندما واجهته هددها قائلاً: “إنتِ وعائلتك لا تسوون طلقة”، على حد قولها.
مروان حمزة (اسم مستعار)، 61 عاماً، وهو صاحب بقالة صغيرة في السومرية، اشترى منزله في المنطقة العشوائية من مالك سابق عام 2006، بمبلغ 80 ألف ليرة سورية (1600 دولار بحسب سعر الصرف آنذاك)، وعلى عكس معظم السكان، يحوز حكماً قضائياً يثبت ملكيته، كما قال لـ”سوريا على طول”.

حكم المحكمة الخاص بمروان حمزة، الذي يقول إنه يثبت ملكيته لمنزله الكائن في السومرية، 04/ 09/ 2025، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول)
قال حمزة: “نحن لا ننكر حقوق أهالي معضمية الشام، لكن جئنا واشترينا هنا لأن الأسعار رخيصة، ولم نتمكن من الشراء في المدينة [دمشق]. لا نعرف ما هي مشاكل أهل المعضمية، إن كانت هذه أراضٍ تابعة للمحافظة”، مضيفاً: “كل ما حول دمشق مملوك للدولة، والجميع بنى بطريقة عشوائية”.
التجمعات العشوائية مثل السومرية منتشرة في أنحاء دمشق وبقية البلاد، بعضها بُني فوق أراضٍ مملوكة للدولة وأخرى فوق ملكيات خاصة خارج التنظيم، مثل الأراضي الزراعية. ومستقبل هذه العشوائيات يُعد من أكثر قضايا حقوق الملكية إثارة للجدل التي تواجه الحكومة الوليدة في البلاد، والتي لم ترسم بعد مساراً لحلها.
“المالكون الشرعيون”
أوضح رئيس بلدية معضمية الشام، أحمد إدريس، في حديثه لـ”سوريا على طول” أن من يملكون إثباتات سكن – مثل فواتير الكهرباء- سيُحمَون مؤقتاً من الإخلاء، إلى أن يتم حل النزاع العقاري عبر لجنة مؤلفة من وجهاء المعضمية والسومرية ومحامين.
من جهته، قال قال محافظ دمشق ماهر مروان إدلبي في بيان خطي بتاريخ 3 أيلول/ سبتمبر أن “الدولة السورية ملتزمة بحل هذه القضايا بعدل وشفافية، بعيداً عن التهجير والإخلاء القسري”. ولا يزال من غير الواضح من أصدر أمر الإخلاء المزعوم في آب/ أغسطس.
أضاف إدريس: “يجب إعادة العقارات إلى مالكيها الشرعيين، ويجب أن تُحل النزاعات عبر المحاكم؛ نحن أهالي المعضمية مظلومون”، مشيراً إلى أن عائلته مثل كثيرين في البلدة، صودرت منها مساحات شاسعة من الأراضي عام 1985.
وقد تقدّم مالكي أراضي في السومرية من معضمية الشام بشكوى جماعية لمجلس محافظة دمشق، طالبوا فيها باستعادة ممتلكاتهم، بحسب إدريس، موضحاً أن 85 بالمئة من أراضي المعضمية، بما في ذلك حي السومرية، صودرت من قبل الدولة.
وأضاف إدريس: “المالكون الشرعيون لهم الحق في المطالبة بالتعويض، أو الإيجار، أو بإخلاء العقارات”.
لكن العديد من أهالي المعضمية رفضوا فكرة تأجير عقاراتهم لسكان السومرية – الذين يقولون أنهم متواطئون في فظائع النظام السابق – في حال استعادوا ممتلكاتهم. في عهد الأسد، حوصرت المعضمية لأربع سنوات، وتعرضت لهجوم بالأسلحة الكيميائية عام 2013.
“أهالي السومرية متواطئون، وهم السبب في الانتهاكات التي حصلت في معضمية الشام وفي عموم الريف”، قال أحمد محمد صوان، 45 عاماً، مضيفاً: “كلهم كانوا متعاونين مع النظام المخلوع، جميعهم خدموا في السجون والفروع [الأمنية]، ومعظمهم كان على الحواجز التي قتلت الناس”.
في عام 2012، أحرقت قوات النظام كل غرف منزل صوان بمعضمية الشام عقاباً لوالده المعارض، كما اعتقل الابن بعد ذلك بوقت قصير لمدة أسبوع قبل أن يفرّ إلى السودان، ليعود في 2019 إلى سوريا. ونجت والدته البالغة من العمر 65 عاماً وأخوه من الضربة الكيميائية عام 2013 وعاشا الحصار.

أحمد محمد صوان، 45 عاماً، ووالدته ديابة صوان، 65 عاماً، يجلسان أمام منزلهما في معضمية الشام، 04/ 09/ 2025، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول)
يرفض صوان، الذي صودرت أراضي أجداده في السومرية، تأجيرها للسكان الحاليين، قائلاً: “”بيوتهم يجب أن تُهدم ويُعاد بناؤها من جديد، فهي غير صالحة للسكن”، وأضاف: “لن يقبل أحد تأجير أرضه لهم”.
تعرضت أراضي عائلة صوان لعدة جولات من المصادرة بمرور الوقت، دون أن يحصلوا على أي تعويض. وبالإضافة إلى تلك الموجودة في السومرية، خسروا أراضٍ في التلال المحيطة. قال صوان: “خلصنا من رفعت الأسد فجاء ماهر الأسد – الذي كان أسوأ- واستولى على كل التلال”.
استحضر صوان صور الحقول التي كان أجداده يعتنون بها، وهي صور لا يملكها إلا مخيلته، إذ كان من المستحيل أن يزورها، إذ: “كنا نخاف أن نطلّ على السومرية، المعروفة بتهريب السلاح والمخدرات”.
وأضاف: “قبل ذلك، كانت كل معضمية تزرع وتأكل وتشرب من التلال… تزرع الشعير والقمح”.

أحمد محمد صوان، 45 عاماً، يُظهر سند ملكية (طابو) عائلياً لأرضهم المصادرة في السومرية، 04/ 09/ 2025، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول)
حل النزاع
قال المحامي عارف الشعّال، المتخصص في قضايا السكن والأراضي وحقوق الملكية لـ”سوريا على طول” أنّ “القانون يقف طبيعياً إلى جانب سكان معضمية الشام لأن ملكيتهم مثبتة في السجل العقاري، بينما قلّة من سكان السومرية لديهم حكم قضائي يضمن حقوقهم”.
من جهته، قال المحامي علي بركات، من السومرية، إن السكان يملكون أحكاماً قضائية “ولهم الحق في البقاء في منازلهم”، لافتاً إلى أن هذه الأحكام “هي الدرجة الثانية من الملكية بعد الطابو”، والطابو سند ملكية يُصدره السجل العقاري.
وأضاف بركات: “إذا كان من حق أحدّ أن يخرجنا من بيوتنا، فهي الدولة، بما أنها الجهة المستملكة. ومع ذلك، ستقدّم الدولة تعويضاً حسب الحالة”.
إن قضية السومرية لا يمكن معالجتها من دون حل قضايا المصادرة في عموم سوريا، الموجودة في كل المحافظات، قال الشعال، لافتاً إلى أن “الفرق في قضية السومرية أنها أخذت بعداً طائفياً”.
وأوصى الشعّال بأن يعيّن المحافظ هيئة حكومية تدرس قضايا المصادرة، وأن تسمع لجميع الأطراف وتقدّم سياسات “تضمن التوازن بين حقوق الدولة والمالكين والقاطنين”.
وفيما يبقى مصير سكان السومرية معلّقاً، فإن استعادة أهالي المعضمية لأراضيهم ما تزال أحلاماً غير محققة.






