“إعادة إحياء الصدمة”: شبح الحصار والحرب يهددان كوباني من جديد
يخشى سكان عين العرب (كوباني) ذات الغالبية الكردية عودة المدينة المحاصرة من القوات الحكومية السورية إلى أسوأ ظروفها، التي عاشتها قبل سنوات، مع اقتراب انتهاء مهلة وقف إطلاق النار.
24 يناير 2026
دمشق- يعيش سكان عين العرب (كوباني) في ظروف إنسانية صعبة، ويعانون من انقطاع الكهرباء والإنترنت وسط أجواء شديدة البرودة بسبب تساقط الثلوج، إذ يقول سكان المدينة ذات الغالبية الكردية، أن القوات الحكومية السورية تحاصرهم.
“نشعر أننا تُركنا وحدنا في هذا الوضع ولا نعرف إلى أين تتجه الأمور”، قال آراس حسّو، 30 عاماً، وهو معلم لغة كردية في مدينة عين العرب (كوباني) شمال شرقي حلب.
وحتى عصر أمس الجمعة بالتوقيت المحلي، كانت القوات الحكومية السورية تتمركز على بعد نحو 30 كيلومتراً إلى الغرب والجنوب من كوباني، وكان يُسمع بين الحين والآخر أصوات إطلاق نار من مسافة بعيدة، كما أفاد مصدر يعمل في منظمة إنسانية تنشط داخل المدينة ولكنه خارجها لـ”سوريا على طول”، طالباً عدم الكشف عن هويته.
وخلال الأسبوع الماضي، تكبّدت قوات “قسد”، التي تسيطر على عين العرب (كوباني)، خسائر غير مسبوقة، عقب تعثر المفاوضات الرامية إلى دمجها ضمن مؤسسات الدولة. ومع تقدّم قوات دمشق واندلاع انتفاضات محلية قادتها عشائر عربية، انهارت خطوط “قسد” واضطرت القوات ذات الغالبية الكردية إلى الانسحاب نحو منطقتين باتتا أكثر عزلة: شمال الحسكة وكوباني.
وكان القائد العام لقوات “قسد”، مظلوم عبدي، قد أعلن أن الدفاع عن هاتين المنطقتين يشكّل “خطاً أحمر” بالنسبة لقواته.
خلال الأيام الأخيرة، تدهورت الأوضاع داخل عين العرب (كوباني)، التي تطوّقها القوات الحكومية من الشرق والجنوب والغرب، ويحدّها الشريط الحدودي مع تركيا في الشمال، وقد فرّ مدنيون من القرى المجاورة إلى المدينة، ونزلوا عند أقاربهم، أو ينامون في السيارات أو اتخذوا من المدارس والخيام مأوى لهم، وسط أجواء ثلجية باردة في شمال سوريا.
وصف عدنان حسن، 36 عاماً، وهو من سكان المدينة، ما يجري بأنه “حصار خانق”. تعاني كوباني من انقطاع التيار الكهربائي منذ عدة أيام، نتيجة أضرار لحقت بالمنشآت في سد تشرين خلال الاشتباكات الأخيرة.
وبدوره، انعكس انقطاع الكهرباء على إمدادات المياه، وتأثرت شبكة الاتصالات. كما أُغلقت جميع الطرق المؤدية إلى كوباني، لذا لا يمكن دخول البضائع إلى المدينة، التي يقطنها نحو 400 ألف نسمة، وقد أفادت مصادر بنقص حليب الأطفال هناك.
كانت المنظمات الإنسانية بانتظار موافقة الحكومة السورية، يوم الجمعة، لإنشاء ممر أو تسيير قافلة مساعدات إلى المدينة، بحسب المصدر من المنظمة الإنسانية. وفي اليوم ذاته، دعا الهلال الأحمر الكردي في كوباني الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية إلى “التدخل الفوري”.
وفي 20 كانون الثاني/ يناير، دخل اتفاق وقف إطلاق النار لمدة أربعة أيام بين قوات “قسد” والقوات الحكومية حيز التنفيذ، بهدف إتاحة الوقت لوضع خطة تفصيلية لدمج “قسد” والمؤسسات التابعة لها ضمن الجيش ومؤسسات الدولة. وقالت رئاسة الجمهورية إنه في حال التوصل إلى اتفاق دمج لاحق، لن تدخل القوات الحكومية مدينتي الحسكة أو القامشلي ريثما تُبحث خطط دمجهما مستقبلاً، على أن تسند مهمة أمن البلدات والقرى الكردية لـ”قوى أمن محلية من أبناء المنطقة”.
في أعقاب التفاهم الأخير، الذي جرى التوصل إليه بعد فشل اتفاق 18 كانون الثاني/ يناير، تكررت انتهاكات وقف إطلاق النار بين القوات الحكومية و”قسد”، وسط تبادل الاتهامات من الجانبين.
“ليست مدينة عادية”
ومع غموض فرص التوصل إلى حل تفاوضي، لجأ بعض سكان عين العرب (كوباني)، وفي مناطق أخرى من شمال شرق سوريا، إلى حمل السلاح استعداداً للدفاع عن قراهم، استجابةً لدعوات أطلقتها قيادات في “قسد” من أجل التعبئة العامة.
وقال حسّو: “أكثر ما نخشاه هو تكرار سيناريو عام 2014. كوباني ليست مدينة عادية؛ لقد قاتلت أمام أنظار العالم كله. في عام 2014، هزم المقاتلون الكرد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وأصبحت كوباني رمزاً عالمياً للحرية والمقاومة”.
وخارج سوريا، تُعرف كوباني بالحصار الذي فرض عليها لأشهر من قبل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، الذي بدأ في أيلول/ سبتمبر 2014. وخلال تلك المعركة، بنت القوات الكردية سمعتها، رغم ما خلّفته من دمار واسع في المدينة، ومقتل مئات الأشخاص، وفرار أكثر من 200 ألف مدني إلى تركيا المجاورة.
وشكّلت كوباني نقطة تحوّل في المعركة الأوسع ضد تنظيم الدولة الإسلامية، إذ انطلقت بعدها القوات ذات الغالبية الكردية – بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة – للسيطرة على مساحات واسعة من شرق سوريا، ما أدى في نهاية المطاف إلى هزيمة التنظيم في عام 2019.
ولا تزال ذاكرة الهجمات التي شنّها تنظيم “داعش” وجماعات أخرى – من بينها جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام لاحقاً)، التي كان يتزعمها آنذاك الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع تحت اسمه الحركي أبو محمد الجولاني – حاضرة في أذهان سكان كوباني والقرى المجاورة ومجتمعات كردية أخرى.
وأعرب كلّ من تحدّثت إليهم “سوريا على طول” في كوباني عن انعدام ثقتهم بالحكومة السورية الجديدة، معتبرين إياها امتداداً للجماعات التي قاتلتها القوات الكردية لسنوات، وساوى بعضهم بينها وبين تنظيم “داعش”!
وقال حسن: “كوباني تحديداً [معرّضة] للانتقام، لأنها منطقة كردية ولأن داعش هُزم هنا”، مشيراً إلى أن ثمانية أشخاص من عائلته قُتلوا على يد التنظيم بين عامي 2014 و2015، كما قُتل والده في تفجير انتحاري بشاحنة استهدف مقر الهلال الأحمر الكردي بالمدينة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2013.
من جهتها، شددت دمشق على أنها تعتبر الأكراد جزءاً لا يتجزأ من سوريا، رافضة قيام أي كيان ذي حكم ذاتي في الشمال. وخلال هذا الشهر، أصدر الرئيس أحمد الشرع مرسوماً يعترف فيه باللغة الكردية كلغة وطنية، ويحظر التمييز، ويعيد الجنسية لجميع المواطنين الأكراد الذين كانوا “مكتومي القيد”.
قال حسّو: “بصفتنا مدنيين في هذه المدينة، نعيش تحت تهديد دائم منذ أكثر من عشر سنوات، بين هجمات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والاعتداءات التركية. لذلك يمكنني القول إن الوضع غير مستقر وخطير للغاية”، مضيفاً: “نحن محاصرون بالنار من كل الجهات، ولا يوجد ممر آمن للخروج”.

سكان يمشون في شوارع موحلة بعد شراء الخبز في مدينة كوباني، الخاضعة لسيطرة “قسد”، في شمال شرق محافظة حلب، 23/ 01/ 2026، (آمريس/ سوريا على طول)
“إعادة إحياء الصدمة”
آمريس، 30 عاماً، صحفية ولدت وترعرعت في مدينة عين العرب (كوباني)، وهي من بين السكان الذين يرون في القوات الحكومة تهديداً لا يقل خطورة عن تنظيم “داعش”، وقالت لـ”سوريا على طول”، طالبة التعريف عنها باسمها الأول فقط: “نخشى أن تقع مجزرة كبيرة في كوباني. كأم، لست خائفة على نفسي، لكنني خائفة جداً على ابنتي”.
وقال توماس ماغي، الباحث في الجامعة الأوروبية والمتخصص في الشؤون الكردية: “إلى جانب التهديدات الحقيقية التي تطال سلامة المدنيين في المدينة، فإن الحصار الحالي لكوباني يحمل دلالات رمزية كبيرة. فالأحداث الجارية تعيد بوضوح إحياء الصدمة المرتبطة بهذه التجربة التاريخية لدى السكان المحليين”.
من جهته، قال حسّو: “نخشى من عصابات الحكومة السورية التي نراها امتداداً لأيديولوجيا داعش، لأننا شهدنا المجازر التي ارتكبوها بحق مدنيين أبرياء”، في إشارة إلى عمليات القتل خارج نطاق القضاء بحق العلويين في الساحل، وفي محافظة السويداء، التي شهدت وقوع ضحايا من المدنيين الدروز والبدو خلال العام الماضي.
وأضاف ماغي: “هناك مخاوف جدية من تصاعد حالات العنف المكثف ضد الأكراد في كوباني، في ظل انتشار خطاب كراهية مناهض للأكراد خلال الأيام الأخيرة”.
وخلال الأسبوع الماضي، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تُظهر ما يبدو أنها انتهاكات. وقد نشرت منصة “تأكد”، التي تركّز على التحقق من المعلومات ومحاربة التضليل الإعلامي، العديد من الفيديوهات، التي تشير إلى ارتكاب انتهاكات من كلا الجانبين.
أشارت منصة “تأكد” إلى خمسة مقاطع قالت إنها تبدو حديثة، وتُظهر تشويه جثث وإعدامات ميدانية لعناصر من القوات الكردية، لكنها لم تتمكن من التحقق من مقاطع حديثة تظهر انتهاكات بحق مدنيين كرد، كما أوضحت لـ”سوريا على طول”.
في المقابل، ظهرت مجموعة أخرى من مقاطع الفيديو تُظهر مقتل 21 شخصاً يرتدون ملابس مدنية على يد مسلح يتحدث اللغة الكردية، ويقول أن العملية “رداً [على ما يحدث] في كوباني”، مشدداً على أن أي هجوم تتعرض له المدينة سيقابل برد مماثل. وقد اعترفت “قسد” بأن الشخص الوارد في الفيديو هو عنصر ضمن صفوفها، مشيرة إلى أنه جرى استبعاده وتحويله إلى محكمة عسكرية.
وبدورها، أصدرت قيادة الأمن والشرطة العسكرية في وزارة الدفاع السورية بياناً، يوم الخميس، قالت فيه أنها رصدت عدداً من التجاوزات المخالفة للقوانين والضوابط المسلكية المعتمدة، خلال العمليات العسكرية في شمال شرق سوريا، وأنها باشرت باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين.
ضمانات “غير كافية”؟
في 17 كانون الثاني/ يناير، أصدر الرئيس أحمد الشرع مرسوماً وُصف بالتاريخي، منح بموجبه الكرد حقوقًا ثقافية ولغوية واسعة، وذلك في أعقاب اشتباكات بين القوات الحكومية وقوات “قسد”ذات الغالبية الكردية، انتهت بانسحاب الأخيرة من مدينة حلب ومحيطها غرب نهر الفرات.
ونصّ المرسوم الرئاسي على أن الكرد “جزء أصيل من النسيج الوطني السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية تشكل عنصراً لا يتجزأ من الهوية الوطنية الجامعة، المتعددة والمتكاملة”.
واعتبر عبد الباسط سيدا، الأكاديمي والرئيس السابق للمجلس الوطني السوري، أن المرسوم “خطوة مهمة وجريئة، وغير مسبوقة في تاريخ الدولة السورية الحديثة”، كما قال لـ”سوريا على طول” من مقر إقامته في السويد.
غير أن هذا الانفتاح لم يُسهم، بالنسبة لآمريس وحسّو، في بناء الثقة. إذ وصفت آمريس المرسوم بأنه “غير كافٍ”، وأشار حسّو إلى أنه “غير كاف، لأنه يقتصر على الجوانب اللغوية والثقافية فقط. نحن لا نطالب بحقوق شكلية، بل باستقلال قانوني وسياسي”. وكانت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، الذراع السياسية لـ”قسد”، قد دعت مراراً إلى اللامركزية والفيدرالية.
وأضاف حسّو: “يحاولون خداعنا بالكلام المعسول، لكننا لم ننسَ أن 14 عاماً قد مضت قدّمنا خلالها آلاف الشهداء من أجل هذه القضية، لكي نعيش حياة حرة”.
ومع اقتراب موعد انتهاء اتفاق وقف إطلاق النار، الذي ينتهي مساء اليوم، وعودة التصعيد، فإن ما تأمله آمريس وحسّو هو مخرج لا يكرّس أسوأ مخاوفهما.
وقالت آمريس: “رغم كل هذا، يريد الناس إيقاف هذه الحرب، مهما كان الاتفاق ومهما بلغ حجم التنازلات، فالناس لا يريدون سوى إنقاذ حياة أطفالهم”.
بدوره، قال حسّو: “أنا وعائلتي، بما في ذلك ابنتي سيا التي ستُتم عامها الثالث الشهر المقبل، نتوق إلى حياة آمنة مستقرة بعيداً عن ويلات الحرب. نحن لا نناشد الحكومة السورية فقط، بل نوجّه نداءً إلى العالم بأسره وإلى جميع المؤسسات والمنظمات الدولية للوقوف صفاً واحداً ضد هذه الحرب”.
من جهته، شدد الباحث توماس ماغي على ضرورة وجود “وصول إنساني مستدام إلى المنطقة، وأن يشكّل ذلك أساساً لبناء ترتيبات أطول أمداً لتقاسم السلطة”، مضيفاً: “يتعيّن على المجتمع الدولي، وبشكل عاجل، التأكد من أن الطرفين … يضعان إطاراً زمنياً قابلاً للتنفيذ للمرحلة المقبلة من تطبيق خطة الانتقال والاندماج”.
وختم بالقول: “ما سيحدث [في كوباني] خلال الأيام المقبلة من المرجح أن يشكّل تصورات الرأي العام حيال الحكومة السورية والمجتمع الدولي”.
