8 دقائق قراءة

إغلاق حراقات النفط البدائية في دير الزور يهدد اقتصاداً محلياً ساماً

بينما تغلق الحكومة السورية مصافي النفط العشوائية (الحرّاقات) في دير الزور، يواجه هذا القطاع المحلي خطر الانهيار، ومن ناحية أخرى قد يجني السكان المحليون فوائد صحية وبيئية من ذلك.


24 فبراير 2026

دير الزور- في أواخر كانون الثاني/ يناير، كان حقل العمر – أكبر حقول النفط في سوريا، الواقع في محافظة دير الزور شرقي البلاد – شبه مهجور، إذ عقب انسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، غادر الموظفون المدنيون الموقع أيضاً، ولم يبق سوى عدد قليل من عمال المصافي البدائية (الحرّاقات)، يقفون بفتور تحت شمس الصحراء الساطعة.

أثناء سيطرة “قسد”، انتشرت المصافي البدائية – التي تعمل على تحويل النفط الخام إلى مادة الديزل (المازوت) منخفض الجودة – في محيط حقول النفط في شمال شرق سوريا، التي كانت قد تدهورت بعد أن أوقفت شركات النفط الأجنبية عمليات التكرير فيها. انسحبت شركة شل البريطانية (Shell)، التي كانت تعمل في حقل العمر عام 2011 عند فرض العقوبات الدولية على نظام الأسد.

في عام 2013، سيطرت فصائل من المعارضة، من بينها جبهة النصرة والجيش السوري الحر، على حقل العمر النفطي، قبل أن يستولي عليه تنظيم “داعش” عام 2014، ثم قوات “قسد” عام 2017.

في الأيام التي تلت سيطرة الحكومة السورية الجديدة على حقل العمر، قبل ما يزيد عن شهر، كان العاملون في مصافي النفط البدائية يترقبون ما يعني التغيير الأخير في السيطرة بخصوصهم.

وقال رامي الغانم، 37 عاماً، الذي كان يدير إحدى المصافي البدائية (الحراقات)، في 28 كانون الثاني/ يناير: “لقد أوقفنا جميع العمليات وننتظر أن تصدر الحكومة تعليماتها”.

ولم يطل الانتظار حتى صدرت التعليمات. في الثامن من شباط/ فبراير، أمرت دمشق إغلاق جميع مصافي النفط البدائية في أنحاء المحافظة، مستشهدة بمخاوف صحية وبيئية. وفي اليوم التالي، احتج عمال المصافي في حقل العمر على القرار، معتبرين أنه يهدد مصدر عيشهم.

رامي الغانم، 37 عاماً، يقف أمام حراقة نفط خام كان يديرها في حقل العمر النفطي بدير الزور، 28/ 01/ 2026، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول)

رامي الغانم، 37 عاماً، يقف أمام حراقة نفط خام كان يديرها في حقل العمر النفطي بدير الزور، 28/ 01/ 2026، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول)

قال مصدر في وزارة الطاقة لـ”سوريا على طول”، شريطة عدم الكشف عن اسمه لأنه غير مخول بالحديث لوسائل الإعلام: “سوف يتم نقل المصافي غير النظامية إلى منطقة بريف دير الزور الشرقي، بعيداً عن المراكز السكانية للتخفيف من الآثار الصحية والبيئية، ثم سيتم إغلاقها بمجرد بدء عمل الشركات الأجنبية”.

وفي 15 شباط/ فبراير، أفادت تقارير إعلامية محلية ومقاطع فيديو متداولة عبر الإنترنت بأن قوات الأمن الحكومية داهمت وأحرقت عدداً من مصافي النفط البدائية في ريف دير الزور الشرقي، كما حصل في ذيبان والجرذي والطيانة، بعد أن رفض أصحابها إغلاقها.

تواصلت “سوريا على طول” مع المكتب الإعلامي في وزارة الطاقة بشأن هذه الحوادث، لكنها لم تتلق أي رد حتى لحظة نشر هذا التقرير.

وفي الأيام التي تلت ذلك، احتج عشرات من أصحاب المصافي والعمال على قرار الحكومة إغلاق المصافي البدائية (الحراقات)، وقطعوا الطرق في بلدة ذيبان.

في الشهر الماضي، سعت شركة “شل” البريطانية إلى الانسحاب النهائي من حقل العمر، وطلبت نقل حصتها في الحقل النفطي إلى الدولة السورية. ومع ذلك، تستعد دمشق لتوقيع مذكرات تفاهم مع شركات أجنبية أخرى لاستخراج واستكشاف الغاز والنفط في مناطق جديدة بشمال شرق سوريا، صارت تحت سيطرة الدولة مؤخراً.

وكذلك، أبرمت الحكومة السورية سلسلة من مذكرات التفاهم لاستخراج الغاز والنفط في أجزاء أخرى من البلاد، بما في ذلك صفقة استكشاف بحرية مفصلية مع شركة شيفرون.

يعمل فرحان مندوب، 38 عاماً، في الحراقات البدائية منذ خمس سنوات لتأمين احتياجات زوجته وثمانية أطفال. وعند سؤاله عن عمله المقبل، اكتفى بهز كتفيه قائلاً: “نحن عمال. وُلدنا عمالاً وسنبقى عمالاً، يجب عليّ تأمين احتياجات أطفالي”.

قال الغانم إنه مدين بمبلغ 300 ألف دولار، بسبب دفع أموال لـ”قسد” مقابل تشغيل 17 مصفاة بدائية في محيط حقل العمر، مضيفاً: “كل ما أطلبه هو أن تمنحنا الدولة ثلاثة أو أربعة أشهر لتغطية تكاليفنا”. وأشار إلى أنه اضطر مشاركة جزء من النفط الذي استخرجه، إذ “لكل 1000 برميل كنت أزود قسد بـ 700 برميل مازوت مكرر”.

كان الغانم يشرف على 40 عاملاً، بينهم مندوب، وكان متوسط دخلهم 300 دولار شهرياً، وهو أعلى بكثير من رواتب القطاع العام. ففي سوريا، يتراوح متوسط راتب الموظف في القطاع العام بين 120 و150 دولاراً شهرياً.

يخشى مندوب أن لا يسمح له عمله في قطاع آخر تأمين لقمة العيش لعائلته، قائلاً: “الأجر المنخفض لن يفيدني بشيء، يجب على الدولة أن توفر فرص عمل لنا، ليس لنا إلا الله وهذا العمل”.

مع توقف عمل المصافي البدائية، تواجه اقتص

فرحان مندوب، 38 عاماً، يقف أمام حراقة لتكرير النفط كان يعمل بها في حقل العمر النفطي في دير الزور، 28/ 01/ 2026، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول)

فرحان مندوب، 38 عاماً، يقف أمام حراقة لتكرير النفط كان يعمل بها في حقل العمر النفطي في دير الزور، 28/ 01/ 2026، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول)

اديات محلية كاملة خطر الانهيار. ومع ذلك، يشدد العاملون في مجالي الصحة والبيئة على ضرورة إنهاء هذه الصناعة غير النظامية والخطرة.

الآثار الصحية

في المصافي البدائية، كتلك المنتشرة في محيط حقل العمر، يُستخرج المازوت من النفط الخام عن طريق تسخينه داخل موقد أو فرن مغلق. ومع ارتفاع درجة الحرارة، تتبخر بعض الغازات الموجودة في النفط إلى أنبوب يمر عبر خزان مملوء بالماء. وعندما تبرد الغازات، تتكثف، ويُجمع المازوت في نهاية الأنبوب.

يعد إنتاج المازوت بهذه الطريقة عملاً شاقاً، ناهيك عن أنه يشكل خطراً ليس فقط على العمال بل على المقيمين بالقرب من الحراقات وعلى البيئة أيضاً. وقال الدكتور خالد وليد الحسين، مدير مستشفى “جديد بكارة” الواقع بجوار حقل العمر: “هناك أمراض تنفسية ناجمة عن انبعاث الغازات”، مشيراً إلى “وفاة أربعة أشخاص بسبب استنشاقهم غازات سامة”. وكان مندوب يعرف شخصياً ثمانية من عمال المصافي الذين ماتوا.

تطلق حرّاقات النفط غازات ضارة في الهواء: ثاني أكسيد الكبريت، وثاني أكسيد النيتروجين، وأول أكسيد الكربون، والهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات، والرصاص. وذكر تقرير صادر عن منظمة البحث PAX عام 2016: “يمكن أن تنتقل هذه المواد عبر مساحة واسعة قبل ترسبها في التربة، وقد تتسبب بآثار صحية طويلة المدى وخطيرة على البشر والحياة البرية، خصوصاً بالنسبة للأشخاص الذين لديهم مشاكل تنفسية مسبقة”.

وأضاف التقرير: “يمكن أن يؤدي التعرض طويل الأمد للمواد المرتبطة بالنفط إلى اضطرابات تنفسية، ومشاكل في الكبد، واضطرابات في الكلى، وفقر دم، وتشوهات خلقية (سُمّية قبل الولادة)، واضطرابات في النمو، والسرطان”. وتعد محافظة دير الزور من أعلى معدلات مرض السرطان مقارنة بالمحافظات السورية الأخرى.

وقال الحسين: “حاولنا في عام 2013، أثناء سيطرة الجيش الحر وجبهة النصرة، تقليل الإنتاج، لكننا فشلنا لأننا لم نستطع إيجاد بديل للناس. لجأ الناس إلى العمل بحقول النفطية لأن الاقتصاد المحلي توقف مع اندلاع الثورة”.

ورغم الثروة النفطية الكبيرة في دير الزور، كانت المحافظة مهمشة في فترة حكم الأسد، إذ تم توجيه عائدات النفط إلى أجزاء أخرى من سوريا. وحتى تحت سيطرة المعارضة وقوات سوريا الديمقراطية “لم تستفد الجزيرة [شمال شرق سوريا] من صناعة النفط، لا مستشفيات، ولا خدمات، ولا مياه صالحة للشرب”، بحسب الحسين.

“أثناء حكم جميع الجهات السابقة كان هناك تهميش، المنطقة تدفع ثمناً [صحياً] لذلك لا ينبغي أن تُهمش”، قال الحسين، مشدداً على أن تستفيد المجتمعات المحلية من استثمارات الدولة كتعويض عن الآثار الصحية والبيئية لصناعة النفط.

سائقو شاحنات، تنقل النفط من حقل العمر النفطي في دير الزور إلى المصافي في بانياس وحمص، ينتظرون شحناتهم التالية، 28/ 01/ 2026، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول)

سائقا شاحنة، تنقل النفط من حقل العمر النفطي في دير الزور إلى المصافي في بانياس وحمص، ينتظرون شحنتهم التالية، 28/ 01/ 2026، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول)

الآثار البيئية

حتى مع إغلاق المصافي المؤقتة، ستستمر آثارها على الأرض وعلى صحة من يعيشون بالقرب منها، إذ أشار تقرير PAX إلى أن “المنتجات النفطية السامة تلوث التربة والمياه، مع تأثيرات طويلة الأمد على بيئة هذه المجتمعات”.

وقالت آلاء هزاع، مديرة مديرية الإدارة المحلية والبيئة في دير الزور، لـ”سوريا على طول”: “إن التأثير على البيئة واسع ويشمل تلوث الهواء والتربة. تحتاج التربة إلى معالجة، لكن المعالجة يجب أن تسبقها دراسات. ومع ذلك، منذ عام 2011 توقفت جميع المختبرات ويحتاج الأمر إلى فرق متخصصة ومتعددة التخصصات”.

وأضاف حمد عبود الخضر، رئيس اتحاد الفلاحين بدير الزور: “تأثير الدخان على النباتات واضح جدا، إذ عندما تمتص النباتات الكربون يتأثر المحصول ويقل الإنتاج. كل منطقة ملوثة يكون إنتاجها أقل”. وفي غياب بدائل غير مكلفة، “يضطر الناس تناول الخضروات” الموجودة.

حمد عبود الخضر، رئيس اتحاد الفلاحين بدير الزور، يجلس على مكتبه في مدينة دير الزور، 28/ 01/ 2026، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول)

حمد عبود الخضر، رئيس اتحاد الفلاحين بدير الزور، يجلس على مكتبه في مدينة دير الزور، 28/ 01/ 2026، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول)

وأشار الحسين قائلاً: “الدخان يسقط على الأرض، وبالتالي تصبح الأرض سوداء، وحتى الأغنام كذلك”.

وتبقى الحلول غير واضحة في الوقت الراهن نظراً لمحدودية موارد الدولة. وقالت هزاع: “الحل متاح، لكننا لسنا سلطة تنفيذية، وإنما نلعب دور المراقبة فقط”، مشيرة إلى أن وزارة البيئة تتخذ القرارات التنفيذية.

وقال بيتر شوارتزستين، باحث في قضايا المناخ والأمن البيئي: “مجرد وجود مصافي رسمية، سواء كانت أجنبية أو سورية، سيؤدي إلى تحسن في حالة شمال شرق البلاد. الكثير من التلوث النفطي في السنوات الأخيرة كان نتيجة النزاع، مع عمال مجهزين تجهيزاً ضعيفاً وأحياناً غير مدربين بشكل كافٍ، يقومون بتكرير الوقود بأي طريقة يستطيعون”.

ولا يقتصر تكرير النفط بالطرق البدائية على دير الزور، إذ انتشرت خلال العقد الماضي حرّاقات النفط في شمال غرب البلاد الخاضع لسيطرة المعارضة أيضاً، وتسببت بآثار مماثلة على العمال والبيئة.

اقرأ المزيد: العمل السام: “حراقات النفط” شمال غرب سوريا مهنة الموت في سبيل الحياة

قال شوارتزستين: “لقد كانت شركات النفط الأجنبية عموماً أفضل – أو الأصح أنها كانت أقل سوءاً – في إدارة البيئة مقارنة بالشركات المحلية في العراق وعدد من الدول الأخرى، لأنها ملزمة بتنظيمات أشد”، مضيفاً: “غالباً ما تستطيع الشركات المحلية تقديم الوظائف والتنمية الاقتصادية كقضايا تبرر أي نوع من التدمير البيئي”.

ومع ذلك، بينما هناك احتمال بأن تتغير النتائج البيئية والصحية مع إعادة تأهيل شركات النفط الأجنبية للمنشآت النفطية الرسمية، سوف يبقى السكان المحليون باقرب بالمنشآت النفطية متأثرين بهذه الصناعة.

منشأة نفطية متوقفة عن العمل في حقل العمر، 28/ 01/ 2026، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول)

منشأة نفطية متوقفة عن العمل في حقل العمر، 28/ 01/ 2026، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول)

تشير المصادر العلمية إلى “الآثار الصحية المحتملة نتيجة التعرض لاستخراج النفط في المراحل الأولية، مثل السرطان، وتلف الكبد، وضعف المناعة، والأعراض العصبية”، بالإضافة إلى “الآثار السلبية على جودة التربة والهواء والمياه في مناطق الحفر النفطي”.

وأشار مصدر في وزارة الطاقة إلى أن الشركات الأجنبية ستكون مسؤولة عن الدراسات البيئية، ما قد يمثل تضارباً كبيراً في المصالح.

عادةً ما يُطلب من شركات النفط التعاقد مع شركة استشارية خارجية لإجراء تقييمات الأثر البيئي من أجل ضمان درجة من الاستقلالية. ومع ذلك، في الدول الضعيفة والمتأثرة بالنزاع، لا سيما في الشرق الأوسط، يكون الإشراف الحكومي محدوداً.

وقال شوارتزستين: “الوزارات المعنية بالبيئة غير متمكنة، وميزانيتها محدودة، وعندها نقص كبير في الكوادر المدربة. ومع ذلك، من الصعب أيضاً رؤية الشركات تتصرف بالصرامة المناسبة عند مراقبة مصالحها الخاصة في وقت محدودية الرقابة”.

ويبقى السؤال ما إذا كان بعض من عملوا في المصافي البدائية (الحراقات) في دير الزور سيجدون عملاً في القطاع الرسمي الذي سيحل محلهم. عبّر مندوب عن تفاؤله قائلاً: “إذا جاءت الشركات الأجنبية، سيكون الوضع أفضل، وظروف العمل أحسن والأجور أعلى”.

شارك هذا المقال