إقصاء غير معلن: كيف تعزل المواصلات العامة ذوي الإعاقة في سوريا؟
من دون مدن صديقة لذوي الاحتياجات الخاصة وسياسات تضمن حريتهم وكرامتهم، لن يكون هناك تعافٍ حقيقي ولا إعادة إعمار عادلة في سوريا.
2 مارس 2026
حمص- على عكازين، يمشي أنس عوض من منزله إلى موقف الباص القريب منه في مدينة زملكا بريف دمشق، يومياً، من أجل الذهاب إلى وظيفته في إحدى وسائل الإعلام الحكومية بالعاصمة دمشق، متحملاً ألم الإصابة وسوء المواصلات العامة، التي لا تراعي ظروف أصحاب ذوي الإعاقة.
“أعاني جداً من المواصلات العامة، لأن الحافلات قديمة ولا تراعي ظروف حالات ذوي الإعاقة”، ناهيك عن “عدم وجود مواعيد منتظمة للرحلات، وعندما يصل الباص إلى الموقف، يتدافع الناس إلى الصعود، ولا يراعون ظروفنا”، كما قال لـ”سوريا على طول”.
أما بالنسبة للسرافيس (الباصات العامة الصغيرة)، وهي المنتشرة بكثرة، لا يمكن لعوض استخدامها، إلا إذا وجد مكاناً في الكرسي الأمامي بجانب السائق، وفقاً له.
أصيب عوض في النخاع الشوكي بقصف للنظام السوري طال مدينته في عام 2015، ومن حينها يعاني إصابة حركية دائمة. يعاني 28 بالمئة من إجمالي السكان في سوريا (من عمر سنتين فما فوق) من شكل من أشكال الإعاقة، وهو ضعف المتوسط العالمي 15 بالمئة، علماً أن النسبة في سوريا عام 2009 كانت 10 بالمئة.
وارتفعت معدلات الإعاقة خلال سنوات الثورة السورية، وأيضاً بسبب زلزال السادس من شباط/ فبراير 2023، الذي ضرب شمال سوريا وجنوب تركيا، وقد بلغ عدد أصحاب ذوي الإعاقة في سوريا 2.6 مليون شخص.
وبينما تحاول الحكومة السورية الجديدة دمج ذوي الإعاقة في الوظائف العامة والمجتمع، تقف المواصلات العامة والبنى التحتية الخاصة بها عائقاً أمام هذه الشريحة الواسعة، ما يفرض العزلة عليها ويحول دون اندماجها.
“إن التحديات اليومية الحادة في التنقل لذوي الهمم، تعود إلى غياب بنية تحتية تراعي احتياجاتهم، من أرصفة غير مهيأة، وطرق غير آمنة، وغياب الإشارات الإرشادية للمكفوفين، إضافة إلى الحافلات غير المهيأة لذوي الاحتياجات الخاصة، ما يحوّل الحق في التنقل إلى معاناة مستمرة وإقصاء اجتماعي غير معلن”، قال مرعي الرمضان مدير منظمة “ديرنا نِكسِس” لـ”سوريا على طول”:
معاناة يومية
قبل أن يعود أنس عوض إلى مدينته، إبان سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، كان يقيم في مدينة غازي عنتاب التركية، حيث “المدينة مخدّمة بوسائل النقل العام، وتراعي ذوي الاحتياجات الخاصة، والسير منظم، والحافلات حديثة ومكيفة صيفاً وشتاء، إضافة إلى أنها مدعومة بتطبيقات يمكن للراكب معرفة مواعيدها”، وهذا “يسهل عملية التنقل ويمنع هدر الوقت في الانتظار”، كما قال.
أما في سوريا، لا توجد حركة منتظمة لوسائل النقل العامة، ولا أماكن مخصصة لذوي الإعاقة، ناهيك عن أن بعض السائقين لا يحترمون خصوصيتهم ولا خصوصية المكفوفين والنساء، بتحميل الحافلة ركاباً أكثر من قدرتها الاستيعابية، بحسب عوض.
يتطلب عمله في الإعلام الالتزام بالوقت أكثر من أي مهنة أخرى، ومع ذلك يتأخر عوض بعض الأحيان عن عمله، وفي أحيان أخرى يضطر ركوب سيارة أجرة (تكسي) متكبداً أضعاف أجرة الحافلة، من أجل الالتزام بموعد دوامه.
تبلغ تعرفة السرفيس ثلاثة آلاف ليرة سورية (0.25 دولاراً)، ويحتاج عوض مواصلتين للوصول إلى وظيفته أي ستة آلاف ليرة (0.50 دولاراً)، وإذا اضطر استخدام سيارة أجرة يدفع حوالي 60 إلى 70 ألف ليرة ذهاباً فقط، أي ما يعادل خمسة أو ستة دولارات.

أشخاص يتجمعون بالقرب من السرافيس (حافلات نقل صغيرة) في ساحة العباسيين بالعاصمة دمشق، 02/ 02/ 2026، (أنس عوض)
المعاناة ذاتها يعيشها محمود حداد، 49 عاماً، في حلب، وهو فاقد للبصر منذ عام 2016، حيث نقل حينها إلى تركيا لتلقي العلاج بسبب إصابة في عينيه، لكن لم تفلح محاولات الأطباء في ذلك، وبقي مع زوجته وأطفاله الخمسة هناك حتى سقوط نظام الأسد.
طيلة السنوات الماضية، لم يستخدم حداد العصا الخاصة بالمكفوفين، إذ كان يتنقل بمساعدة زوجته وابنه الكبير، ولكنه كان يلاحظ وجود رصْفٍ مخصص للمكفوفين يساعدهم في المشي على الأقدام، ويسهّل وصولهم إلى مواقف المواصلات العامة، كما قال لـ”سوريا على طول”.
عندما عاد إلى حلب، اصطدم بحجم الدمار وسوء البنى التحتية، حيث “الأرصفة المكسّرة والجور المفتوحة، والمطبات الكثيرة”، وهذا من شأنه أن يعيق حركة المشاة عموماً، وذوي الإعاقة على وجه الخصوص، وفقاً له.
بعد شهر من إقامته في حي الإذاعة بحلب، تمكن بصعوبة وحذر حفظ تضاريس المنطقة، ولا يخرج إلا بمرافقة ابنه، الذي يرشده “انتبه جورة، مطب، شجرة، سيارة تصطف فوق رصيف المشاة”، وما إن يصل حتى يكون قد تلقى من ابنه “حوالي 70 ملاحظة، بينما كان يعطيني ثلاث ملاحظات في تركيا”، بحسب حداد.
المسافة التي كان يقطعها حداد مشياً على الأقدام في تركيا بخمس دقائق تستغرق منه من 20 إلى 30 دقيقة، بسبب “الدمار في الشوارع، والقيادة الرعناء لأصحاب السيارات والدراجات”، ومنذ عودته لا يستخدم المواصلات العامة بسبب “صعوبة الحركة”، كما قال.
أشار تقرير “مركز الحوار السوري”، صدر مطلع العام الحالي، إلى أن نسبة الدمار في طرق مدينة حلب، لا سيما الأحياء الشرقية منها، بلغت 44 بالمئة، بالإضافة للإهمال واستخدام الحلول الترقيعية التي تتحول مع الوقت إلى مشكلة مزمنة.
وفي هذا السياق، قال فراس المنصور، مدير جمعية الاستجابة الطارئة، أن المواصلات العامة في سوريا تفتقر لأدنى الخدمات المطلوبة لذوي الاحتياجات الخاصة، قائلاً لـ”سوريا على طول”: “هناك عدم إدراك لهذه الفئة من المجتمع، وهذا يزيد من الصعوبات التي تواجههم”.
تراعي الجمعية التي يديرها المنصور في مشاريعها ذوي الاحتياجات الخاصة، وتضع بنداً خاصاً بهم عند إنشاء الأبنية أو المرافق الخدمية، ودورها يقتصر على المدارس فقط، كما قال، لافتاً إلى أن جمعيته تحاول زيادة الوعي المجتمعي وثقافة الاهتمام بذوي الهمم.
ودعا المنصور الحكومة السورية إلى دعم ذوي الاحتياجات الخاصة في كافة مشاريعها، بما في ذلك مشاريع الطرق والنقل.
من جانبه، رأى الرمضان مدير منظمة “ديرنا نِكسِس” في دير الزور، أنه يجب التعامل مع قضية المواصلات لذوي الاحتياجات الخاصة على أنها “قضية حقوقية وتنموية وليس مجرد مسألة خدمية”، وهذا ما تقوم به منظمته، لأن الحق في التنقل الآمن والمتكافئ والوصول إلى التعليم والعمل والخدمات العامة هو شرط أساسي للمشاركة المجتمعية.
وانسجاماً مع هذه الرؤية، تحرص المنظمة على إشراك الأشخاص ذوي الإعاقة ضمن كوادرها وفرق العمل كلما أمكن، وإتاحة الفرصة أمامهم للمشاركة في بعض المشاريع واللجان المجتمعية التي تعمل عليها، “ليس بوصفهم مستفيدين فقط، بل كفاعلين وشركاء في التخطيط والتنفيذ، بما يعزز مبدأ الإدماج ويضمن أن تعكس البرامج المنفذة احتياجاتهم الواقعية”.
الخوف من اتخاذ قرار العودة
يتابع محمد المحمد، 34 عاماً، المقيم في ألمانيا، الأوضاع الخدمية في مدينته حمص، خاصة تلك التي تراعي ذوي الاحتياجات الخاصة، كونه مصاب بشلل نصفي منذ أواخر عام 2016، إثر إصابته برصاصة من الجندرما التركية أثناء محاولة العبور إلى تركيا لزيارة أهله في مدينة أورفا.
منذ وصوله إلى ألمانيا مطلع عام 2021، يشعر المحمد باستقلالية في الحركة، لأن النظام الخدمي، بما في ذلك وسائل النقل العام ومرافقها هناك تراعي ذوي الاحتياجات الخاصة، لذا يصعب عليه العودة إلى مدينته بحسب الظروف الحالية، التي ستضطره إلى “الاعتماد على شخص مرافق”، كما قال لـ”سوريا على طول”.
“لديّ نية بالعودة إلى حمص، لكن أحتاج منزلاً مجهزاً”، ناهيك عن عدم قدرته على الخروج بمفرده باستخدام كرسيه المتحرك بسبب رداءة الشوارع وعدم توفر المواصلات العامة التي تراعي حالته، وفقاً له.
وأضاف المحمد: “في الدول الغربية تخصص رمبات (مسطحات مائلة) في الباب الأول من الحافلات والقطارات تسهيلاً لصعود الكرسي المتحرك، والأرصفة ليست مرتفعة كما هو الحال في سوريا، ناهيك عن أن صاحب الكرسي المتحرك أو العكاز يستطيع أن يسير في الشوارع بسهولة وبمفرده”.
ورغم اللقاءات الهادفة لدعم وتطوير السياسات والبرامج والمراكز التي تعنى بالأشخاص ذوي الإعاقة التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية المسؤولة عن “ذوي الإعاقة”، آخرها لقاء الوزيرة هند قبوات، مع رئيس المنظمة العربية لشؤون الأشخاص ذوي الإعاقة، نواف كبارة، مطلع الشهر الحالي، إلا أن ذوي الاحتياجات الخاصة لم يلمسوا أي تحسين لاحتياجاتهم حتى الآن، رغم مرور أكثر من عام على سقوط نظام الأسد.
حاولت “سوريا على طول” الحصول على تصريح من وزارة النقل حول خطط الوزارة الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة، لكن الوزارة اكتفت بالقول أن ما يتعلق بالمواصلات المحلية يتعلق بالمحافظات، بينما الوزارة تعنى بالطرق الرئيسية، كما قال عبد الهادي شحادة، المدير الإعلامي في الوزارة.
وسبق أن كشفت المؤسسة العامة لنقل الركاب، التابعة لوزارة الإدارة المحلية والبيئة، لوكالة لوكالة الأنباء السورية “سانا”، عن توجهها نحو تحديث منظومة النقل بشكل مستدام، عبر استيراد حافلات حديثة تعمل على الكهرباء، بالتوازي مع تجهيز البنية التحتية اللازمة لشحنها وتشغيلها، وذلك ضمن خطة وطنية للتحول نحو طاقة نظيفة ومستدامة في قطاع النقل.
ولمعرفة مزيد من التفاصيل، تواصلت “سوريا على طول” مع المدير الإعلامي في المؤسسة العامة لنقل الركاب، عمر قطان، لكنها تتلق أي رد حتى لحظة نشر هذا التقرير.
ترى إيمان حلوم، 58 عاماً، التي تعاني من تشوه بالعمود الفقري وتمشي على عكازين، أن مسألة المواصلات العامة لذوي الاحتياجات الخاصة هي أولوية، مطالبة محافظ حمص وكل الجهات المعنية العمل على “تأمين وسائل نقل تناسب ذوي الاحتياجات الخاصة، لأن هذه الفئة من المواطنين أكثر حاجة للمواصلات التي تؤمن تنقلهم بحرية وأمان”، كما قالت لـ”سوريا على طول”.
وأشارت حلوم، التي كانت موظفة في مديرية الموارد المائية بمدينة حمص قبل أن تُحال للتقاعد إلى أنها لا تستطيع “استخدام المواصلات العامة الحالية بسبب حالتي، ولا الاعتماد على سيارة أجرة بسبب وضعي المادي، لذا أضطر في كثير من الأحيان إلى المشي لوقت طويل تحت المطر أو تحت أشعة الشمس”.
وأضافت: “يجب توفير وسائل نقل مجهزة، أو تخصيص أماكن للمعاقين في الحافلات والمركبات العامة، وإنشاء رمبات للكراسي المتحركة”، إضافة إلى “تأمين رعاية صحية مجانية وتمكين النساء للعمل بمشاريع مستدامة”.
من جانبه، أشار محمد المحمد إلى ضرورة أن يكون في كل محافظة ممثلاً عن ذوي الاحتياجات الخاصة، يطالب بحقوقهم ويوصل أصواتهم للمحافظين، من أجل اتخاذ إجراءات سريعة ومتابعة تنفيذها، سواء فيما يتعلق بوسائل النقل أو البنى التحتية بما يلائم ظروفهم.
وفي هذا الإطار، شدد مرعي الرمضان على أنه “لا تعافٍ حقيقي ولا إعادة إعمار عادلة في سوريا دون مدن وقرى صديقة لذوي الإعاقة، ودون سياسات تضمن كرامتهم واستقلاليتهم وحقّهم الكامل في الحركة والحياة”.
ووجه الرمضان رسالة إلى وزارات: الإدارة المحلية والبيئة، النقل، الشؤون الاجتماعية والعمل، وإلى والبلديات والمجالس المحلية، بوصفهم الجهات المعنية مباشرة بضمان حقّ الأشخاص ذوي الإعاقة في التنقل الآمن، وإلى الجهات التخطيطية والتنفيذية كافة لاعتماد إتاحة الوصول معياراً إلزامياً في أي مشروع خدمي أو عمراني.
