8 دقائق قراءة

إلغاء الحماية المؤقتة يضع السوريين في الولايات المتحدة أمام مصير مجهول

القرار المفاجئ لإدارة ترامب بإنهاء وضع الحماية المؤقتة للسوريين ترك آلاف الأشخاص في سباق مع الزمن لإيجاد حلول قبل الموعد النهائي في 21 تشرين الثاني/نوفمبر، وهو الموعد الذي يتعيّن عليهم فيه مغادرة الولايات المتحدة طوعاً أو مواجهة خطر فقدان الإقامة القانونية


4 نوفمبر 2025

نيويورك- في 19 أيلول/ سبتمبر، كان أمير دوركي جالساً في أحد مستشفيات فلوريدا يتصفح هاتفه من الملل، عندما صادف خبراً قلب حياته رأساً على عقب، مفاده أن حكومة الولايات المتحدة أعلنت رسمياً شطب سوريا من قائمة الدول المؤهلة للحصول على “وضع الحماية المؤقتة”.

في ذلك الوقت، كان الشاب البالغ من العمر 29 عاماً يرقد في المستشفى إثر تفاقم مرض مناعي مزمن في الكبد، شُخّصت حالته لأول مرة عام 2011، عندما كان مراهقاً يعيش بدايات الثورة السورية في مدينته حمص. 

العلاج من المرض هو السبب وراء قدومه إلى الولايات المتحدة قبل 12 عاماً، ولكن عندما قرأ الخبر علم أن أمامه 60 يوماً لمغادرة البلاد.

برنامج الحماية المؤقتة هو نظام للهجرة، يتيح لمواطني الدول التي تعاني من الحروب أو الكوارث البقاء والعمل في الولايات المتحدة بعد انتهاء صلاحية تأشيراتهم الأصلية، في حال كانت عودتهم قد تعرّضهم للخطر.

ومنذ مطلع العام، وضعت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا البرنامج في دائرة الاستهداف ضمن حملة أوسع لتقييد الهجرة، فألغت وضع الحماية عن مواطنين من فنزويلا، أفغانستان، الكاميرون، نيبال، هندوراس، نيكاراغوا، وأخيراً سوريا.

وبما أنه لا يملك أي وثائق أخرى تتيح له الإقامة في الولايات المتحدة، يعد أمير واحداً من نحو ستة آلاف سوري يحملون وضع الحماية المؤقتة، ولديهم مهلة حتى 21 تشرين الثاني/ نوفمبر الحالي لمغادرة البلاد طوعاً، أو التحول إلى مقيمين غير شرعيين.

قال أمير: “حالتي نادرة، وكثر ما يخيفني في العودة هو مواجهة مشاكل صحية خطيرة في سوريا”. ففي عام 2022، أصيب بفشل كبدي كاد يودي بحياته، ومنذ ذلك الحين يعيش في قلق دائم. وأضاف: “جئت إلى هنا لأتلقى العلاج، وأخشى أن تعيدني العودة إلى نقطة الصفر من جديد”.

من حمص إلى فلوريدا

كانت رحلة أمير من حمص إلى ولاية فلوريدا الأميركية مليئة بالصعوبات. إذ شكّل تشخيص مرضه في سن السادسة عشرة بداية رحلة طويلة بحثاً عن العلاج. رافقته والدته في زيارات إلى مراكز طبية في دمشق ثم بيروت، متجاوزَين متاهة الحواجز الأمنية ونقص الكوادر الطبية، بينما كانت الثورة السورية تنزلق إلى حربٍ أهلية طاحنة.

في نهاية المطاف، أحاله الأطباء في بيروت إلى مركز طبي متخصص في ولاية فلوريدا. وصل إلى الولايات المتحدة بتأشيرة زيارة من نوع B-1/B-2 عام 2013، وتقدّم لاحقاً بطلب للحصول على الحماية المؤقتة، التي سمحت له بالبقاء بعد انتهاء صلاحية تأشيرته. أما والدته التي رافقته إلى الولايات المتحدة، فعادت إلى حمص.

على مدى نحو 12 عاماً تلت ذلك، تخرّج أمير من الجامعة وبنى حياة في الولايات المتحدة. اليوم، يقسم وقته بين إدارة مرضه والعمل في عدة وظائف جزئية، ومؤخراً افتتح مشروعه الصغير الخاص.

يشكّل الوصول إلى البنية التحتية الطبية في الولايات المتحدة شريان حياة لأمير. فهو يعتمد على أدوية متوافرة هناك للتحكم بأعراض مرضه، كما يعتمد على أطبائه في فلوريدا، الذين يعرفون أدق التفاصيل عن حالته، وبموجب ذلك يقدمون له رعاية طبية مخصصة.

لكن مع إلغاء تصنيف سوريا من برنامج الحماية المؤقتة بشكل مفاجئ، بعد 13 عاماً إدراجها ضمنه، وجد  آلاف السوريين أنفسهم أمام مستقبل غامض، كما هو حال أمير، الذي قال: “أحاول أن أعيش يوماً بيوم، لكن المستقبل يبدو غير مستقر على الإطلاق”.

تحت تأثير الخطاب السياسي

في عام 2012، تم تصنيف سوريا لأول مرة كدولة مؤهلة للحصول على الحماية المؤقتة، نظراً لـ”الاضطرابات العنيفة وتدهور الأوضاع” في البلاد، وفقاً لبيان صادر آنذاك عن دائرة خدمات الهجرة والجنسية الأمريكية، التابعة لوزارة الأمن الداخلي.

جرى تجديد تصنيف سوريا بشكل متواصل على فترات امتدت لـ18 شهراً، وخلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب بقي هذا التصنيف من دون مساس رغم محاولات إدارته سحب الوضع ذاته من عدة دول مثل هندوراس وفنزويلا. وقد أوقفت المحاكم الفيدرالية تلك القرارات في حينها، وأُعيدت تصنيفات الحماية في نهاية المطاف.

في 19 أيلول/ سبتمبر، أي قبل 11 يوماً فقط من الموعد النهائي للمراجعة الدورية الخاصة بإعادة تصنيف سوريا، أعلنت دائرة خدمات الهجرة والجنسية الأميركية إنهاء إدراج سوريا في البرنامج، وقالت الوزارة في بيان لها: “لم تعد الأوضاع في سوريا تمنع مواطنيها من العودة إلى وطنهم”. لكن بالنسبة للكثيرين، لا يوجد وطن يمكنهم العودة إليه.

وتيرة التغيرات السياسية في سوريا خلال الأشهر التي تلت سقوط نظام الأسد كانت مذهلة، لكن التقدم على الصعيد الإنساني يسير ببطء. إذ إن إعادة بناء دولة خرجت من نزاع استمرت نحو 14 عاماً تحتاج إلى وقت. المدن والبلدات ما تزال تحت الركام، والخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء تصل بشكل متقطع وغير منتظم، فيما تستمر حالة انعدام الأمن.

تشير استطلاعات الرأي إلى أن كثيراً من السوريين ينوون العودة إلى بلادهم بعد سقوط الأسد، لكن عدداً أقل منهم مستعدون لذلك في المنظور القريب. فقد أظهر استطلاع أجرته مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، في شباط/ فبراير 2025، أن 27 بالمئة من اللاجئين السوريين يأملون العودة خلال عام واحد، بينما يخطط 53 بالمئة للعودة خلال خمس سنوات. وأوضح المشاركون أن ضعف الوصول إلى السكن، والمخاوف الأمنية، وسوء البنية التحتية تشكل أبرز العوائق أمام عودتهم.

وفيما يتعلق بالنظر في طلبات اللجوء، قالت نادين الجيجكلي، وهي محامية هجرة مقيمة في أوهايو، متخصصة في قضايا الحماية المؤقتة واللجوء للسوريين، “لدى الحكومة الأمريكية أنظمة تأخذ في الاعتبار ضرورة وجود فترات انتقالية، فهناك إدراك عام بأن البلدان لا تتحسن فجأة لمجرد أن الحكومة تغيّرت”.

وعند إنهاء برنامج الحماية المؤقتة للسوريين، وصفت دائرة خدمات الهجرة والجنسية الأمريكية سوريا في بأنها تهديد خطير وفي نفس الوقت وجهة آمنة للعودة. وجاء في بيانها: “لقد كانت سوريا بؤرة للإرهاب والتطرف لما يقرب من عقدين، وليس من المصلحة الوطنية أن نسمح للسوريين بالبقاء في بلادنا”. بالإضافة إلى هذا التناقض الواضح، يعكس البيان النهج المتشدد تجاه الهجرة الذي شكّل جوهر سياسة إدارة ترامب.

“برنامج الحماية المؤقتة ليس قضية سياسية، من المفترض أن يُنظر إليه من منظور إنساني”، بحسب الجيجكلي، مضيفة: “لكن للأسف، تم الزج بسوريا في خضم الخطاب السياسي”.

يتماشى إلغاء إدارة ترامب لبرنامج الحماية المؤقتة أيضاً مع نمط عالمي جديد يتمثل في فرض مزيد من القيود على الهجرة، ما يضغط على السوريين للعودة إلى بلادهم بحجة تحسن الاستقرار فيها. فقد أوقفت النمسا وألمانيا والسويد معالجة طلبات اللجوء المقدمة من سوريين بعد يوم واحد فقط من الإطاحة بالأسد. وفي المملكة المتحدة، ألغى قرار صدر في أيلول/ سبتمبر 2025 برنامج لمّ شمل العائلات الذي كان يستفيد منه عدد كبير من السوريين.

رسالة تحذيرية بشأن "الترحيل الذاتي" معلّقة على جدار خارج قاعة محكمة فيدرالية للهجرة بمدينة نيويورك، 06/ 11/ 2025، (أ ف ب)

رسالة تحذيرية بشأن “الترحيل الذاتي” معلّقة على جدار خارج قاعة محكمة فيدرالية للهجرة بمدينة نيويورك، 06/ 11/ 2025، (أ ف ب)

تفكك سريع

يخيّم شعور “الذعر” و”القلق” على مجتمع السوريين المستفيدين من الحماية المؤقتة، كما قال اثنان من الأعضاء المؤسسين لمجموعة “المهاجرون يتحركون الآن” المعنية بالدفاع عن حقوق المهاجرين العرب، لـ”سوريا على طول” شريطة عدم الكشف عن هويتهما.

أقرّ ثمانية سوريين من أصحاب وضع الحماية المؤقتة تحدثت إليهم “سوريا على طول” بأن هذا الوضع بطبيعته مؤقت، ولم يكن يوماً ضمانة للحصول على إقامة دائمة. لكن الجدول الزمني المفاجئ لإنهاء البرنامج، الذي منحهم مهلة لا تتجاوز شهرين قبل موعد الترحيل الذاتي، دفع الناس إلى البحث عن حلول سريعة بدلاً من اتخاذ قرارات مدروسة بشأن خطواتهم التالية.

وشدّد الاثنان من فريق “المهاجرون يتحركون الآن”، وهما سوريان، على أن العودة إلى بلادهما يجب أن تكون طوعية لا قسرية. وقال أحدهما: “نحن نحب بلدنا، لكن لا يمكننا العودة إليه من دون عمل، ولا يمكننا العودة من دون مكان للعيش. المسألة مسألة وقت بالنسبة للناس”.

ومنذ 19 أيلول/ سبتمبر، تعمل المنظمة على ربط السوريين المستفيدين من الحماية المؤقتة بخدمات المساعدة القانونية والموارد اللازمة لمساعدتهم في تحديد خياراتهم المقبلة.

تفكيك حياة استقرت في الولايات المتحدة على مدى سنوات، وفي كثير من الحالات امتدت لعقد كامل، خلال شهرين فقط، يطرح تحديات هائلة وأسئلة لا إجابات واضحة لها.

خالد، الذي طلب التعريف عنه باسمه الأول فقط مثل غيره من المصادر، وصل إلى الولايات المتحدة قادماً من إدلب عام 2016 بتأشيرة طالب من فئة F-1، ثم حصل لاحقاً على وضع الحماية المؤقتة. ومنذ ذلك الحين، عمل في مجال البناء، واشترى منزلاً، ورُزق بطفلين وُلدا في الولايات المتحدة. ومنذ إعلان أيلول/ سبتمبر، يستشير محامين بشأن خياراته، مشدداً على أن العودة إلى سوريا ليست من ضمن خياراته.

منزله في إدلب لم يعد موجوداً، وولداه – أصغرهما مصاب بالتوحّد وكلاهما لا يتحدث العربية –  سوف يواجهان صعوبات كبيرة في الحصول على الرعاية والتعليم المناسبين في سوريا. 

“لقد بنينا حياتنا كلها هنا. الأمر ليس بهذه السهولة، أن تحصل على  تذكرة طائرة وألف دولار وتغادر”، قال خالد، في إشارة إلى الحوافز التي عرضتها الولايات المتحدة لأولئك الذين يختارون الترحيل الذاتي قبل 21 تشرين الثاني/ نوفمبر.

الإنهاء المفاجئ لبرنامج الحماية المؤقتة، يعني أن ليندا، المنحدرة من مدينة حماة، قد تخسر سنوات من التقدم الذي أحرزته في تدريبها على طب الأسنان في المستشفيات. فهي على بعد تسعة أشهر فقط من إكمال إنهاء برنامج الإقامة في طب الأسنان بولاية كنتاكي، لكنها تخشى أن يحين الموعد النهائي قبل أن تتمكّن من تسوية وضعها القانوني عبر صاحب عملها.

تنتمي ليندا إلى الطائفة الإسماعيلية، وتنظر بقلق إلى الأوضاع في بلدها الأم. فقد شهدت الأشهر الأخيرة موجات جديدة من العنف، شملت اشتباكات وعمليات قتل ذات طابع طائفي في الساحل السوري، الذي يقطنه غالبية علوية، وفي محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية. وقالت: “لا أعرف ما الذي سيحدث لي، أستيقظ كل يوم وأنا أشعر بالقلق”.

لا خيارات جيدة

في 21 تشرين الأول/ أكتوبر، رفع سبعة مدّعين سوريين، يمثلهم كل من مشروع مساعدة اللاجئين الدولي (IRAP) ومنظمة مسلم أدفوكيتس ومكتب محاماة خاص، دعوى جماعية ضد كريستي نوم، وزيرة وزارة الأمن الداخلي الأميركية.

تزعم الدعوى أن قرار الوزارة بإلغاء تصنيف سوريا، نظراً لقصر المهلة الزمنية و”الاستخدام المقلق” والمتزايد لـ”الخطاب العنصري” لتبرير مثل هذه القرارات، يشكل انتهاكاً لقانون الإجراءات الإدارية (APA)، الذي ينظّم عمليات صنع القرار في الوكالات الفيدرالية.

ووصفت الدعوى قرار الإنهاء بأنه “تعسفي ومزاجي ومخالف للقانون، في انتهاك لقانون الإجراءات الإدارية، لأنه يمثّل خروجاً غير مبرر وغير معلن عن عقود من الممارسات والإجراءات الإدارية المعتادة”.

ومع رفض الطعون القانونية السابقة المقدمة من مدّعين فنزويليين وأفغان على المستوى الفيدرالي، مع استمرار بعضها في أروقة المحاكم المحلية، فإن السوابق لا تبشّر بالنجاح. وقالت المحامية نادين الجيجكلي يوم تقديم الدعوى: “أعتقد أن احتمال تغيير القرار ضعيف للغاية”. ومع ذلك، فإن الطعون السابقة ساهمت في تأجيل المهل النهائية لمغادرة الولايات المتحدة.

قالت الجيجكلي أن العديد من موكّليها يسعون الآن إلى التقدّم بطلبات لجوء أو الحصول على تأشيرات عمل للبقاء في الولايات المتحدة بشكل قانوني، لكن تقييم وزارة الأمن الداخلي لتحسن الأوضاع الأمنية في سوريا لا يشكّل نقطة انطلاق جيدة لطلبات اللجوء، كما أن التعقيدات القانونية الخاصة بوضع الحماية المؤقتة تجعل من الصعب الانتقال إلى وضع قانوني آخر لغير المهاجرين من دون مغادرة البلاد أولاً.

نور، التي وصلت إلى الولايات المتحدة عام 2023 للعمل في مجال البحث العلمي وحصلت لاحقاً على الحماية المؤقتة، استسلمت لفكرة أن البقاء في البلاد لم يعد ممكناً. بدأت بتوضيب أمتعتها ورفعت على حاسوبها استمارة “الترحيل الذاتي“، استعداداً للعودة إلى سوريا والعيش مع عائلتها في دمشق.

تشعر نور بالقلق من الوضع الأمني في سوريا، لكن مخاطر البقاء في الولايات المتحدة من دون وثائق – معرّضة لخطر الترحيل القسري والمنع الدائم من العودة – أكبر من أن تُحتمل. وما يزال السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت حملات المداهمة المكثفة التي تنفذها إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) في أنحاء البلاد ستبدأ باستهداف السوريين مع حلول 21 تشرين الثاني/ نوفمبر.

وفي فلوريدا، يواصل أمير هو الآخر التفكير في خياراته، رغم أن الخيارات الجيدة تكاد تكون معدومة، قائلاً: “أنا متوتر جداً لأنني لا أعرف كيف أستمر أو ماذا أفعل لاحقاً”.

شارك هذا المقال