احتلال يتمدّد: إسرائيل تجهض عودة المهجّرين إلى القنيطرة جنوب سوريا
تعد التوغلات الإسرائيلية من أكثر العوامل تعطيلاً لعودة المهجرين إلى قراهم في جنوب سوريا، الذين وجدوا أنفسهم أمام خيارين: العودة إلى منطقة متوترة أو البقاء في المنفى بانتظار تسوية سياسية لا تبدو أنها قريبة.
15 ديسمبر 2025
في آخر اعتداء لها داخل الأراضي السورية، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، في التاسع من كانون الأول/ ديسمبر الحالي، في بلدة خان أرنبة بمحافظة القنيطرة، ونصبت حاجزاً عسكرياُ مؤقتاً، كما أطلقت الرصاص على الأهالي ما أسفر عن إصابة ثلاثة أشخاص، وهو تطور ميداني يضاف إلى سلسلة اعتداءات وتوغلات متواصلة منذ سقوط نظام الأسد، في مثل هذه الأيام قبل عام.
“ما يجري ليس مجرد تحركات عسكرية إسرائيلية [مؤقتة]، وإنما هي عمل ممنهج” يقتل آمال المهجرين السوريين، وخاصة في المناطق المحاذية للجولان السوري المحتل، بالعودة إلى ديارهم، إذ “كيف يمكن للمهجر أن يعود مع التغيرات التي تحدث على الأرض كل أسبوع”، قال العقيد المنشق عن نظام الأسد، فهد أحمد الموسى، وهو من أبناء القنيطرة.
منذ الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، بدأت الاعتداءات الإسرائيلية في جنوب سوريا، والتي توزّعت بين انتشار آليات، وتوغّل دوريات، وعمليات هدم واعتقال. وبعد مرور، لم تعد هذه التحركات حدثاً عابراً، بل تحوّلت إلى جزء من مشهد يومي، قد يرسم معالم مستقبل محافظة القنيطرة.
وصف العديد من أبناء القنيطرة التوغلات الإسرائيلية بأنها “احتلال يتمدد بصمت”، والتي تعدّ من أكثر العوامل تعطيلاً لعودة اللاجئين والنازحين إلى قراهم في الجنوب، بعد أن ظن العديد منهم أن سقوط النظام هي بداية مرحلة أكثر أمناً لهم، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام واقع أكثر تعقيداً، وأمام خيارين: العودة إلى منطقةٍ متوترة أو البقاء في المنفى بانتظار تسوية سياسية لا تبدو أنها قريبة وفق المعطيات الحالية.

علم الاحتلال الإسرائيلي مرفوع فوق بناء في محمية جباتا الخشب بريف القنيطرة، وتبدو عمليات تجريف الأشجار في المحيط، 16/ 10/ 2025، (محمد فهد)
“عودة مؤجلة”
بعد سقوط النظام السوري في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، عاد الأمل إلى كثير من أبناء القنيطرة المهجرين بالعودة إلى قراهم التي هجّرهم منها نظام الأسد قبل سنوات، لكن سرعان ما اصطدمت آمالهم بواقع ميداني جديد فرضه الاحتلال الإسرائيلي على الأرض.
تحولت المرحلة الجديدة – التي يفترض أن تكون مرحلة استقرار – إلى مرحلة عنوانها الخوف، إذ وجد المهجرون من أبناء القنيطرة أنفسهم أمام معادلة معقدة: رغبة في العودة من جهة، ومخاوف من التوغلات الإسرائيلية المستمرة وغياب الأمان من جهة اخرى.
من مكان لجوئه في ألمانيا، يتابع وسام النزيهي، من أبناء القنيطرة وخريج كلية الحقوق، أخبار منطقته بقلقٍ وحنين في الوقت ذاته، قائلاً: “منذ سقوط نظام الأسد، فكّرت جدياً بالعودة، وكنت أتخيّل أن القنيطرة ستكون أولى المحافظات التي سيعود أهلها إليها”.
“لكن ما حدث كان العكس، الاحتلال الإسرائيلي يواصل التوغلات والاعتقالات، والناس تعيش في خوف دائم”، لذا ” لا يمكن أن أعود لأضع عائلتي أمام مستقبل مجهول للمنطقة والذي أعتقد أنه سيطول”، أضاف النزيهي.

آثار الدمار الذي خلفته آليات الاحتلال الإسرائيلي بعد هدم 15 منزلاً في قرية الحميدية بريف القنيطرة، 17/ 06/ 2025، (مركز القنيطرة للإعلام)
مجرد “الشوق للبيت والأرض لا يكفي للعودة، لأننا بحاجة إلى أمان حقيقي وبيئة مستقرة. نريد أن نعيش بكرامة في أرضنا دون خوف، لكن ما نراه اليوم ونسمعه يجعل فكرة العودة مؤجلة حالياُ”، بحسب النزيهي، الذي لخص إحساس شريعة واسعة من أبناء القنيطرة في الشتات، ممن يجدون أنفسهم ممزقين بين الحنين إلى الوطن وواقع أمني غير مطمئن حتى الآن.
ديب قات، المعارض السياسي والمعتقل السابق في سجون نظام الأسد، من قرية بئر عجم، وهي إحدى القرى الشركسية في محافظة القنيطرة، كان مشاركاً في الحراك الثوري في قريته وفي دمشق وحوران، واضطر إلى مغادرة سوريا بعد التضييق عليه من الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السابق، على خلفية نشاطه السياسي.
قال قات: “إن التحركات الإسرائيلية الأخيرة في جنوب سوريا تأتي في إطار محاولاتها فرض سلام دائم بالقوة، أو انتزاع اعتراف سياسي بالأمر الواقع”، لكن “السلام الدائم يجب أن يكون مقابله استعادة الأراضي المحتلة”.
وعن محاولات إسرائيل استمالة الشركس في جنوب سوريا لصفّها، قال قات: “لدى الشركس في القنيطرة موقف واضح من الاحتلال منذ عقود. كل قرية شركسية خسرت العشرات من أبنائها في الحروب السابقة، لذلك فإن أي محاولات إسرائيلية لاستمالة الأهالي محكوم عليها بالفشل”.
وأضاف: “بعد الثامن من كانون الأول/ ديسمبر، حاولت القوات الإسرائيلية توزيع مساعدات في بئر عجم، لكنها قوبلت بالرفض، لأن الناس يدركون أن هذه تصرفات مصلحية”.
وأشار ديب إلى أن كثيراً من العائلات اضطرت للنزوح خلال المعارك السابقة بحثاً عن الأمان، وبما أن “الظروف الحالية في الجنوب ما تزال صعبة، والمنطقة تفتقد إلى الاستقرار”، فإن العديد من المهجرين “ينتظرون تحسن الأوضاع من أجل العودة”، متوقعاً أن تستغرق عودة الاستقرار والأمان “وقتاً طويلاً، وربما سنوات”.
“فكرة العودة لا تفارق ذهني يوماً، لكنها تبدو أكثر تعقيداً اليوم من أي وقت مضى”، قال العقيد فهد الموسى من مكان إقامته في أوروبا، وهو ابن القنيطرة ومنشق عن النظام عام 2012، وأضاف: “القلب لا يزال معلقاً بتلك الأرض، لكن غياب الضمانات الأمنية يجعل العودة مغامرة محفوفة بالمخاطر”.
وكغيره من أبناء القنيطرة، “عندما سقط الأسد ظننت أن الحلم تحقق، لكننا وجدنا أنفسنا أمام واقع جديد، لم يحمل التحرير المنشود، وإنما مرحلة غامضة لا نعرف نهايتها”، بحسب العودة.
وصف النزيهي العودة بأنها “حلم مؤجل، حتى يستقر الجنوب السوري، وتستعيد الدولة سيادتها على كامل أراضي القنيطرة”.
أمن مفقود
رغم مرور عام على سقوط نظام الأسد، ما زالت محافظة القنيطرة تقف على هامش التحولات الميدانية والسياسية التي تشهدها سوريا. فبينما شهدت بعض المحافظات الأخرى بوادر استقرار نسبي وعودة جزئية للسكان، بقيت القنيطرة رهينةً التوغلات الإسرائيلية المتكرّرة، التي حوّلت مشهد ما بعد الحرب إلى واقعٍ أكثر هشاشة.
بلغ عدد السوريين العائدين إلى البلاد منذ 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 وحتى 30 تشرين الأول/أكتوبر 2025 1,164,170 شخصاً، بحسب بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR).
لكن نسبة العائدين إلى القنيطرة لا تتجاوز 1.4 بالمئة من إجمالي العائدين، ما يعكس تعقيد الوضع الأمني والسياسي في الجنوب السوري، مقارنة بالمحافظات الأخرى التي شهدت استقراراً نسبياً.
وسط هذه البيئة غير المستقرّة في محافظة القنيطرة، تبدو الجهات المحلية غير قادرة على إعادة تفعيل الحياة المدنية أو تشجيع الأهالي على العودة، في ظلّ هيمنةٍ عسكريةٍ إسرائيلية متزايدة وغياب أيّ ضمانات حقيقية للاستقرار.
قال طارق مريود، رئيس بلدية جباتا الخشب، “مع سقوط النظام، وحتى قبل ذلك بأيام، بدأت إسرائيل التحرك نحو جنوب سوريا والقنيطرة تحديداً”، وبينما كان العديد من الأشخاص يفكرون بالعودة، فإن “تصاعد الأحداث والواقع الجديد الذي فرضته إسرائيل حال دون ذلك”، مشيراً إلى أن “بعض الأشخاص عادوا في زيارات قصيرة، لكن دون استقرار فعلي، ناهيك عن أن حركة البناء في القنيطرة لا تتجاوز واحد بالمئة من الذي كان متوقعاً”.
ليس المهجّرون وحدهم من تخلّوا عن فكرة العودة إلى محافظة القنيطرة, فاليوم تشهد المنطقة ركوداً في المشاريع والاستثمارات وحركة البناء، لأن التوغلات الإسرائيلية خلقت حالة شك وخوف لدى السكان والمستثمرين على حد سواء، بحسب مريود، قائلاً: “حالة التوجس المستمرة أربكت الوضع الأمني، حتى أن بعض المنظمات التي نتواصل معها ترفض العمل داخل القنيطرة بسبب التدخل الإسرائيلي، ويقتصر نشاطها فقط على أبناء المحافظة المقيمين في دمشق”.
حدّت التوغلات الإسرائيلية وحواجزها العسكرية من حركة سكان القنيطرة، بما في ذلك المزارعين، الذين لا يستطيعون في كثير من الأحيان “الوصول إلى أراضيهم”، بحسب مريود.
وبذلك، فإن الاحتلال الإسرائيلي لا يؤثر على مسار العودة فقط، وإنما على مسار إعادة الإعمار والاستمرار، وبالتالي فإن “أي حديث عن عودة فعلية لأبناء القنيطرة يبقى مرهوناً بزوال الخطر الإسرائيلي واستقرار الوضع الأمني في الجنوب السوري”، وفقاً لمريود.
وحذر العقيد الموسى من أن ما يجري اليوم أكبر من مجرد تحركات ميدانية، وإنما “سياسة ممنهجة ترمي إلى تهجير من نوع جديد”، لافتاً إلى أن “نقاط الاحتلال تتوسع على الأرض”، بينما “يواجه السكان صعوبات في العودة والبناء والزراعة”.
احتلال يتمدّد
شهدت غالبية المحافظات السورية احتفالات واسعة في الذكرى السنوية الأولى لسقوط النظام، متفائلين بحياة أفضل في سوريا جديدة، لكن في القنيطرة لم تتحول لحظة “التحرير” إلى بداية جديدة كما حلم الناس بها، وإنما فتحت الباب أمام احتلال جعل من الجنوب السوري ساحة توتر مستمرة.
وتوقع أهالي القنيطرة أن تحمل زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة ولقائه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، الاستقرار لجنوب سوريا، خاصة أن الأخير أشار إلى أن إدارته “راضية جداً” عن أداء الشرع، محذراً في الوقت ذاته إسرائيل من اتخاذ أي إجراءات قد تعرقل مسار الانتقال السياسي في سوريا.
ومع ذلك، واصلت إسرائيل توغلاتها على الجنوب السوري، وهذا يؤكد على أن “العودة إلى القنيطرة لن تتحقق إلا بسيادة وطنية حقيقية تضمن الأمن لكل السوريين، لا بمساومات سياسية أو اتفاقات مؤقتة”، قال العقيد الموسى، لذا “يجب أن تعود قوات الاحتلال إلى خط وقف إطلاق النار لعام 1974، وأن تبسط الدولة سلطتها على كامل الأرض”.
تم إعداد هذا التقرير ضمن مشروع ينفذه المركز السوري للإعلام وحرية التعبير بدعم من منظمة اليونسكو، وبإشراف الأستاذة ميس قات. يعبّر التقرير عن رأي الكاتب/ـة فقط.
