6 دقائق قراءة

“الأرامل” في مخيمات الرقة العشوائية: ظروف قاهرة واستجابة لا تلبي احتياجاتهنّ

رغم استهداف المخيمات العشوائية في محافظة الرقة، شمال شرق سوريا، ببرامج المنظمات الإنسانية، إلا أن الاستجابة لا تلبي الاحتياجات الحقيقية، لا سيما لـ"الأرامل" اللاتي فقدن أزواجهنّ.


3 سبتمبر 2024

الرقة- على بعد 2 كيلومتراً من مدينة الرقة في شمال شرق سوريا، تسكن يازي الكرطان، 39 عاماً، رفقة أطفالها الأربعة في خيمة نصبتها في مخيم “اليوناني” العشوائي، الواقع على الضفة اليمنى لنهر الفرات، مستخدمة أكياس القنّب (الخيش).

تعيش الكرطان في المخيم -الواقع ضمن مناطق نفوذ الإدارة الذاتية- منذ عام 2017، بعد أن قتل زوجها في غارة جوية للنظام، أثناء محاولات الأخير السيطرة على أجزاء من البادية السورية في ريفي الرقة وحماة، بالتزامن مع معارك طرد التنظيم، التي شنتها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بدعم من التحالف الدولي التي تقوده الولايات المتحدة.

يعيش في مخيم “اليوناني”، الذي سمّي بهذا الاسم نسبة لوقوعه بجانب “مطعم اليوناني”، 244 عائلة، ينحدرون من مناطق الرصافة في ريف الرقة الجنوبي، والزملة والسخنة في ريف حمص، الخاضعة لسيطرة النظام السوري، اتخذ من المكان مخيماً لهم بعد أن تعرضت منازلهم للتدمير، بحسب إحصائية شاركتها لجنة الشؤون الاجتماعية والعمل في مجلس الرقة المدني، التابع للإدارة الذاتية، مع “سوريا على طول”.

بينما العائلات في أمسّ الحاجة للمساعدات العينية والمادية، تستهدف بعض منظمات قاطني المخيم بـ”دورات الدعم النفسي، وأحياناً بالبطانيات، وهي لا تسد جوعنا، نحن بحاجة لمواد غذائية”، قالت الكرطان لـ”سوريا على طول”، مشيرة إلى أنها لم ترَ أي منظمة منذ أكثر من عام، حينها “وزعوا اسفنجات وبطانيات على النازحين”.

الكرطان واحدة من عشرات الأرامل في المخيمات العشوائية بمحافظة الرقة، اللاتي يفتقدن لمعيل ينفق عليهنّ، كما يفتقدنَ لأي جهة رسمية أو تجميع يمثلهنّ ويهتم بدعمهنّ، ناهيك عن “تراجع دعم المنظمات الإنسانية العاملة في المنطقة”، كما اشتكت العديد منهنّ لـ”سوريا على طول”، بالتزامن مع تدهور الظروف المعيشية في سوريا، التي زاد من تأثيرها انهيار العملة المحلية، التي وصلت إلى 14,650 ليرة للدولار الواحد بحسب سعر الصرف في السوق السوداء.

فوق ذلك، تعاني المخيمات العشوائية في الرقة، كما هو الحال في عموم مناطق سيطرة الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، من إهمال المؤسسات الرسمية، وتراجع استهداف المنظمات للنازحين منذ عام 2022.

حتى عام 2022، كانت المخيمات العشوائية تلقى اهتماماً ودعماً من المنظمات غير الحكومية المتواجدة في شمال شرق سوريا، وكانت تستهدف النازحين بـ”مساعدات نقدية وغذائية”، وتوزع عليهم الخيام، وبعد ذلك تقلّص عملها، وصار دورها أشبه بـ”المبادرات الصغيرة”، اتي تزود النازحين بمواد ثانية وغير مستقرة، مثل مياه الشرب، البطانيات، وجلسات الدعم النفسي، التي تستهدف أعداداً قليلة وتركز على الأطفال بالدرجة الأولى، بحسب عدة مصادر تحدثت لـ”سوريا على طول”.

يوجد في الرقة نحو 53 مخيماً عشوائياً يقطنها أكثر من 150 ألف شخص من مدن ومحافظات سورية مختلفة، غالبيتهم يعيشون في هذه المخيمات منذ عام 2017، حيث كانت المعارك ضد “تنظيم داعش” في ذروتها.

تداعيات تراجع الدعم

تعمل يازي الكرطان في الأراضي الزراعية بمنطقة الكسرات، جنوبي مدينة الرقة، بمعدل ست ساعات يوميا، مقابل 36 ألف ليرة سورية (2.50 دولار) في اليوم، وهو عمل لا يحقق لها الاكتفاء الذاتي لأنه عمل موسمي غير مستقر، على حد قولها.

وكذلك، يعمل اثنان من أبنائها، الأول 12 عاماً، والثاني تسعة أعوام، في جمع النفايات، كما قالت الأم، مشيرة إلى أنهما يتوجهان إلى مدينة الرقة في الصباح الباكر “يجمعون علب المشروبات الغازية والنايلون، ويعودون بها إلى المخيم، وفي كل أسبوع يبيعون ما تم جمعه لتاجر يتعاملون معه”.

أما أكبر أبنائها، 15 عاماً، وأصغرهم، ابن الست سنوات، يعانيان من مرض “الثلاسيميا” وهما بحاجة لـ”نقل دم  بشكل دوري”، قالت الأم وهي تفرك يديها، ثم واصلت “لولا أنني كنت معهما من أجل نقل الدم لهما لما وجدتموني في خيمتي”.

ترك تراجع دعم المخيمات العشوائية النساء الأرامل في “أزمة”، خاصة بالنسبة للواتي يعلنَ أطفالاً مرضى، كما في حالة الكرطان، التي تنهدت ثم قالت بنبرة لا تخلو من العتب “تعبتُ من ظروف المعيشة، همنا قوت يومنا، ونركض من أجل الكفاف”.

رغم كل معاناتها وتضحيتها من أجل أبنائها، تشعر الكرطان بالتقصير تجاههم، قائلة: “أعلم أنني مقصرة في حقهم ولكن هذه طاقتي”.

ويبدو على الكرطان القلق من دخول فصل الشتاء، لأن عملها يتراجع فيه، ويصبح هذا الفصل عبئاً إضافياً يضاف على أعبائها كنازحة ومعيلة لأبنائها، ناهيك عن التكاليف الإضافية المترتبة عليها بشأن ولديها المريضين.

سيدة تغسل ملابسها يدوياً في مخيم "اليوناني" العشوائي بريف الرقة، (سوسن جبارة/ سوريا على طول)

سيدة تغسل ملابسها يدوياً في مخيم “اليوناني” العشوائي بريف الرقة، (سوسن جبارة/ سوريا على طول)

يعاني نحو 12 مليون نسمة في سوريا من انعدام الأمن الغذائي الغذائي، ويواجه 2.9 مليون آخرون خطر الإنزلاق إلى الجوع، بحسب تقرير صادر عن الأمم المتحدة العام الماضي. ويعدّ قاطنو المخيمات العشوائية من الشريحة الأكثر معاناة.

في مخيم “المقص” العشوائي، الذي يبعد نحو ستة كيلومترات عن مدينة الرقة، تعيش حليمة الحميدي، 54 عاماً، وهي نازحة من بلدة مسكنة في ريف حلب الشرقي، منذ عام 2017، وتعاني من ظروف إنسانية صعبة. 

فقدت الحميدي زوجها في غارة جوية من النظام على مسكنة، عام 2016، بعد سيطرة تنظيم “داعش” على البلدة، وتقف عاجزة عن إعالة أطفالها الخمسة، لا سيما أن أحدهم بحاجة لرعاية خاصة، كونه مصاب بمرض تسارع ضربات القلب (خفقان القلب)، وهو بحاجة لإبرة بشكل دوري، سعرها 150 ألف ليرة (10 دولارات).

تقف الحميدي مكتوفة الأيدي أمام حالة ابنها المرضية، لأنها غير قادرة على الذهاب به إلى دمشق لعرضه على الأطباء هناك، لذلك تكتفي بشراء الوصفة التي أعطاها إياها طبيب من الرقة، وفي بعض الأحيان تعجز عن “تأمين ثمن الدواء”، كما قالت لـ”سوريا على طول”.

عندما تعجز الحميدي عن تأمين ثمن الإبرة، تضطر إلى “رهن هويتي عندي الصيدلاني ريثما أدفع له ثمنها”، وأحياناً تجمع المبلغ “من فاعلي الخير، أو لقاء عملي في الأراضي الزراعية”، إذ تعمل في جني المحاصيل الزراعية، وحالياً تعمل في “قطاف الملوخية، مقابل 30 ألف ليرة سورية (دولاران) لكل مئة كيلو غرام، على حدّ قولها.

دور المنظمات

تنشط منظمات المجتمع المدني المحلية في مناطق سيطرة “قسد” شمال شرق سوريا، لا سيما محافظة الرقة، التي تشهد حركة نشطة للمنظمات، لا سيما في برامج الحماية والدعم النفسي التي تستهدف مناطق سيطرة “داعش” سابقاً، لكن في كثير من الأحيان يجد سكان المخيمات العشوائية أنفسهم على هامش اهتمام المنظمات، أو أن البرامج التي تستهدفهم لا تلبي “الاحتياجات الملحّة”، وفقاً لعدة مصادر تحدثت لـ”سوريا على طول”.

تأمل حليمة الحميدي أن يتواجد في المنطقة منظمات إنسانية تعنى بأمور “الأرامل”، اللاتي يعانين من ظروف صعبة، وتساعدهنّ في تأمين جزء من مصاريفهنّ الشهرية، مشيرة إلى أن خيمتها “تحتاج إلى تبديل” لأنها مهترئة “وهذا يقع على عاتق المنظمات العاملة في المنطقة” على حدّ قولها.

وتراكم على الحميدي ديون بقيمة ثلاثة ملايين ليرة (205 دولارات) وهي غير قادرة على سدادها للدائنين ما لم يكون لديها عملاً ثابتاً يؤمن لها دخلاً جيداً، لذلك ترى أن الحل بالنسبة لها في “تعلم مهنة جديدة، أو الحصول على مبلغ لتأسيس مشروع صغير”، وهذا لا ينجح من دون “الحصول على دورات مهنية ووجود منظمات تدعم هذه المشاريع لتؤمن لي دخلاً مستداماً”.

تعيش هاجر البليخ، 38 عاماً، ظروفاً مشابهة، وهي التي فقدت زوجها بعد أشهر من نزوحهم إلى مخيم “المقص”، عام 2017، نتيجة إصابته بمرض السرطان، ومنذ ذلك الحين “أنا المعيلة الوحيدة لأطفالي”، كما قالت لـ”سوريا على طول”.

تنحدر البليخ من مدينة معدان بريف الرقة، الخاضعة لسيطرة النظام السوري، وتعمل موظفة في إحدى رياض الأطفال، التابعة للإدارة الذاتية، منذ عام تقريباً، مقابل راتب شهري مقداره مليون وخمسة آلاف ليرة (68 دولاراً تقريباً)، بعد أن عملت لسنوات كعاملة في الأراضي الزراعية بنظام الساعة، كما هو حال يازي الكرطان.

تُعيل البليخ خمسة أطفال، أكبرهم عمره 13 عاماً، ويعاني أحدهم من مشكلة في السمع وآخر في النظر، بينما الثالث يعاني مشاكل في النطق، ولكنّ الأم بالكاد تؤمن مصاريف العائلة الأساسية على حساب الرعاية الطبية، التي تقف عاجزة أمامها.

واتفقت البليخ مع الكرطان والحميدي في ضرورة وجود منظمات تعنى بشكل أساسي في هموم “الأرامل” واحتياجاتهن، على حد قولها. تواصلت “سوريا على طول” مع شؤون المنظمات في مجلس الرقة المدني، للاستفسار عن أسباب تراجع دعم المخيمات العشوائية وإيصال أصوات السيدات في هذه المادة، لكنها لم تتلق رداً حتى لحظة نشر هذا التقرير.

“تمرّ علينا أيام لا نأكل فيها إلا الخبز والشاي”، قالت الكرطان، مناشدة أن تتحرك المنظمات والجهات المعنية لتلبية احتياجاتنا أو على الأقل “تأمين علاج أطفالي”.

شارك هذا المقال