4 دقائق قراءة

“الأرض لمن يستثمر بها”.. مستقبل ملكية الأرض في سوريا

هل أصبح شعار الأرض لمن يعمل بها بالياً وقديماً وغير صالح للاستعمال في سوريا الجديدة بعد عقود من تطبيقه؟


29 سبتمبر 2026

لم تكن الوقفة الاحتجاجية التي نظّمها مُلّاك الأراضي القدامى في معضمية الشام أو الرقة قبل أيام، أول أشكال الاعتراض على القرارات الحكومية الخاصة باستثمار الأراضي، ولن تكون آخرها. فالفترة القادمة التي تشهد أعمق التحوّلات المستمرة منذ خمسين عاماً في السياسات الزراعية السورية، ستعيد تعريف ملكية الأراضي، ومفهوم التنمية الزراعية، وموقع الفلاح نفسه انطلاقاً من الاستثمار في الأرض.

في شباط/ فبراير العام الجاري، أعلنت وزارة الزراعة عن سياسة تتلخّص في “التنمية الريفية، تطوير الإنتاج النباتي وتحسين البذار، تطوير الثروة والصحة الحيوانية، الاستخدام المستدام للموارد الطبيعية، الإرشاد الزراعي، المكننة ونظام المعلومات، التكيف مع التغيرات المناخية، التركيز على المشاريع النوعية”. يأتي الإعلان وسط مساعٍ حثيثة لجذب استثمارات أجنبية بهدف “المساهمة في إعادة إحياء القطاع”، في حين تشير بيانات الشركات المرخصة خلال العامين الأخيرين إلى تأسيس قرابة 25 شركة زراعية فقط، تغلب عليها صفة “محدودة المسؤولية” برأسمال صغير محلي، ويتركز نشاطها في القطاعات الخدمية الداعمة للزراعة، مثل استيراد اللوازم وتجارة العقارات وبنائها، بينما لا يزيد عدد الشركات الحقلية المخصصة للاستثمار الزراعي المباشر على بضع شركات، ما يكشف صعوبة اجتذاب استثمار زراعي في بيئة غير مواتية وموارد مائية شحيحة.

تاريخياً، لم تكن تجربة السوريين مع الاستثمار الزراعي في حقبة ما قبل الاشتراكية مبشّرة؛ إذ اقتصر التحديث إبان الطفرة الزراعية في الأربعينيات والخمسينيات الليبرالية على إحلال محرك الديزل ومضخة المياه محل الغرّاف والسطل، والجرّار الزراعي محل حيوان الجر، ضمن ما يُعرَف بالمكننة البسيطة. واستعاض المستثمرون آنذاك بالتوسع الأفقي لزيادة المساحات المزروعة عوضاً عن رفع الإنتاجية التي ظلت تراوح بين خُمس إلى ثلث مثيلاتها في الدول الأوروبية وفق المتاح من بيانات تلك المرحلة. رافق ذلك عوائق هيكلية تماهت معها الشركات الزراعية وما دار في فلكها، شملت الشراكة الفاسدة مع أجهزة الدولة، والإفلاس، والاقتراض المفرط، وإنهاك التربة، والاستيلاء على أملاك الدولة، والنزاعات الدامية، وتهجير الفلاحين كما حلّل محمد جمال باروت في دراساته. غير أن تضافر عوامل كزيادة الطلب العالمي على القطن حينها، وما تلاه من تأميم للشركات، أضفى على تلك الحقبة هالة أسطورية في الذاكرة السورية غطت على إخفاقاتها.

وخلافاً للاعتقاد الشعبي الشائع، أوقف حافظ الأسد -وفق حنا بطاطو- عملية تفتيت الحيازات الكبيرة؛ العملية التي تبدو بنظرة استرجاعية، أداة لسحق طبقة اجتماعية وقفت وقتها في وجه البيروقراطية العسكرية الصاعدة. وكانت مفاعيل هذا التفتيت قد بدأت مع قوانين الإصلاح الزراعي أثناء النظام الوحدوي مع مصر، ثم استكملها الجناح الراديكالي في ستينيات البعث السوري الذي انقلب عليه حافظ الأسد في اقتصاده السياسي (عقب الانقلاب العسكري)، واضعاً البذرة الأولى لمعادلة الدولة السلطوية والاقتصاد المنفتح على القطاع الخاص في المدينة، وعلى المستثمرين الزراعيين في الريف. ومع ذلك، ورث الشعار الذي أرسته الأنظمة السابقة “الأرض لمن يعمل بها”، رغم إفراغه من محتواه وتحوله إلى مفارقة ساخرة في ظل تبدل الظروف الاقتصادية والمزاج العام والبنية القانونية.

منذ منتصف الثمانينيات، وبالتزامن مع التراجع المُطّرد لقوة الكتلة الاشتراكية العالمية، برزت حاجة السلطة الماسة إلى تقنين الاستثمار الزراعي ضمن سياق تحرير اقتصادي موجَّه ومتدرج، ولكن من دون التخلي عن الرقابة والقبضة الأمنية. وهذا ما تجلّى في المرسوم التشريعي رقم 10 الذي جاء مراعياً للاقتصاد السوري الموجَّه، وترجمه بتأسيس شركات زراعية “مساهمة مغفلة” برأسمال مشترك بين القطاعين العام والخاص، ساهمت وزارة الزراعة بربعه عبر تقديم الأراضي والتسهيلات الإدارية. لكن التجربة فشلت لأسباب تتعلق بشح التمويل الخاص وعدم كفاية القروض، غير أن هزال البيروقراطية كان العامل الحاسم في هذا الإخفاق، من خلال تشتيت الأراضي المقدمة للاستثمار وافتقارها للخدمات، وعرقلة القروض اللازمة لإحيائها من جهة، ودفع الشركات نحو أغراض الربح السريع بالتجارة والتطوير العقاري من جهة أخرى. وقد ظلت تَرِكَة المرسوم في شركة “غدق” آخر شاهد على تجربة الشركات في ظل الاقتصاد المخطط، قبل تصفيتها وحلّها قبل عامين من الآن.

جرت تصفية شركة “غدق” إثر صدور القانون رقم 40 لعام 2023 الذي حاول استدراك الخلل في المرسوم رقم 10، فاشترط عودة أراضي الدولة إليها في حال انحلال الشركة، وربط الإعفاء الضريبي بلوازم الزراعة. غير أن القانون صدر في ذروة تفكُّك مؤسسات الدولة، وبعد تراكم خسائر في القطاع الزراعي قُدّرت بعشرات مليارات الدولارات، أُضيفت إلى ظروف ما قبل الثورة -التي ضاعفت أثر التحوّل المتزايد نحو الاقتصاد النيوليرالي ورفع الدعم عن المحروقات- كالجفاف الذي شرّد سكان مئات القرى، وتزايد تفتيت الملكية الزراعية بالتوريث والزحف العمراني، وتملّح الأرض، وسط انخفاض مستمر لمساهمة الزراعة في الناتج المحلي، وتفضيل رأس المال للاستثمار السريع العقاري والتجاري.

 تبدو شركات اكتفاء وغراس والخضراء ذات التراخيص الاستثنائية، خرقاً لهذا التوجُّه الاستثماري العام؛ إذ تمتلك الفاعلية الميدانية وتتبنى التبشير “بالزراعة الذكية”، وتحظى بالتسهيلات الحكومية التي تدفع باتجاه إعادة تجميع الأراضي بيد المستثمرين. يترافق هذا الصعود مع التخلي الحكومي النهائي عن الدعم الزراعي وفق معلومات متقاطعة من المنطقة الشرقية، تفيد بتوقُّف الكثير من مضخّات الجمعيات الفلاحية عن العمل، واستنكاف مديريات الزراعة عن إصلاحها أو دعمها بالمحروقات. وبينما ينتظر الفلاحون وصول التيار الكهربائي عبر “خط الخدمة” لإعادة الضخ، يصطدمون بارتفاع أجور التشغيل بحدود عشرة أضعاف، وقفزة هائلة في بَدَلات استثمار أراضي الدولة التي تجاوزت ثمانين ضعفاً.

يفضي هذا المسار -في جملة ما يفضي إليه- إلى حتمية عجز الحيازات الزراعية الصغيرة والمتوسطة عن الصمود طويلاً أمام زحف الاستثمار العقاري، وإغراء البيع بأسعار فلكية لم تكن يوماً في حسبان أصحابها (كما شهدت إدلب خلال السنوات الأخيرة). ويؤشر كذلك إلى تخلٍّ تدريجي عن أراضي الدولة المستأجرة أو إفراغها بحكم الأمر الواقع، عبر التناقضات الاجتماعية العرقية والطائفية، واستمرار هجرة الفلاحين نحو المدن بحثاً عن عمل أجدى من الزراعة، في إكمال لمشهد انهيار نمط الإنتاج الزراعي الذي شكلت الحرب مسرّعاً عنيفاً له، مما يضع الحكومة أمام أزمة تأمين محاصيل غذائية تعجز الشركات المقرَّبة منها توفير حتى جزء يسير منها، بالتزامن مع تراجع المساعدات الخارجية، وتصاعد الانتقادات للوضع “ما فوق القانوني” لتلك الشركات.

تكشف هذه التحوّلاتُ المآلاتِ العميقة التي سيذهب بها الاستثمار الزراعي السوري عاجلاً أم آجلاً؛ وتتمثّل في خلق بيئة قانونية استثنائية لشركات زراعية عملاقة غير موجودة الآن، ستحوز -لسد العجز الغذائي- على تسهيلات إدارية، وتفضيلات خدمية، وتخصيص للموارد، واقتطاعات توسع نطاق استعمالها الأراضي، وصولاً إلى نقل ملكيتها لمستثمرين أجانب يملكون الرساميل والخبرات الكافية لاستخدام أصناف عالية الإنتاجية. كل هذا التكيّف سيبقي بند “التنمية الريفية” في السياسات الزراعية مجرد حبر على الأوراق الحكومية، لأن المآل للواقع المأساوي متقاطعاً مع التوجُّه المتسارع نحو الاقتصاد السياسي الليبرالي، سينتج “سياسات زراعية بلا فلاحين“ على خُطى النموذج المصري الحالي، مرسّخةً واقعاً يتحوّل فيه الفلاحون إلى عمال مياومين في أطراف المدن، أو أجراء زراعيين من دون ملكية أو قدرة على المنافسة.

شارك هذا المقال