التريمسة: قرية وادعة تنهض من جديد بعد عودة الآلاف إليها
في التريمسة، القرية الوادعة بريف حماة الشمالي، ذات الماضي الدامي، عاد آلاف السكان المُهجرين إلى ديارهم. وبعد أن اجتمعوا مجدداً مع أصدقائهم القدامى، بدأوا العمل على إعادة بناء مجتمعهم ومداواة الندوب القديمة
7 أغسطس 2025
التريمسة- أثناء القيادة من شرق مدينة حماة إلى جبال الساحل السوري، يتحول غبار الصحراء الجافة تدريجياً إلى اخضرار، وعلى امتداد الطريق المتعرج تلوح في الأفق من بعيد قرية تعتلي تلة.
يتراءى القادمين إلى القرية ينابيع صافية تتدفق منها مياه الشرب، وتمتد مظلةٌ من أشجار الخوخ والرمان على مدّ النظر، وبركة ماء مليئة بالأسماك، والعصافير تغرّد فوق الرؤوس في يوم صيفي صافٍ.
هذه هي التريمسة، القرية الوادعة، المفقودة ثم المستردة لآلاف السكان، الذين عادوا حديثاً بعد سنوات من النزوح في مخيمات مكتظة. وبعد أن اجتمعوا مجدداً مع أصدقائهم القدامى، بدأوا العمل على إعادة بناء مجتمعهم ومداواة الندوب القديمة
تخفيفاً من وطأة حر الظهيرة، يتمدد بسام الجاسم، 40 عاماً، واثنين من أصدقائه المقربين، على البلاط ويتكئون على الوسائد، وهم يرتشفون القهوة وينفثون دخان سجائرهم، ويتبادلون الضحكات والنوادر، مستحضرين ذكريات الماضي، ويتحدثون عن المستقبل الذي يحلمون فيه.

بسام الجاسم (يسار)، ممدوح الصطوف (وسط)، ولؤي سوتل(يمين)، يتبادلون القصص في منزل الأخير بقرية التريمسة في ريف حماة الشمالي، 19/ 07/ 2025، (هانا ديفيس/ سوريا على طول)
غالبية سكان التريمسة البالغ عددهم 14 ألف نسمة فرّوا عقب المجزرة التي وقعت في 12 تموز/ يوليو 2012، وتفرّقوا في كل الاتجاهات. إذ تصاعدت الاحتجاجات ضد نظام الأسد البائد في القرية التي كان يتواجد فيها مقاتلو الجيش السوري الحر (المعارض).
يتذكر جاسم ذلك اليوم قائلًا: “قبل طلوع الشمس، وجدنا أنفسنا محاصرين فجأة من كل الجهات بالدبابات وكثير من الجنود”. على مدى أربع ساعات، قصفت مروحيات الأسد ودباباته القرية، ومن ثم اقتحمتها قوات برية وميليشيات موالية له، ونفذت عمليات إعدام ميدانية.
وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 67 مدنياً في التريمسة ذلك اليوم، بينهم ستة أطفال وامرأة. بينما تراوحت الأرقام الأولية عن عدد القتلى بين 100 و300 قتيل، لكن الجاسم وأصدقاؤه يرجحون العدد الأخير، أي 300 شخص أو يزيد.
في البداية، بقي الجاسم في التريمسة، التي أحكم نظام الأسد سيطرته عليها بشكل كامل. وفي العام التالي، لم يعد قادراً على البقاء، حاله حال الكثير من جيرانه، ففرّ إلى بلدة أطمة الحدودية مع تركيا في ريف إدلب الشمالي، حيث تشكلت مخيمات النزوح، وهناك قضى 12 عاماً.
تزوج الحاسم هناك في عام 2015، ورُزق بثلاثة أطفال، كانت حكايات ما قبل نومهم قصصاً عن التريمسة وينابيعها الصافية ومساحاتها الخضراء المليئة بالثمار.
قال الجاسم: “كانت العودة [إلى التريمسة] حلماً. احتفظنا بذكرياتنا عندما أطفالاً، نستحضر شوارعها على أمل العودة، أمل النصر”.
“ما هذا يا بابا؟”
في يوم رأس السنة، أي بعد أقل من شهر على سقوط النظام، أتيحت للجاسم وعائلته فرصة العودة إلى التريمسة. يلعب أطفاله الآن في بساتين التريمسة وبجانب بركتها المليئة بالأسماك.
إنهم يرون كثيراً من الحيوانات والنباتات لأول مرة في حياتهم، بعد أن نشأوا في مخيم نزوح يخلو من الغطاء النباتي والحياة البرية، قال الجاسم.
“اندهشوا من الماء، من الأشجار، من الأسماك… لم يروا مثل هذه الأشياء طوال حياتهم”، قال الجاسم، مضيفاً: “يسألونني: ما هذا يا بابا؟ فأجيبهم: هذا خوخ، وهذه سمكة”.
الجاسم، الذي أصبح مؤخراً رئيس بلدية التريمسة الجديد، قال أن نحو 20 ألف شخص عادوا، أي أن عدد سكان القرية تضاعف بعد عودة كثير من الأهالي برفقة عائلات وأطفال جدد.
في منتصف حزيران/ يونيو، قدّرت مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة أن نحو 1.2 مليون نازح سوري داخلياً و 577,266 يعيشون في الخارج عادوا إلى منازلهم منذ سقوط الأسد.

لؤي سوتل (يسار) وبسام الجاسم (وسط) يستمتعان بشرب المتة وتناول الشمام (البطيخ الأصفر)، وهو من زراعتهم، مع جيرانهما في التريمسة، 19/ 07/ 2025، (هانا ديفيس/ سوريا على طول)
كسر “حاجز الخوف”
كثير من العائدين إلى التريمسة كانوا في مخيمات أطمة بريف إدلب، مثل الجاسم، بينما عاد آخرون من أماكن أخرى داخل سوريا أو من خارجها. بعضهم تواصل مع جيران وأصدقاء قدامى لأول مرة منذ عقد، محاولين استعادة علاقاتهم وربط حاضرهم بماضيهم.
لؤي سوتل، 40 عاماً، وهو صديق الجاسم المقرّب، واحد من أصل 1,500 شخص بقوا في التريمسة بعد مجزرة 2012. بينما كان ينفث دخان سيجارته في الغرفة الباردة، روى لأصدقائه كيف كانت التريمسة تحت رقابة مشددة من النظام.
على مدى 12 عاماً، كان التواصل مع الجاسم أو أي من أصدقائه وأقاربه في أطمة يشكل خطرً كبيراً على سوتل، قائلاً: “لو علمت أجهزة [النظام] الأمنية أنهم تواصلوا معي، لكانوا أخذوني إلى السجن وعذبوني، وربما قُتلت”.
ورغم سقوط النظام، ما زال سوتل يجد صعوبة في التحدث بحرية، معلقاً على ذلك بالقول: “الخوف ما زال مزروعاً بداخلنا. في السابق، إذا تكلمت، فإما أن تُسجن أو تُقتل”.
يعمل سوتل حالياً مع الجاسم في مجلس بلدية التريمسة، وحتى الآن يتواصل بتردد عند حديثه مع مسؤولي الحكومة، بحسب الجاسم، الذي يلاحظ أن الخوف ما يزال يسكن صديقه.
قال الجاسم: “”هناك فرق كبير بيننا [نحن الذين غادرنا التريمسة] وبينهم [الذين بقوا]”. في أطمة، “كانت ظروف المعيشة صعبة، لكننا كنا نعيش بكرامة وحرية. كنت أستطيع أن أتحرك حيث أشاء، أو أعبر عما أريد،” وتابع: “هنا، لم يكن بإمكانهم ذلك. كانوا مستعبدين وخائفين”.
وأضاف وهو يلتفت إلى سوتل: “نحن نعلمهم شيئاً فشيئاً كسر حاجز الخوف”.
ندوب قديمة
ذكريات مجزرة 2012، والإعدامات والجرائم الأخرى التي ارتكبها “شبيحة” النظام، منقوشة في ذاكرة سكان التريمسة، ولا تزال ندوبها حاضرة في كل زاوية من شوارع القرية تقريباً.
بعض من عادوا إلى التريمسة وجدوا بيوتهم ومحلاتهم منهوبة خلال غيابهم، كما هو حال ممدوح الصطوف، 50 عاماً، وهو صديق الجاسم، الذي وجد منزله مكسور الأبواب بعد عودته في آذار/ مارس.
“اقتحَم الشبيحة بيتي وأخذوا كل شيء: زجاج النوافذ، أسلاك الكهرباء”، قال الصطوف لـ”سوريا على طول”. في شمال حماة وجنوب إدلب، أدت سنوات من عمليات النهب المنظم إلى تجريد كثير من المباني في تلك المناطق من كل ما له قيمة مادية.
يبعد منزل الصطوف الذي نشأ فيه بضعة دقائق سيراً على الأقدام من منزله الحالي. في الحديقة الخلفية، لا يزال البناء الإسمنتي مغطى بالسواد ومحفوراً برصاص البنادق.
كان ابن عمه محمد طبيباً، وخلال مجزرة 2012، سارع الطبيب لنقل المصابين إلى ذلك المبنى، الذي تحوّل إلى مستشفى ميداني في ظل الحصار على القرية. لكن قوات الأسد هاجمته، وقتلت عدداً من الجرحى داخله.
وكذلك، اعتُقل الطبيب محمد واقتيد إلى سجن صيدنايا سيئ السمعة، مع نحو 200 شخص آخرين من التريمسة، ومنذ ذلك الحين لم ترد أي أخبار عنه، تماماً كما حصل مع بقية المعتقلين، كما روى الصطوف.
“صفحة جديدة”
فتح أهالي التريمسة “صفحة جديدة”، في محاولة للتعافي من أحداث الماضي “ولا يريدون الانتقام”، كما قال الجاسم.
في أماكن أخرى من محافظة حماة، وعلى مقربة من التريمسة، تعرضت قرى ذات غالبية علوية لهجمات جماعية، اتُهمت هذه القرى بارتكاب فظائع خلال فترة حكم الأسد.
ووجدت لجنة تقصّي حقائق شكّلتها السلطات السورية الجديدة أن أكثر من 1400 شخص، معظمهم من المدنيين، قُتلوا خلال عدة أيام من العنف الذي تمركز في المناطق الساحلية ذات الغالبية العلوية في وقت سابق من هذا العام، وهي حوادث قالت اللجنة أنها كانت مدفوعة جزئياً بـ”الرغبة في الانتقام”.
وفقًا لتحقيق أجرته الأمم المتحدة بشأن مجزرة التريمسة، تلقّت قوات النظام وميليشياتها “دعماً” من القرى العلوية المجاورة.
مع ذلك، يأمل الجاسم رمي الماضي وراء ظهره والتركيز على إعادة الإعمار، قائلاً: “ما يمكننا فعله الآن هو التركيز على الخدمات”، واصفاً حال قريته بالقول: “عندما عدنا إلى القرية وجدناها مدمرة: مدارسها، قطاعها الصحي، وبُناها التحتية. نحن بحاجة إلى خدمات جيدة لأطفالنا”.
وأشار الجاسم إلى أن التريمسة لم تتلقَّ أي مساعدة من منظمات دولية أو محلية، ما يجعل التعامل مع مشاريع البنية التحتية الكبرى والمكلفة -مثل نظام الصرف الصحي المدمر في القرية- أكثر صعوبة اليوم.
وبناء على ذلك، يبدأون بما يستطيعون فعله كمجتمع، يجمعون المال لشراء خزان مياه جديد ومعالف، ويتبرعون بالخبز لمن هم بحاجة. قال الجاسم: “المال غير موجود، لذلك فإن معظم ما نقوم به للمساعدة هو جهد مشترك بين الجيران”.
“إذا زرعتَ الطعام للناس، تحصدُ محصولاً طيباً”، أضاف الجاسم مبتسماً.
“العودة جميلة لكن هناك ضغط كبير”
في منزل الجاسم الواقع في الحي القديم بالتريمسة، تجلس زوجته مروة ناصر الأحمد، 23 عاماً، مع شقيقتي زوجها، يتبادلن الأحاديث حول طبق من العنب الطازج، قُطف لتوه من الكروم الممتدة فوق حديقة الدار.
الأثاث والمقتنيات مكدسة في الغرفة الصغيرة، إذ لم يتم تفريغ معظمها حتى الآن. قالت الأحمد لـ”سوريا على طول”: “العودة جميلة جداً، لكن هناك ضغط كبير”.
عشرة أشخاص – عائلتها وأطفالها الثلاثة، وزوجة شقيق الجاسم وأطفاله- يعيشون جميعاً في غرفتين صغيرتين، في “بيت أصغر من البيت الذي كنا نسكنه في المخيم”، أضافت الأحمد وهي تحدق في أنحاء الغرفة.

شقيقة الجاسم تحضّر مشروب المتّة في منزلهم بالحيّ القديم في التريمسة، 19/ 07/ 2025، (هانا ديفيس/ سوريا على طول)
ومع ذلك، يبقى الوضع في التريمسة أفضل بكثير مقارنة ببعض القرى المجاورة، التي تعرضت لدمار أكبر، بحسب الأحمد.
رغم عودة أكثر من مليون سوري، فإن هذا العدد لا يشكّل سوى جزء بسيط من أكثر من 13 مليون شخص نزحوا خلال الحرب. ولا يزال كثيرون مترددين في العودة بسبب أزمة السكن وسوء الخدمات الأساسية.
تنحدر عائلة الأحمد من بلدة الحماميات، الواقعة في محافظة حماة أيضاً، وقد دُمّرت بالكامل خلال المعارك. عاد والداها بعد سقوط النظام، لكنهما لا يزالان يعيشان في خيمة نُصبت فوق ركام منزلهما المدمر.
زارت “سوريا على طول” بعض أقارب الأحمد في الحماميات، وهم أيضاً لا يزالون يعيشون في خيام. قالت عمتها سهام الأحمد الزيدي، 50 عاماً، “لا يوجد شيء هنا، لا ماء ولا أي شيء”.
وبينما كانت تمشي فوق ما كان يوماً غرفة جلوسها، حيث يظهر البلاط البرتقالي وسط الركام، قالت الزيدي: “هنا قريتنا وبيتنا”.

عائلة الأحمد تقف فوق ركام منزلها المدمّر في قرية الحماميات، 19/ 07/ 2025، (هانا ديفيس/ سوريا على طول)
«دفنا الجثث في مكان واحد”
في التريمسة، خرج الجاسم وأصدقاؤه من المنزل البارد متوجهين إلى مقبرة على مشارف القرية. مشوا ببطء بين صفوف القبور، حيث دُفن ضحايا المجزرة على عجل قبل أن يفرّ السكان من القرية.
تحدثوا عن أصدقائهم الذين يرقدون تحت التراب: منصف فيصل الناجي كان طبيباً، ويوسف العبيد كان يبلغ من العمر 75 عاماً عندما قُتل وألقي جثمانه في مجرى نهر قريب، بحسب سوتل.
واستذكر سوتل كيف استخدمت القرية النايلون لتكفين القتلى لعدم وجود أكفان قماشية، ولم يتمكن الأهالي من إتمام مراسم الدفن وفق أحكام الشريعة الإسلامية.
الصدمة التي مرت بها البلدة لا تزال تلقي بظلالها، وفي الوقت نفسه زادت من تلاحم أهلها، بحسب الجاسم، الذي قال: “دفنا الجثث في مكان واحد. توجهت البلدة كلها إلى المقبرة، والجميع كان يبكي… أطفالنا، نساؤنا”.
وتابع قائلاً: “مجتمعنا كان مترابطاً ومتماسكاً من قبل، وعززت المجزرة ذلك الترابط”.

شاهدتا قبري منصف فيصل الناجي ويوسف العبيد، اللذين قُتلا في 12 تموز/ يوليو 2012، 19/ 07/ 2025، (هانا ديفيس/ سوريا على طول)
شاي وحديث
مع غروب الشمس وانخفاض درجات الحرارة، يخرج القرويون من منازلهم ويتجمعون تحت الأشجار. يضحكون، يأكلون الخوخ والدراق، ويشربون المتّة المحلاة بالعسل الطازج. يتراكض الأطفال حفاةً في الحقول، بينما يعتني رجل مسن بخلايا نحلِه.
تتحلق مجموعة من الشبان ويتبادلون أطراف الحديث. أحدهم عاد من تركيا، وآخر من لبنان، وثالث من غانا.
جالساً بالقرب، روى الجاسم وأصدقاؤه ذكريات مباريات كرة القدم التي كانت تُقام بين التريمسة والقرى المجاورة في السنوات التي سبقت الحرب. تذكر، وهو لاعب كرة قدم سابق، مواكب السيارات التي كانت تتجه إلى الملعب، تطلق أبواقها وتُشجّع بصخب.
يتسامر الأصدقاء ويتبادلون أطراف الحديث حتى ساعات الفجر الأولى، حيث أكواب الشاي والأحاديث الدافئة، والأهم من ذلك دفء اللقاء بعد سنوات طويلة من الفُرقة.

الجيران يتجمعون تحت أشجار الفاكهة في قرية التريمسة، 19/ 07 /2025، (هانا ديفيس / سوريا على طول)
