الحزن يسيطر على السويداء بمكوناتها بعد أيام دامية
تتشارك العائلات الدرزية والبدوية الألم، إن لم يكن شيئاً آخر، وتعيش حالة ذهول وصدمة وخوف من المستقبل بعد أيام من العنف الدموي الذي ضرب السويداء
27 يوليو 2025
السويداء، درعا- تجلس ديمة سرايا، 41 عاماً، إلى جانب طاولة طويلة في بهو منزل عائلتها بمدينة السويداء، جنوب سوريا، وخلفها مرآة متشققة، وعندما ترفع عينيها، ترى الخطوط المتعرجة التي تخترق الزجاج تنعكس على صور مؤطرة لأقارب وأسلاف موضوعة على رف قريب.
وفي الصالة، امتلأت الجدران بالثقوب جراء الرصاص الذي أطلقه مسلحون عندما اقتحموا منزل العائلة في 16 تموز/ يوليو، خلال اشتباكات عنيفة بين مقاتلين من الأقلية الدرزية – التي تنتمي إليها عائلة سرايا – ومقاتلين بدو، إلى جانب قوات الأمن الحكومية.

إطار صورة متشقق وآثار رصاص على حائط منزل عائلة سرايا بمدينة السويداء جنوب سوريا، 24/ 07/ 2025، (أناغا سوباش ناير / سوريا على طول)
رغم أن الاشتباكات بين الجانبين في السويداء -الدروز والبدو- لها تاريخ طويل، إلا أن ما جرى في منتصف تموز/ يوليو كان حدثاً غير مسبوق. بدأ الأمر عندما تعرّض بائع خضار درزي للسرقة والاختطاف على يد بدو محليين، ما أشعل عمليات خطف انتقامية ومواجهات مسلّحة، تطورت بعد أيام إلى نشر دمشق قوات أمنية في الجنوب، في محاولة لإعادة فرض النظام، على حد قولها.
اعتبرت الفصائل الدرزية المحلية هذا التدخل بمثابة عدوان وهاجمت القوات الحكومية، وسرعان ما دخل الجيش والأمن العام في القتال، إلى جانب القوات العشائرية.
في وقت متأخر من 16 تموز/ يوليو، انسحبت قوات الأمن الحكومية من السويداء. وعلى الفور، شنّت ميليشيات درزية هجمات انتقامية على تجمعات البدو في أنحاء المحافظة، ونفذت عمليات قتل وأحرقت منازل ونهبت ممتلكات مدنية.
أُجبرت العديد من العائلات البدوية على الفرار ومغادرة منازلها، لكن بعضهم حوصر أو احتُجز كرهائن. استجابت عشائر من درعا المجاورة ومناطق أخرى في البلاد، وتدفقت إلى السويداء، حيث اندلعت مواجهات مع القوات الدرزية.
الاتفاق الهش لوقف إطلاق النار ما زال قائماً منذ 19 تموز/ يوليو. ومنذ ذلك الحين، تم إجلاء مئات البدو من السويداء ضمن سلسلة من القوافل، في عملية نزوح تقول دمشق أنها “مؤقتة”.
خلال أيام من إراقة الدماء، قُتل أكثر من 810 أشخاص وأُصيب 900 آخرون في مدينة السويداء وريفها، وفقاً لأحدث الأرقام الصادرة عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان. تُظهر مقاطع فيديو وصور نُشرت علناً من قبل أطراف مسلحة من الجانبين انتهاكات جسيمة بحق كل من المجتمعين الدرزي والبدوي، وغالباً ما كانت موجّهة ضد المدنيين.
“قتلوهم ثم عادوا”
ديمة سرايا هي واحدة من الناجيات في عائلتها، التي فقدت ثمانية من أفرادها في عملية إعدام جماعي نفذتّه قوات مسلّحة. كانت نائمة صباح 16 تموز/ يوليو عندما استيقظت على صوت إطلاق نار وفوضى. وأخبرتها ابنتها لاحقاً أنها سمعت المسلحين يتحدثون عن عدد الرجال الموجودين داخل منزل العائلة قبل اقتحامه.
قالت سرايا: “حدّثت نفسي أنهم إذا دخلوا بالتأكيد كانوا سيقتلوننا جميعاً”.
كان أحد المسلحين، ويدعى “أبو جعفر”، يرتدي ملابس سوداء تشبه زي قوات الأمن العام التابعة لحكومة دمشق، بينما كان الآخرون يرتدون بزّات عسكرية. بعد أن أخبروا النساء بأن أقاربهنّ سيكونون في أمان، اقتادوا الرجال الثمانية من عائلة سرايا، ومن بينهم علي، زوج ديمة البالغ من العمر 55 عاماً.
عاد المسلحون بعد وقت قصير لوحدهم. وأُبقيت النساء والأطفال داخل المنزل لساعات في الوقت الذي كان المهاجمون يتناوبون على نهب الممتلكات، كما قالت.

ديمة سرايا تجلس في منزلها بمدينة السويداء، 24/ 07/ 2025، (أناغا سوباش ناير / سوريا على طول)
تلك الليلة، هدد أحد المسلحين سرايا بالبقاء في المنزل واغتصابها، كما قالت، مشيرة إلى أنها تعرضت لتهديدات متواصلة، وسمعت أحدهم يسأل: “نقتلهم كلهم؟”، فأجابه: “لا، خلّيهم، هناك جميلات بينهم”.
بعد تسع ساعات، اغتنم أفراد العائلة الخمسة عشر المتبقون فرصة للهروب إلى منزل أحد الجيران بينما كان المسلحون منشغلين، مجازفين بالهروب لأن “الموت أهون”، بحسب روايتها.
لم تعرف العائلة مصير رجالها إلا في صباح اليوم التالي، عندما علموا أنهم اقتيدوا إلى ساحة تشرين في المدينة وأُعدموا جماعياً هناك قبل 24 ساعة، وفقاً لسرايا.
تم توثيق إعدام عائلة رايا بمقطع فيديو صورّه القتلة أنفسهم، وانتشر على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وقد ساهمت انتهاكات مماثلة في تصاعد الغضب الشعبي، من بينها فيديو يظهر عدة رجال يرتدون زياً عسكرياً وهم يستجوبون رجلاً أعزل بشأن هويته. وعندما أجاب بأنه سوري، سألوه عن طائفته، وعندما أشار إلى أنه درزي أطلقوا النار عليه وأردوه قتيلاً.

حذاء ملقى بجانب بركة من الدماء في ساحة مستشفى السويداء الوطني، 23/ 07/ 2025، (أناغا سوباش ناير/ سوريا على طول)
الأموات والأحياء
على مقربة من هناك، في مستشفى السويداء الوطني، تفوح من الساحة الخلفية رائحة الدم والموت، فيما تغطي الأرض أحذية وطلقات نارية. خلال المعارك، تُركت مئات الجثث هنا، كما قال موظفو المستشفى لـ”سوريا على طول”. لاحقاً، جاء أقارب بعض القتلى للتعرف على ذويهم، بينما نُقلت الجثث غير المعروفة إلى مقبرة جماعية.
عند المقبرة، التي تبعد نحو 15 دقيقة بالسيارة عن المستشفى، قال باسل ياسر أبو صعب أنه قاد الشاحنة التي نقلت الجثث من المستشفى وشارك في دفنها، لافتاً في حديثه لـ”سوريا على طول” أن “المقبرة تضم 149 جثة”.
جمعت إدارة المستشفى معلومات وخصّصت رقماً لكل جثة قبل الدفن، ليتسنى التعرف عليها لاحقاً من قبل ذويها، بحسب أبو صعب، وهو ما أكده أيضاً أعضاء من الكادر الطبي للصحفيين.
عند مدخل المستشفى تماماً، تُخفي كومة من الرمل جثة أخرى، لا يُشير إلى وجودها سوى إصبع قدم سوداء ورائحة تعفّن تملأ الأرجاء.
وفي داخل المستشفى، تجد الأحياء مع ذاكرتهم وجراحهم، كما هو حال الطفلة مريم، 12 عاماً، التي أمضى والداها عدة ليالي معها في غرفة مرتفعة الحرارة، بينما هي مستلقية على السرير وساقها ملفوفة بضمادات بيضاء. تُطعمها والدتها الحساء، ويحاول والدها الترويح عنها.
قالت مريم لـ”سوريا على طول”: “كنت في البيت أثناء القصف. انفجر الشباك ودخلت شظايا منه”، وما تزال بانتظار عمليات جراحية إضافية.
أنهارت والدتها بالبكاء عندما تذكرت الرحلة إلى المستشفى بعد إصابة مريم، واختصرت المشهد بكلمة واحدة عندما سُئلت عمّا حدث: “رعب”، ثم تابعت: “عندي ثلاث بنات” مريم “أصغرهنّ”.

رجل بدوي من السويداء يقف أمام شاحنته الصغيرة، التي استخدمها للفرار إلى مدينة إزرع في محافظة درعا مع 60 شخصاً آخرين، 23/ 07/ 2025، (أناغا سوباش ناير / سوريا على طول)
“ماتت خلفي”
في إزرع، وهي مدينة تابعة لمحافظة درعا، تبعد نحو 40 كيلومتراً عن مدينة السويداء، تجلس ختام الهوارين، 17 عاماً، على كرسيها المتحرك في مدرسة تم تحويلها إلى مأوى مؤقت للنازحين، وبينما تدفعها فتاة صغيرة، كانت تتلوى الهوارين من الوجع وتقول: “على مهلك”.
تنحدر الهوارين من مدينة شهبا، الواقعة شمال مدينة السويداء، التي يسكنها البدو مثلها بالإضافة إلى الدروز. في 17 تموز/ يوليو، اقتحمت قوات درزية من خارج المدينة منزل عائلتها، فهربت مع أقاربها، من بينهم والدتها وجدتها التسعينية وابنتا عمها تاج ونجوان، البالغتين من العمر 15 و6 سنوات، لكن جدتها المسنّة لم تتمكن من اللحاق بهم وقُتلت.
قالت الهوارين: “ماتت خلفي.”

صورة تظهر إصابة ختام الهوارين، 25/ 07/ 2025، (أناغا سوباش ناير/ سوريا على طول)
اختبأ الناجون في مكان صخري على الطريق، لكن سرعان ما رصدهم المقاتلون وأطلقوا النار عليهم، كانت الهوارين الناجية الوحيدة.
قالت بصوت واضح: “كانوا عارفين إني نجيت، لأنني رفعت إيدي على وجهي أكثر من مرة، سمعت أحدهم يقول للثاني: دعها تنزف إلى أن تموت”.
فقدت الهوارين الوعي. وعندما صحت شمّت رائحة شيء يحترق بقربها، ليتبين أن جثة والدتها مشتعلة. قالت وهي تنظر بعيداً أثناء استحضار المشهد: “فتحت عيوني وحاولت إخماد النار”.
قالت إن سكاناً دروزاً من مدينتها هم من عثروا عليها وساعدوها رفقة والدها، الذي كان مختبئاً قرب المنزل ولم يهرب مع الباقين، كما قال، وتمكنت في النهاية من الوصول إلى درعا المجاورة.
يعاني الناجون من صدمة عميقة. في مدرسة أخرى تحولت إلى مأوى، تجلس لهجاء إبراهيم، 60 عاماً، واضعة رأسها بين يديها، لا تزال غارقة في الخوف والإرهاق. قالت أنها سارت وحدها من قريتها “ولغة” إلى إزرع، بعد أن تخلّت عنها عائلتها وجيرانها وسط الفوضى، مشيرة إلى أن كل ما كانت تحمله بعض الوثائق وبطاقتها الشخصية (الهوية).
أثناء فرارها “كان هناك اشتباكات من حولي وطيران حربي [إسرائيلي] فوقي”، قالت إبراهيم، مضيفة: “لا أعرف ماذا يحدث في السويداء، رأسي يؤلمني. مشيت لوحدي، وأنا متعبة وخائفة”.

لهجاء إبراهيم تبرز بطاقتها الشخصية، التي فرّت بها مع القليل من الأشياء، 25/ 07/ 2025، (أناغا سوباش ناير / سوريا على طول)
إبراهيم ليست الوحيدة التي لا تزال تحاول استيعاب ما حدث، إذ رغم أن الهوارين وصفت تجربتها بوضوع لكنها واجهت صعوبة في التعبير عن مشاعرها، قالت وهي تلتفت بعيداً: “لا أستطيع أن أشرح”.
