الحسكة على مفترق السلطة: اندماج حقيقي أم إعادة إنتاج المربعات الأمنية؟
تسيطر"قسد" على أحياء مدينتي القامشلي والحسكة، بينما يقتصر الانتشار الأمني لحكومة دمشق على المربعين الأمنيين في المدينتين، في مشهد يعيد إلى الأذهان نموذج "المربعات الأمنية" الذي كان قائماً في سنوات حكم نظام الأسد.
14 فبراير 2026
باريس، القامشلي- تمضي الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في تطبيق بنود اتفاق 30 كانون الثاني/ يناير الماضي، الموقع بينهما، وسط تحركات ميدانية بطيئة متزامنة، من قبيل الانسحابات المتبادلة للقوات العسكرية من خطوط التماس في محيط مدينة الحسكة وتل براك وتل حميس التابعتين للمحافظة شمال شرق سوريا.
حتى الآن، يجري تنفيذ -محدود- لبعض البنود الإدارية في الاتفاق، أبرزها: تعيين نور الدين عيسى أحمد، محافظاً لمحافظة الحسكة، الذي تم ترشيح اسمه من “قسد”، إضافة إلى دخول العشرات من عناصر قوى الأمن الداخلي التابعة للحكومة السورية إلى مدينتي الحسكة والقامشلي، مطلع الشهر الحالي.
ويقتصر الانتشار الأمني لحكومة دمشق على المربعين الأمنيين في الحسكة والقامشلي، في مشهد يعيد إلى الأذهان نموذج “المربعات الأمنية” الذي كان قائماً في سنوات حكم نظام الأسد، الذي احتفظ بالسيطرة على هذين المربعين خلال السنوات التي سبقت سقوطه في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024.
يوحي اتفاق كانون الثاني/ يناير وما تلاه من خطوات أن العلاقة بين الجانبين دخلت مرحلة جديدة، وأن تنفيذ البنود يسير بخطى جادة على عكس الاتفاقات السابقة، غير أن الوقائع على الأرض والتصريحات المتباينة للمسؤولين من الجانبين بشأن إدارة المعابر والصلاحيات الأمنية، تكشف عن فجوة عميقة في تفسير بنود الاتفاق، وأن ما يجري ليس انتقالاً سلساً للسلطة.
وفي ظل استمرار سيطرة “قسد” على الأحياء والإدارة المحلية، مقابل التمركز الحكومي المحدود في بعض النقاط، يبرز سؤال جوهري حول طبيعة هذه المرحلة، وهل يؤدي الاندماج إلى توحيد مؤسسات الدولة، أم أننا أمام صيغة معدلة من تقاسم النفوذ ترسّخ الحكم الذاتي مع وجود المربعات الأمنية؟
شعور بالخذلان
“لم نشعر بدخول الدولة”، إذ ما تزال قوات “قسد” تحتفظ بالسيطرة العسكرية والأمنية على مدينتي الحسكة والقامشلي وبعض المناطق الأخرى في شمال وغرب الحسكة، قال عدنان السعيد (اسم مستعار)، وهو من أبناء المكون العربي ويقيم في القامشلي.
ورغم دخول قوات الأمن العام التابعة للحكومة، “تمارس قسد استفزازات بحق المكون العربي”، كما أوضح السعيد لـ”سوريا على طول”، شريطة عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، قائلاً: “الاتفاق غير مرض، ونشعر بالخذلان من الحكومة لأنها باعتنا”، وأشار إلى أنه “يجري تنفيذ الاتفاق -الذي يلفه الغموض- ببطء”.
واستنكر السعيد تعيين المحافظ نور الدين أحمد، المعروف بلقب “أبو عمر خانيكا“، نظراً لـ”تاريخه وتاريخ عائلته في ارتكاب انتهاكات بحق أهالي المنطقة”، إذ كان مديراً لسجن علايا في القامشلي، التابع لـ”قسد”.
وإذا كان هناك مستفيد من الاتفاق فإنها “الدولة، التي دخلت إلى المنطقة وحصلت على حقول النفط والمعابر”، بحسب السعيد، متهماً إياها بأنها تتعامل مع شمال شرق سوريا “باعتبارها منطقة ثروات، وكأن الثروات أهم من البشر!”.
تأكيداً على ذلك، قال الباحث سامر الأحمد لـ”سوريا على طول”: “لا ينظر أهالي الحسكة بعين الرضا إلى الاتفاق، فهو بالنسبة لهم غامض، وجاء في ظرف ميداني كانت فيه قسد تتراجع، وخسرت أكثر من نصف المحافظة”.
وأضاف الأحمد، وهو من عرب الحسكة: “ما تزال بعض المناطق العربية تحت سيطرة قسد، وهذه المناطق تعاني من انتهاكات ومضايقات أمنية كبيرة تقوم بها قسد في ظل صمت حكومي”. وفي المقابل، تعاني المناطق التي دخلتها الحكومة السورية من “عدم الاستقرار الأمني، وغياب الخدمات الأساسية”، لذا هناك “حالة من عدم الرضا”.
ومع ترسيخ “خطوط وقف إطلاق النار” بموجب الاتفاق، صارت مناطق سيطرة الحكومة في ريف الحسكة “من دون مستشفيات ولا مؤسسات خدمية كبيرة ولا أسواق”، وكان سكان هذه المناطق يعتمدون على مدينتي القامشلي والحسكة، ولكن حالياً “الطرق مقطوعة بالنسبة لهم، ولا يمكنهم نقل مرضاهم ولا الوصول إلى أسواق بديلة”، بحسب الأحمد.
ورغم أهمية الجانب الخدمي وضرورة فتح الطرقات، شدد الأحمد على ضرورة “تأمين حماية المدنيين الذين يدخلون مدينتي القامشلي والحسكة، اللتين يتحكم بهما حزب العمال الكردستاني”، متهماً “قسد” بـ”تنفيذ عمليات اعتقال وخطف في مناطق سيطرتها”.
وفي هذا الخصوص، قال السعيد: “الاعتقالات والمضايقات مستمرة بحق أبناء المكون العربي في القامشلي”، لافتاً إلى أنه يخرج من حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي ويحذف بعض رسائل الواتساب “قبل النزول إلى الشارع خوفاً من الاعتقال”.
وتفرض “قسد” منذ أسابيع حظر تجوال مساءً في مدينة القامشلي، والمشكلة أن “الحظر يتم تطبيقه في الأحياء العربية فقط، بينما أهلنا الكرد يخرجون في مظاهرات ويرفعون السلاح ورايات قسد وحزب العمال الكردستاني”، على حد قول السعيد.
وفي يوم دخول القوات الحكومية لمدينتي الحسكة والقامشلي، في الثاني والثالث من الشهر الحالي، “فرضت قسد على أحيائنا العربية حظراً مشدداً عند دخول الأمن العام [التابع لدمشق]، ومنعتنا من الخروج لدرجة أنه من كان يطلّ برأسه من النافذة قد يتعرض لإطلاق النار أو الاعتقال”، أضاف السعيد.
وبينما يتحدث الاتفاق عن اندماج “قسد” في مؤسسات الدولة السورية، “نرى واقعاً مغايراً تماماً، حيث ترفع عناصر قسد ومدرعاتها راياتهم الخاصة ورايات حزب العمال أكثر من قبل، ويمنعون رفع العلم السوري”، بحسب السعيد، مضيفاً: “نحن نُمنع من رفع علم بلدنا في بيوتنا، وحتى على وسائل التواصل الاجتماعي”.
على الضفة الأخرى، تتخوف إيلين (اسم مستعار)، مما وصفته “المستقبل المجهول”، قائلة: “لا أعرف إن كان هؤلاء [الحكومة السورية] الذين يريدون القدوم والسيطرة على المنطقة، هل سوف يحموننا أم يقتلوننا”، وأضافت: “يقلقني عدم معرفة مصيري ومصير الكرد” في المنطقة.
اضطرت إيلين، 18 عاماً، إلى ترك مقاعد الدراسة في كلية الحقوق بجامعة الشرق في مدينة الرقة، التي كانت تتبع للإدارة الذاتية -الذراع المدنية لـ”قسد”- والانتقال إلى منزل شقيقتها في مدينة المالكية (ديرك)، بعد انسحاب “قسد” من مدينة الرقة مطلع العام الحالي.
وقالت لـ”سوريا على طول”: “لم يعد لدي جامعة، ومثلي كثير من طلاب جامعة الشرق، وأخشى من عدم الاعتراف بدراستي وتعبي، لذا نحن نعيش مستقبلاً مجهولاً ولا نعرف مصيرنا التعليمي”.
المربعات الأمنية!
في ظل وجود القوات الحكومية ضمن نقاط محددة ومحدودة الصلاحيات، عاد مصطلح “المربعات الأمنية” إلى التداول، بوصفه عنواناً للجدل حول طبيعة التواجد الأمني للحكومة وحدوده، وما إذا كان خطوة نحو اندماج فعلي أو إعادة إنتاج لصيغة أمنية مؤقتة وهشة.
“ما يحدث يشبه زمن المربعات الأمنية أيام نظام الأسد”، قال السعيد، متمنياً “لو انتشر الأمن العام في الأحياء العربية بالقامشلي، وأن تعيد الدولة سيطرتها الحقيقية بشكل تام”. وأضاف: “الحسكة بمكوناتها المختلفة هي سوريا المصغرة، لذلك نريد أن تكون الدولة على مسافة واحدة من الجميع، وأن يحصل كل سوري على حقوقه كاملة”.
عقب دخولها، تمركزت القوات الحكومية في نقاط محددة داخل المربعين الأمنيين في الحسكة والقامشلي، و”يبدو كأن القوات الحكومية محاصرة داخل نقاط تمركزها في القامشلي، فلا يستطيع عناصرها الخروج من المربع الأمني إلا تحت مراقبة الأسايش [قوى الأمن الداخلي التابعة لقسد]، وحتى عندما يخرجون للتسوق يخرجون دون سلاحهم وتحت إشراف الأسايش”، بحسب السعيد.
من جهته، رأى الباحث سامر الأحمد أن “الاتفاق ما يزال في مرحلة كمون وهدنة مؤقتة، وهي مرحلة اختبار نوايا”. إذ أقدم كل طرف على “تطبيق بعض النقاط الشكلية وغير الجوهرية، مثل: إدخال قوة صغيرة من الأمن العام للقامشلي والحسكة، ورفع العلم السوري، وتعيين محافظ، والحديث عن سحب مجاميع عسكرية”، إلا أن “جوهر الاتفاق، المتمثل في الاندماج وإخراج عناصر حزب العمال الكردستاني من سوريا، ودخول الدولة بشكل فعال وقوي، لم يبدأ بعد”.
وأضاف الأحمد: “نموذج المربعات الأمنية مرفوض تماماً لدى الحكومة، لكن يبدو أن قسد تحاول تكريسه”، معتبراً أن “استمرار هذا الخلاف قد يقود في النهاية إلى فشل الاتفاق”.
“رغم الخطاب الإيجابي المتبادل حول الاندماج، إلا أن التنفيذ يسير ببطء”، قال الكاتب والباحث السياسي الكردي، إبراهيم مراد، مرجعاً ذلك إلى حالة “عدم الثقة بين الطرفين”، التي ترتبط “بتجارب سابقة شهدت خروقات في مناطق سورية أخرى، فالذاكرة السياسية تجعل أي اتفاق جديد بحاجة إلى ضمانات وآليات رقابة تمنع تكرار السيناريوهات السابقة”.
تعليقاً على فكرة المربعات الأمنية، أوضح مراد لـ”سوريا على طول” أنها “كانت ذات طابع تكتيكي ومحدود، الهدف منها إدارة بعض الجوانب الإدارية أو الخدمية ضمن توازنات ظرفية”، لكن “المسار الحالي إن أُنجز فعلاً يفترض أن يكون استراتيجياً، يقود إلى شراكة سياسية حقيقية للكرد في مستقبل الدولة السورية، وليس مجرد ترتيبات أمنية مؤقتة”.
وشدد مراد على أن “العملية الجارية يمكن وصفها بأنها خطوات تقنية تمهيدية”، لكنها “لن تكتسب صفة التحول الاستراتيجي إلا إذا عالجت ثلاثة عناصر أساسية: تسريع التنفيذ الميداني، حل القضايا الإنسانية العالقة، وتثبيت الحقوق ضمن إطار دستوري يضمن شراكة مستدامة في الدولة المستقبلية”. ودون ذلك، فإن “المسار يبقى هشاً ومعرضاً للاهتزاز عند أول اختبار سياسي أو أمني”.
من جهته، رأى الباحث العسكري والضابط المنشق عن النظام البائد، رشيد حوراني، أن الاتفاق “يسير وفق المخطط المرسوم له، وهناك تفاهم متبادل بين الحكومة وقسد لدور كل منهما”، وعزا هذا التفاهم إلى “التقدم المدروس للجيش السوري تجاه مناطق قسد، المترافق مع خطاب وطني يدعو إلى توحيد سوريا، ويقر بشراكة قسد كتنظيم، والكرد كمكون اجتماعي”، إضافة إلى إجراءات بناء الثقة التي اتخذتها الحكومة السورية، وعلى رأسها إصدار المرسوم 13، وتعيين محافظ للحسكة من كوادر “قسد”.
وقال حوراني لـ”سوريا على طول”: “لا يمكن تشبيه الواقع الحالي بالمربعات الأمنية أيام النظام السابق”، وذلك لأن “الأجهزة الأمنية والعسكرية والمدنية في مناطق قسد الحالية تعمل ضمن خطة وبرامج أجهزة الدولة السورية، وليست مستقلة كما كانت أيام النظام البائد”.
وأضاف: “إن منح بعض المؤسسات مثل الأسايش، قدراً من الاستقلالية هو أمر مؤقت تفرضه مرحلة الانتقال والاندماج”. معتبراً أن “التعاون الموجود حالياً بين الحكومة السورية وأجهزة قسد هو تعاون تكاملي، ويختلف عن حالة العداء والتربص التي كانت سائدة بين قسد والنظام البائد”.
تعليقاً على ذلك، قال حكمت حبيب، عضو دائرة العلاقات الخارجية – قسم الشرق الأوسط في الإدارة الذاتية، أن الاتفاق الأخير “يمثل اندماجاً تكاملياً لمؤسساتنا الأمنية والإدارية والسياسية مع الحكومة الحالية”، مستعبداً أن يكون شبيهاً لـ”صيغة المربعات الأمنية” كما في عهد النظام البائد، حيث كانت الصيغة وقتها “هشة وعرضة للخروقات”.
وأضاف حبيب لـ”سوريا على طول”: “لدينا جدية من أجل أن يكون هناك اندماج تكاملي وحقيقي”، مشيراً إلى أن الاتفاق “توج بتنفيذ عدة نقاط خلال الأيام الماضية، مثل: دخول عدد محدد من قوى الأمن الداخلي إلى مدينتي الحسكة وقامشلو”، وهذه الخطوة تشير إلى أن “يدنا ممدودة لاندماج تكاملي من أجل الوصول إلى شكل من أشكال اللامركزية التي يتطلع لها السوريون عموماً وأبناء الجزيرة على وجه الخصوص، لأن الجزيرة والحسكة تعيش حالة من تنوع المكونات والقوميات والاثنيات والدينية”.
مصير معلّق للمؤسسات
في موازاة الجدل الأمني، تبدو المؤسسات المدنية في الحسكة وكأنها تعيش مرحلة انتظار ثقيل، إذ يخيم الغموض على مصير الموظفين وآليات الدمج المحتملة، على الرغم من أن الاتفاق تضمن بنداً يشير إلى “دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية مع تثبيت الموظفين المدنيين”.
لا تعرف إلهام (اسم مستعار)، وهي محاسبة في إحدى المؤسسات التابعة للإدارة الذاتية في القامشلي، إن كانت ستبقى في وظيفتها أم ستغادرها في حال دمج مؤسسات الإدارة الذاتية بالحكومة السورية تطبيقاً للاتفاق.
وقالت إلهام لـ”سوريا على طول”، شريطة عدم الكشف عن هويتها: “نعيش حالة من الغموض الكبير، ولا نعرف ما الذي سيحدث لوظائفنا”، مضيفة: “سألنا إدارتنا عن مستقبلنا، لكنهم لا يملكون إجابة واضحة”.
في هذه الأيام “لا يوجد عمل كثير في المؤسسة التي أعمل بها، وأقضي معظم الوقت مع زملائي من دون مهام”، بحسب إلهام، ومع ذلك: “حصلنا على رواتبنا الشهر الماضي، لكن لا نعلم ماذا عن الشهر الحالي”.
أبدت إلهام تخوفها من المستقبل، لأن “الاتفاق يحمل بعض الأمل إذا تم فعليا وجرى تطبيقه وفق الشروط نفسها”، بما في ذلك استمرار الموظفين في وظائفهم. لكن في حال فشل الاتفاق “المدنيون سوف يدفعون الثمن”.
في مدينة القامشلي، ما تزال بلدية المدينة تشرف على الخدمات الأساسية من دون تغيير يذكر، بحسب بريفان عمر، الرئيسة المشتركة للبلدية، مشيرة إلى أنه “لم يطرأ أي تغيير حتى الآن، وعملية دمج البلديات لم تبدأ بعد”.
وأوضحت عمر لـ”سوريا على طول”، أن “نظام البلديات في دمشق مختلف قليلاً عنا”، لذا “من المحتمل حدوث تغيير بعض التقسيمات الإدارية” اقتداء بنظام البلديات في دمشق، لكن “حتى الآن نعمل وفق نظام البلديات في الإدارة الذاتية القائم على أساس الرئاسة المشتركة، والذي قد يتحول إلى رئيس ونائب”، ومع ذلك “هدفنا الأساسي هو الحفاظ على خصوصيتنا”.
“الدمج سوف يأخذ وقتاً”، نظراً إلى أن “التغييرات المحتملة كبيرة، وهو ما يتطلب وقتاً من أجل الحفاظ على ما نعمل عليه، وأن نستطيع أن نكمل بعضنا البعض”، قالت عمر، معتبرة أن: “الاندماج لا يعني الإلغاء، بل قد يكون تكاملاً فيما يخص علاقتنا مع دمشق”.
لا ينص الاتفاق على بنود وتفاصيل “واضحة ومؤكدة” بشأن تنظيم البلديات، بحسب عمر، لكن “نريد أن نناقش صلاحيات البلديات في نقاشاتنا مع الحكومة، لإن الصلاحيات لدى الحكومة ليست مثل صلاحيات بلدياتنا”.
وختمت: “بحسب التوجيهات التي وصلتنا، فإن المؤسسات ستبقى على حالها، بكوادرها وعملها”.
من جهته، قال حكمت حبيب، أن بعض “المؤسسات السيادية” سوف تتبع مباشرة لدمشق، بما في ذلك المنافذ البرية والمطارات، إضافة إلى بعض الدوائر مثل الهجرة والجوازات، وكذلك الشركة السورية للنفط العاملة في حقول الرميلان.
وأضاف حبيب: “هذه المؤسسات مرتبطة بالمركز لكنها ستستفيد من الخبرات الفنية لأبناء المنطقة الذين يديرون العمل ميدانياً. أما بقية المؤسسات التي تدير المنطقة منذ أكثر من عقد، فستكون جزءاً أساسياً من مؤسسات الدولة في المرحلة المقبلة”.
“تملك مؤسساتنا خبرة إدارية وطاقة بشرية كبيرة، وسوف نسخّر هذه الخبرات لإنجاح المرحلة القادمة وخدمة أبناء الحسكة”، قال حبيب، مشدداً على أن مسألة إدارة المؤسسات في القامشلي والحسكة “ستقوم على اندماج تكاملي”، بحيث تتبع بعض المؤسسات للمركز، فيما تُدار أخرى على مستوى المحافظة “بمشاركة أبناء المنطقة من مختلف المكونات”.
أفخاخ قد تفشل الاتفاق!
مع أن الاتفاق يلقى دعماً دولياً ورغبة في إنجاحه، لكن “الصعوبات كثيرة”، بحسب الباحث الأحمد، الذي توقع أن ينتهي المطاف بالاتفاق إلى مصير مشابه باتفاق العاشر من آذار/ مارس الماضي، أو اتفاق الشيخ مقصود والاتفاقيات السابقة بين الحكومة و”قسد”.
وقال الأحمد: “هناك ضغوطات دولية لإنجاح الاتفاق، لكن لن تثمر دون إحداث تغيير جذري على الأرض، وهذا يتطلب إخراج حزب العمال الكردستاني والعصابات التابعة له من سوريا، لأن تأثير الحزب موجود وهو المشكلة الرئيسية”.
ويظهر هذا التأثير في تصريحات قياديين داخل “قسد” محسوبين على تيار “قنديل”، التي تكشف عن فجوة في تفسير بنود الاتفاق وآلية تنفيذه مقارنة بالنصوص المعلنة، وهذا قد يجعله عرضة للفشل.
من جهته، عزا الباحث حوراني، هذه الفجوة إلى “تيار في قسد موالٍ لإيران يحاول تخريب الاتفاق”، لكنه يرى أن “تراجع قسد ميدانياً في الرقة ودير الزور وأجزاء من الحسكة، إلى جانب الموقفين الدولي والإقليمي الداعمين لتوحيد الجغرافية السورية عوامل تقلل من احتمال انهيار الاتفاق”.
التفسيرات المختلفة للاتفاق هي بمثابة “أفخاخ تشبه أفخاخ اتفاقيات العاشر من آذار والشيخ مقصود ودير حافر، التي عطلت الاتفاقيات السابقة وسوف تعطل الاتفاق الحالي”، قال الأحمد، مستدركاً: “هناك انعطاف عند بعض قيادات قسد باتجاه سوريا الوطنية، وهذا مؤشر إيجابي إن نجحوا به، لأنه يشكل خطراً شخصياً عليهم، فالتنظيم الأم [حزب العمال الكردستاني] لا يقبل بهذه الانعطافات والانشقاقات عادة”.
يعتبر معبر سيمالكا، وهو معبر غير رسمي بين مناطق سيطرة “قسد” وإقليم كردستان العراق، أحد النقاط الرئيسية في اختلاف تفسير الاتفاق، فبينما تتمسك دمشق بالسيطرة على المعبر، فإن تصريحات قياديين في “قسد” تتحدث عن وجود رمزي لحكومة دمشق في المعبر مقابل استمرار الإدارة الذاتية بإدارته.
وتعليقاً على ذلك، قال مسؤول رفيع في إدارة المعابر التابعة للإدارة الذاتية، أن “المعبر شأنه شأن باقي المؤسسات، سيكون هناك عدد من ممثلي الحكومة موجودين فيه، لكن المدير وجميع الموظفين سيكونون من طرفنا”، مشيراً إلى أن “الإدارة الذاتية ما زالت تدير المعبر، وسوف يصل وفد من دمشق إلى المعبر خلال الأيام المقبلة”.
وقال المسؤول الذي طلب من “سوريا على طول” عدم الكشف عن هويته، “نسمع كثيراً أن الحكومة سوف تسيطر على المعبر، لكن لا يوجد شيء من هذا القبيل. سوف يتواجد عدد من الأشخاص باسم الحكومة في المعبر فقط”.
قال حكمت حبيب: “إن بعض المؤسسات والهيئات قد يتغير مسماها الإداري، لكنها ستواصل عملياً بنفس كوادرها إدارة العمل ضمن صيغة اندماج تكاملي”.
وفيما يخص المعابر، قال حبيب، “السيادة سورية، لكن لا يمكن إلغاء البنية الإدارية القائمة”، مضيفاً أن “المعبر سيدار ضمن آلية جديدة تضمن تبعيته لإدارة المنافذ البرية مع الحفاظ على الكوادر الحالية”.
بدوره رأى الكاتب مراد، أن استمرار تباين التفسيرات يعود إلى “ملفات عالقة لم تحسم نهائياً حتى الآن، وهي السبب في أن كل طرف يقدّم تفسيراً خاصاً للاتفاق، بما يتناسب مع رؤيته ومصالحه”.
في خضم هذه التجاذبات، وجهت إيلين “رسالة إلى طرفي الاتفاق”، مفادها: “اعثروا على حل ودعونا نعيش بخير وسلام وافتحوا لنا الجامعات والمدارس. تعبنا من هذا الوضع”.






