الرقة بين التوقيع والتنفيذ: ما الذي تغيّره العقود الاستثمارية الجديدة؟
مشاريع زراعية وصناعية تم توقيع الاتفاق عليها خلال معرض دمشق الدولي، وخبراء يربطون نجاحها بالبنية التحتية والتمويل وقدرتها على إبقاء القيمة المضافة داخل المحافظة
3 أكتوبر 2026
تشهد سوريا زخماً استثمارياً تجلّى في عقود أُبرمت خلال الدورة الثالثة والستين من معرض دمشق الدولي، وفي الإعلان عن زيارة وفد تجاري أمريكي يضم قرابة 60 شركة منتصف أيلول/ سبتمبر. وفي الرقة، التي عانت التهميش عقوداً، وُقّعت خلال المعرض عقود بين شركات وجهات حكومية لمشاريع في قطاعات مختلفة، ما يطرح سؤالاً: هل تستطيع المحافظة جذب استثمارات تتناسب مع مواردها واحتياجاتها وتترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً ملموساً، في بلد يسعى إلى التعافي بعد عقد ونصف من الحرب؟
مشروع تكامل زراعي- حيواني
من العقود الموقعة عقد “مشروع السلامة بلازا المتكامل للأعلاف والثروة الحيوانية”، وهو مشروع زراعي- حيواني على مساحة 3300 دونم، يشمل محاصيل علفية وموسمية وأشجاراً مثمرة وتربية أغنام لإنتاج الحليب، مع توجه لاحق إلى إنتاج الأعلاف وتصنيع الألبان والأجبان.
يقول غسان السلامة، رئيس مجلس إدارة الشركة، إن الإجراءات ما تزال جارية وإن التنفيذ سيكون على مراحل، متوقعاً بدء العمل خلال ستة أشهر، وأن يوفر المشروع نحو 120 فرصة عمل مباشرة وفرصاً غير مباشرة في النقل والتوريد والتسويق. ويرى أن المشروع يربط الإنتاج بالتصنيع، ما قد يوسّع النشاط الاقتصادي المرتبط به إذا توافرت ظروف استمراره.
“واحة الرقة” منطقة صناعية جديدة
أما الصدى الأوسع فكان لمشروع المنطقة الصناعية والحرفية “واحة الرقة”، الذي ستنفذه مجموعة كيان القابضة وشركة MYB التركية على مساحة تقارب 4,5 مليون متر مربع شمال المدينة، وتضم بين 2500 و4000 مقسم لمهن وحرف، منها ميكانيك السيارات والكهرباء والنجارة والمسالخ.
يقول صاحب أحد المحال في المنطقة الصناعية الحالية إن عدد المحال والورش ارتفع، بتقديره، إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف ما قبل عام 2013 أي بعد تحرير الرقة على يد الجيش الحر، ما جعل الدخول إليها والخروج منها صعباً ومحفوفاً بالمخاطر، مع حوادث سير دورية، وظهرت تجمعات جديدة للورش في مفرق الجزرة وشمال السكة وقرب العيادات الشاملة.
ويضيف أن هذا التوسع غير المنظم زاد الضجيج والتلوث وعرقل السير، مع تداخل الورش بالأحياء السكنية والأسواق. وقد توفر المنطقة الجديدة إطاراً أكثر تنظيماً، لكن الانتقال قد يرتب أعباء كبيرة على أصحاب الورش، من كلفة الشراء أو الاستئجار والتجهيز إلى نقل المعدات. ويرى أن أسعاراً وآليات دفع مناسبة قد تخفف ذلك، ولا سيما عن أصحاب الإمكانات المحدودة.
ما الذي يبحث عنه المستثمرون؟
يصف المهندس باسل حموية، مدير فرع هيئة الاستثمار السورية في الرقة، الواقع الاستثماري بأنه “واعد وخلّاق”، معتبراً أن المحافظة تمتلك موارد لا تتوفر في كثير من المحافظات. ويقول إن مكتب الهيئة يستقبل يومياً مستثمرين لبحث الفرص والتسهيلات، وإن مشاريع عدة قيد الدراسة، مع اهتمام بالسياحة والفنادق والمنشآت الرياضية والزراعة وصناعاتها. وتعمل الهيئة على خارطة استثمارية للمحافظة ستتحول إلى منصة إلكترونية تعرض الفرص المتاحة.
ويرى الخبير والمستشار الاقتصادي رازي محي الدين أن الاستثمار المستدام يُقاس بقدرته على رفع إنتاجية الموارد وخلق فرص العمل وزيادة القيمة المضافة وإحلال بعض الواردات وفتح فرص للتصدير، لا بحجم رأس المال الداخل وحده. وبرأيه، يتيح موقع الرقة على نهر الفرات وقربها من الحدود التركية وكونها عقدة مواصلات بين شرق سوريا وشمالها ووسطها بناء سلاسل قيمة من الإنتاج إلى التصنيع والتسويق والتصدير، عبر الانتقال من بيع المواد الأولية إلى الصناعات الغذائية والتحويلية وتعبئة المحاصيل والألبان والأعلاف والتخزين والتبريد والخدمات اللوجستية، إضافة إلى الطاقة المتجددة.
ويتفق معه المهندس الزراعي عمار الحمد، مشيراً إلى أن الشوندر السكري كان من المحاصيل الناجحة في المحافظة، وأن القطن والذرة الصفراء والخضروات ما تزال تُزرع، ما يتيح إنشاء معامل للزيوت والسكر والكونسروة وصناعات نسيجية قائمة على القطن. ويرى أن التصنيع الزراعي يرفع القيمة المضافة، ويدفع الفلاحين إلى التفكير في نوعية المحاصيل ووجهتها التسويقية بدلاً من بيعها خاماً.
لكن ذلك، وفق محي الدين، مرهون بمشاريع قابلة للتمويل والتنفيذ، وتحسين الكهرباء والمياه والطرق والاتصالات والأمن، وإعادة تنظيم المناطق الصناعية وتأهيلها.
بين الفرص والعوائق
يرى الاقتصادي زياد عربش، الأستاذ المساعد في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، أن المناخ الاستثماري السوري يمر بمرحلة انتقالية بين مبادرات جديدة وقيود قائمة، في ظل إصلاحات قانونية وزيارات تجارية ومجالس أعمال مع دول عدة. لكن العقوبات والقيود على التعاملات المالية الدولية، وضعف النظام المصرفي، والبيروقراطية والفساد، ما تزال تحد من جذب استثمارات واسعة وطويلة الأمد.
ويقول إن إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب وإلغاء قانون قيصر قد تفتحان مجالاً أوسع للتعاملات، لكن المصارف الدولية قد تبقى حذرة، ما ينعكس على التحويلات والتمويل. ويعتبر أن ضعف القطاع المصرفي تحدٍّ يتجاوز التحويلات إلى الحصول على تمويل مستقر وطويل الأجل للمشاريع الإنتاجية، وأن تعدد الإجراءات والجهات يرفع الكلفة ويؤثر في قرارات المستثمرين.
ولا يرى أن سياسة الجذب تصلح بالطريقة نفسها لكل المناطق؛ فالمناطق التي عانت التهميش تاريخياً، ومنها الرقة، تحتاج حوافز مختلفة تعوّض ارتفاع المخاطر، مع دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتأهيل الكوادر المحلية وإشراك المجتمعات المحلية، لتكون المشاريع جزءاً من مقاربة تنموية لا مجرد عقود منفصلة. ويُقاس النجاح، بحسبه، بقدرة الاستثمارات على الوصول إلى المناطق الأقل استفادة وخلق دخل محلي وتنمية أكثر توازناً.
