السويداء بين سيناريو إدارة ذاتية وخطر التقسيم: هل تأخرت المبادرات الأهلية؟
جاء تشكيل المكتب المؤقت لمحافظة السويداء، الذي يشير إلى محاولات تمهيد لإنشاء إدارة ذاتية أو حتى بوادر انفصال عن الدولة السورية، في أعقاب مبادرة "حل" مدنية أطلقها مجموعة من الوجهاء والناشطين في درعا المجاورة
8 أغسطس 2025
باريس- في السادس من آب/ أغسطس الحالي، أعلنت “اللجنة القانونية العليا في محافظة السويداء”، سلسلة إجراءات تتعلق بتنظيم الشؤون الإدارية في المحافظة، من قبيل: تشكيل مكتب تنفيذي مؤقت لمجلس المحافظة، وتعيين مجموعة من الأشخاص في مناصب إدارية مختلفة لإدارة الشؤون الأمنية والإدارية والخدمية.
تشكلت اللجنة القانونية في السويداء من مجموعة من القضاة والمحامين الشهر الماضي بقرار من الرئاسة الروحية للمسلمين الموحدين الدروز، التي يتزعمها الشيخ حكمت الهجري، في أعقاب أحداث دامية عاشتها المحافظة، تسببت بمقتل مئات المدنيين من الدروز والبدو.
وجاء الإعلان الأخير، الذي يشير إلى محاولات تمهيد لإنشاء إدارة ذاتية أو حتى بوادر انفصال عن الدولة السورية، في أعقاب مبادرة مدنية أطلقها مجموعة من الوجهاء والناشطين في محافظة درعا المجاورة، تستهدف حلّ أزمة السويداء وإعادتها إلى عمقها السوري.
في الخامس من الشهر الحالي، انطلقت الحملة تحت عنوان “السويداء في قلب سوريا”، و”السويداء سورية”، بهدف مواجهة تصاعد خطاب الكراهية والتحريض الطائفي، والتحذير من مخاطر مشاريع التقسيم والتغيير الديموغرافي، كما قال باسل منصور، أحد منسقي الحملة، لـ”سوريا على طول”.
وقبلها بأيام، أطلقت شخصيات اجتماعية من مختلف المكونات السورية ما أسمته “المبادرة الأهلية السورية” لحل الأزمة في السويداء، في 31 تموز/ يوليو، من أجل احتواء الأزمة ومعالجتها تمهيداً لحوار وطني داخلي.
وشهدت السويداء الشهر الماضي، أحداثاً دامية، بعد مواجهات عسكرية بين مجموعات درزية وأخرى من عشائر بدو السويداء، تطورت لاحقاً إلى عمليات واسعة شارك فيها عشائر من المحافظة، بعدما انتشرت القوات الحكومية محاولة فض النزاع ووقف المواجهات، في 14 تموز/ يوليو الماضي، بحسب الرواية الحكومية.
لكن أهالي السويداء، اعتبروا أن تدخل دمشق بهدف السيطرة على المحافظة بالقوة، ما أدى إلى جولة جديدة من المواجهات بين المجموعات الدرزية من جهة والقوات الحكومية ومجموعات موالية لها من جهة أخرى.
إدارة ذاتية أم مؤقتة؟
في بيان لها قالت اللجنة القانونية العليا، أن مهامها تتمثل في “إدارة شؤون السويداء بكافة القطاعات الإدارية والأمنية والخدمية بكافة مجالات الحياة”، وكذلك “الحفاظ على المؤسسات الحكومية العامة والخاصة، ورفع الظلم والضرر عن كاهل المواطنين بكافة مكوناتهم ومحاربة الفساد”.
ولم تعلق اللجنة على ماهية شكل الحكم في السويداء وما إذا كان عملها مؤقتاً أو يمهد لتأسيس حكم ذاتي أو يرسخ للتقسيم.
لكن “وحدة الإعلام البديل والمناصرة في السويداء” -وهي مجموعة إعلام ومناصرة محلية- علقت على بيان اللجنة العليا: بأن “السويداء اليوم أمام تجربة استثنائية، قد تكون نموذجاً للامركزية والإدارة الذاتية، في وقت لا تزال فيه السلطة المركزية في دمشق رافضة بشكل قطعي لأي شكل من أشكال اللامركزية والتشاركية، وتحاول بكل الوسائل تعطيل وشيطنة أي مطالبات باللامركزية”.
تعليقاً على ذلك، توقع طارق سليمان (اسم مستعار)، ناشط من الحراك المدني في السويداء، أن “يكون عمل اللجان مؤقتاً ومن أجل التنظيم فقط”، كما قال لـ”سوريا على طول”.
“من الطبيعي في ظل غياب مشروع حقيقي لبناء الدولة في ظل سلطة الأمر الواقع -وهي ليست غائبة بسبب الهجري- وإنما لأنها سلطة لا تفاوض ولا تشارك الناس، أن تقوم كل مجموعة بشرية بتنظيم أمورها ومواجهة الاحتياجات الكبيرة”، قال الدكتور رفعت عامر، أكاديمي سوري مقيم في السويد.
وأوضح عامر في حديثه لـ”سوريا على طول” أن “هدف هذه اللجان تنظيم شؤون المحافظة، ولا تتعلق بقرار منفرد للشيخ الهجري، ولا بفكرة السعي للتقسيم أو الفيدرالية، هو قرار يرفض هذه السلطة ولا يثق بها ولا يترجى منها حل للأزمة”، مشدداً على أن دور اللجنة يتمثل في “إدارة الحياة اليومية بعد الكارثة الإنسانية والصحية والاجتماعية والخدمية التي حلّت بالسويداء إثر الهجوم البربري الذي قامت به وزارتي الدفاع والداخلية وفصائل جهادية”، على حد تعبيره.
في الجانب الآخر، أثار تعيين اللجنة للعميد شكيب نصر قائداً لقوى الأمن الداخلي، والعميد أنور رضوان معاوناً له، جدلاً واسعاً في أوساط السوريين من خارج المحافظة، خاصة أن الضابطين شغلا مناصب أمنية في النظام البائد.
وضمت اللجنة القانونية عدداً من القضاة، وهؤلاء “باشروا بأعمال تخالف الواجبات المفروضة على القاضي بموجب أحكام قانون السلطة القضائية، ولا سيما المواد 78 وما يليها من قانون السلطة القضائية”، كما جاء في تصريح مسؤول في وزارة العدل لوكالة الأنباء العربية السورية الرسمية (سانا)، مشيراً إلى أن هذه المواد القانونية “لا تجيز للقاضي الجمع بين الوظائف القضائية وبين مهنة أخرى أو أي عمل تبعي آخر، والتي حظرت على القضاة إبداء الآراء والميول السياسية أو الاشتغال بالسياسة”.
و”بما أن العمل الذي باشره هؤلاء القضاة سياسي محض ويتعارض مع المصالح الوطنية ويثير دعوات التفرقة والتقسيم تمت إحالتهم إلى إدارة التفتيش للتحقيق فيما يُنسب إليهم واتخاذ الإجراءات المناسبة”، بحسب المسؤول.
لم يصدر أي رد رسمي مباشر من السويداء تجاه المبادرات الأهلية للحل، لكن يبدو أن توقيت قرارات اللجنة العليا في المحافظة هي “محاولة قطع الطريق، ورد على رسائل الدعوات للتعايش والوطن الواحد”، كما قال منصور، الذي أكد على أن “الحملة سوف تستمر حتى يتم التوصل إلى حل في السويداء”.
مبادرات متأخرة!
انطلقت حملة “السويداء سورية” من فكرة “مواجهة حالة الاستقطاب الحاصلة على وسائل التواصل الاجتماعي، وحالة التخندق لدى السوريين وعدم تقبل الطرف الآخر، وهو ما تسبب بحالة انقسام كبيرة”، قال منصور. مضيفاً أن الحملة “تحاول كسر حالة العزلة التي تعيشها محافظة السويداء، ومحاربة خطاب التكفير والتحريض والانفصال والتهجير القسري”.
تسببت الأحداث الأخيرة في السويداء بحالة من “الخندقة والعزلة، ودفعت الأصوات الوطنية الصمت أو التخندق داخل الطائفة”، قال منصور. مشيراً إلى أن الحملة “بدأت إعلامياً بطرح أفكارها، ومن ثم سوف تقوم بمراجعة النتائج للبدء بالمرحلة الثانية، التي تعتمد على فتح قنوات التواصل بين الأصوات الوطنية داخل وخارج السويداء من أجل التمهيد لأرضية الحل”.
وتضم الحملة عدداً من الناشطين من أبناء السويداء، بحسب منصور. لكن “الناشطين من السويداء يتعرضون لملاحقة من المجلس العسكري في السويداء، واثنين من الذين ننسق معهم تعرضوا للتهديد والخطر”، على حد قوله.
تعليقاً على المبادرة الأهلية، رأى الدكتور رفعت عامر أنها “بعيدة تماماً عن أن تكون فاعلة أو مؤثرة، لأنها حديث عام عن السلم الأهلي ووقف التحريض الطائفي، وهو أمر جيد لكنه عام”، إذ لم توضح المبادرة ماهية الآليات التي تعتمدها لحل المشكلة، كما أنها “لم توصّف المشكلة توصيفاً صحيحاً، ولم تقترح حلولاً”.
وأضاف عامر “حملة السويداء سورية، كذلك حملت شعارات عامة، وكلنا مع سورية آمنة ومستقرة ووقف التحريض والدعوة للعمل المشترك، لكن أيضاً هي لم تشر إلى سبب المشكلة، ومن دون تحديد المشكلة لن نستطيع تحديد الحلول”. مضيفاً “المشكلة ليست بالشعب السوري إنما في الإدارة الحالية للسلطة، التي تقوم بتمزيق السوريين، ووضعتهم أمام تحديات لم تكن موجودة من قبل”.
“المبادرات جاءت متأخرة كثيراً”، قال سليمان ابن السويداء، ناهيك عن أنه “يجب فك الحصار المفروض على السويداء قبل أي مبادرة أهلية”، وهي “أول خطوة للحل”.
من جهته، رأى الناشط المدني سليم عمران (اسم مستعار)، أن “المبادرات جيدة لو كانت قبل الدم والحرق والسرقة، لكنها جاءت متأخرة”، مشيراً إلى أنه “ما ينفع اليوم هو إيصال الغذاء والدواء وفك الحصار عنا”، على حد قوله لـ”سوريا على طول”. علماً أن الحكومة السورية وناشطين سوريين ينفون رواية السويداء بأنها محاصرة، ويشيرون إلى أن المحافظة تعزل نفسها.
اقرأ المزيد: القوافل الإنسانية لا تكفي: السويداء معزولة أم تعزل نفسها؟
اعترف منصور، أحد القائمين على الحملة، بأنها جاءت “متأخرة”، ولكن “صوت العقل لم يكن مسموعاً في ظل صوت الرصاص، وما إن سكت قليلاً حتى خرجنا وقلنا: لا للتحريض الطائفي، لا لخطاب الكراهية، لا للتغيير الديموغرافي، ولا للتقسيم”.
ما الحل؟
الحل في السويداء يحتاج إلى “محاربة التجييش الطائفي والأيديولوجي، ووقف التحريض والقتل والدمار واجتثاث هذه الأسباب من جذورها”، قال الأكاديمي السوري يحيى العريضي، وهذا الحل يتطلب وجود “لجنة مصالحة وحل تخاطب السلطة في دمشق قبل السويداء، بأن تصدر تعليمات صارمة توقف التجييش الطائفي ضد السويداء والدروز والهجري، وترفع الحصار عن السويداء، وتقوم بعمليات تبادل للمعتقلين وسحب القوات من القرى التي تسيطر عليها شمال وغرب السويداء”.
وأضاف في حديثه لـ”سوريا على طول”: “يجب أن تقتنع السلطة أنه لا يمكنها الانتصار على شعبها، وعندما حاول بشار الأسد ذلك سقط وانهزم”.
اعتبر سليمان أن “فك الحصار، وتشكيل لجنة تحقيق دولية لتقصي الانتهاكات في السويداء، ومن ثم محاكمة كل من ارتكب انتهاك” من شأنه حل مشكلة السويداء، ودون ذلك، فإن “المزاج العام في السويداء لن يعود كما كان”.
الأهالي في السويداء “يشعرون بالخذلان وأنه لم يقف معهم أحد سوى الأزرق [إسرائيل] للأسف، لذلك يجب على الحكومة والسوريين أن يقوموا بخطوات جادة تجاه المدنيين بالسويداء”، قال سليمان.
وأضاف: “يجب على السوريين أن يبدأوا أولاً بخطوات حقيقية لحل مشكلة السويداء حتى نستطيع نحن النشطاء في الداخل التحرك والحديث”، مشدداً على ضرورة أن “تقف كل المحافظات السورية وقفة حقيقية في الساحات مع السويداء، لا أن تكون مجرد حملة إلكترونية، ويجب أن نشاهد السوريين في بقية المحافظات يكسرون الحصار”.
من وجهة نظر عمران “وصلنا إلى مرحلة اللاعودة بعد هذا الكم من التحريض والقتل والتشنج، وفي الوقت القريب لا يوجد حل سوري جامع للسويداء أو بقية السوريين، وإنما ستفرض الحلول علينا من الخارج”.
وإن كان هناك سبيلاً للحل فهو بـ”تشكيل حكومة تشاركية وطنية وجيش وطني من المنشقين عن نظام الأسد، وعقد اجتماعي بعد حوار وطني سوري يشرف على إعادة هيكلة مؤسسات الدولة”، بحسب عمران.
بدوره، استبعد الدكتور عامر أن يتعاون أبناء السويداء حتى فيما يخص لجنة تقصي الحقائق، معتبراً أن “اللجنة يجب أن تكون دولية، وإذا كانت الدولة بريئة فعليها أن تدعم هذا الاتجاه”، لأن هذا من شأنه أن “يدعم عودة السويداء إلى الحضن السوري”.
وحمّل عامر الحكومة السورية مسؤولية “دعوات التقسيم والانفصال في السويداء”.
