6 دقائق قراءة

العشائر على خط الفرات: الحراك الشعبي يلعب دوراً حاسماً في انسحاب “قسد”

الانسحاب المفاجئ لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) خلق واقعاً جديداً في دير الزور والرقة، حيث يشعر السوريون بتفاؤل حذر بشأن المستقبل.


22 يناير 2026

دير الزور، الرقة- شهد جسر عائم يربط ضفتي نهر الفرات في محافظة دير الزور، شرق سوريا، نشاطاً كبيراً، يوم الاثنين، حيث تدفق العشرات سيراً على الأقدام و أو بالسيارات، بعضهم يحملون أمتعة مثبتة على أسقف مركباتهم، وآخرون يرفعون العلم السوري (علم الثورة).

قبل شهرين، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، كانت الرقابة شديدة عند هذا الجسر، الذي يربط مدينة دير الزور غرباً مع قرية هطلة شرقاً، إذ كانت تنتشر حينها نقاط تفتيش تابعة للحكومة السورية الجديدة على أحد طرفيه، ونقاط تفتيش تابعة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) على الطرف الآخر.

وبعد يوم واحد من سيطرتها على المحافظة، حاولت الحكومة السورية ضبط الفوضى عند طرفي النهر، كان الجنود وقوى الأمن الداخلي يلوحون بأيديهم، محاولين تنظيم حركة المرور، بينما كانت المدرعات العسكرية تمر إلى جانب سيارات المدنيين عبر الجسر المؤقت.

منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، كانت دير الزور أشبه ببرميل بارود، لأن المحافظة التي يقطعها نهر الفرات إلى نصفين، كانت حتى الأسبوع الماضي منطقة حدودية تفصل مناطق سيطرة الحكومة السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع غرباً عن مناطق سيطرة “قسد”، المدعومة من الولايات المتحدة شرقاً.

ورغم أن الطرفين حافظا على هدوء هش لمدة عشرة أشهر بعد اتفاق آذار/ مارس 2025، الذي يقضي بدمج قوات “قسد” والمؤسسات التابعة لها ضمن الدولة السورية، إلا أن المفاوضات المتعثرة تحولت هذا الشهر إلى مواجهات عنيفة.

شهدت أحياء حلب ذات الغالبية الكردية، مثل الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد، أياماً من القتال، سيطرت خلالها القوات الحكومية على الأحياء في العاشر من كانون الثاني/ يناير الحالي. وفي 17  من الشهر ذاته، انتقل القتال إلى منطقة دير حافر، بريف حلب الشرقي، وخلال أقل من 48 ساعة، أجبرت قوات “قسد” على الانسحاب من محافظتي الرقة ودير الزور، ذات الغالبية العربية، نتيجة التقدم الحكومي، الذي رافقه مشاركة عشائرية وانشقاقات في صفوف “قسد”.

وكان خطاب حميدو، من سكان قرية هطلة، يقف عند الطرف الشرقي للجسر العائم، عندما كان الناس يعبرون يوم الأثنين، معبّراً عن فرحته بـ”التحرير”، لأن “الوضع كان سيئاً جداً [تحت سيطرة قسد]، كنا قلقين من أمور كثيرة، منها إغلاق الطرق ووجود نقاط التفتيش”، كما قال لـ”سوريا على طول”.

يقطن حميدو بالقرب من دوار الحلبية قرب الجسر، الذي شهد اشتباكات بين قوات موالية للحكومة و”قسد” في وقت سابق من هذا الأسبوع، وأشار بيده إلى مبنى قريب: “كان بالقرب من محطة الوقود تلك يتواجد قناصة تابعين لقسد”، وقد استمر إطلاق النار واستخدام الطائرات المسيرة لعدة ساعات.

وأضاف: “لم نتوقع ذلك، لكن الحمد لله، غادروا بين ليلة وضحاها، ومضت الأحداث بسرعة”.

سوريون يحتفلون في قرية هطلة، على الضفة الشرقية لنهر الفرات في محافظة دير الزور، التي كانت تحت سيطرة قسد، 19/ 01/ 2025، (أناغا سوباش ناير/ سوريا على طول)

سوريون يحتفلون في قرية هطلة، على الضفة الشرقية لنهر الفرات في محافظة دير الزور، التي كانت تحت سيطرة قسد، 19/ 01/ 2025، (أناغا سوباش ناير/ سوريا على طول)

انتفاضة العشائر

وشاركت في هذه المنطقة مجموعات عشائرية، من البكارة والعقيدات، وقد سبق للعرب، الذين يشكّلون الغالبية في مناطق دير الزور والرقة، أن ثاروا ضد “قسد”، لا سيما في عام 2023. ومنذ سقوط نظام الأسد، أعلنوا رفضهم لقسد لأسباب عدة.

وقال الشيخ حاجم البشير، شيخ قبيلة البكارة في سوريا، إن قرار الوقوف ضد “قسد” جاء بعد نفاد صبر الأهالي، مضيفاً لـ”سوريا على طول” من مكتبه في قرية محيمدية، حيث كان مع ابنه وعدد من رجال قبيلة البكارة: “كان الناس صبورين طيلة فترة المفاوضات التي أجرتها الحكومة السورية، لكن لم تفض المفاوضات إلى حل”.

وتابع: “جاء التحرك الشعبي بعد صبر ومعاناة كبيرة على مدار العام”، مشيراً إلى مشاركة أشخاص “كانوا قد انضموا إلى الحكومة” دون الخوض في التفاصيل.

الشيخ حاجم البشير، شيخ قبيلة البكارة في سوريا، يجلس في مكتبه بقرية محيمدية في ريف دير الزور، 19/ 01/ 2025، (أناغا سوباش ناير/ سوريا على طول)

الشيخ حاجم البشير، شيخ قبيلة البكارة في سوريا، يجلس في مكتبه بقرية محيمدية في ريف دير الزور، 19/ 01/ 2025، (أناغا سوباش ناير/ سوريا على طول)

كانت قبيلة البكارة تنسق مع “قسد” وتعمل معها في الماضي بسبب عدم وجود خيارات أخرى، كما أوضح ابن الشيخ البشير، أبو حاجم، مضيفاً: “عندما تقارن بين نظام الأسد وقسد، تختار العمل مع قسد. لكن بما أنه صار لدينا حكومة، فمن الطبيعي أن نعمل معها”.

وبعد أن صارت دير الزور تحت سيطرة الحكومة السورية لا تنوي قبيلة البكارة القيام بأي انتفاضة مرة أخرى، بحسب البشير.

أسامة، مقاتل من قبيلة العقيدات، كان واقفاً يوم الإثنين عند دوار الدلة، على الطرف الغربي من دير الزور، ومسلحاً ببندقيته، بينما كان العشرات من المقاتلين الآخرين يقفون بالقرب منه، بعضهم يحمل سكاكين مثبتة على الخصر.

ذهب أسامة، الذي كشف عن اسمه الأول فقط، الأمر بشكل مختلف عن البشير، قائلاً: “لا نعتبر الثورة مكتملة حتى نحرر الحسكة، عين العرب [كوباني]، والقامشلي”، في إشارة إلى المدن ذات الغالبية الكردية في المناطق التي لا تزال تحت سيطرة “قسد”، مضيفاً: “ثم السويداء والقنيطرة”.

وفي ظل اتفاق وقف إطلاق نار هش لمدة أربعة أيام دخل حيز التنفيذ في 20 كانون الثاني/ يناير، تعهدت قوات دمشق بعدم دخول المدن والبلدات الكردية في حال التوصل إلى اتفاقية دمج قوات “قسد” ضمن مؤسسات الدولة.

أسامة، الثاني من اليسار، يقف بجانب مقاتلين آخرين من قبيلته في دير الزور، 19/ 01/ 2025، (أناغا سوباش ناير/ سوريا على طول)

أسامة، الثاني من اليسار، يقف بجانب مقاتلين آخرين من قبيلته في دير الزور، 19/ 01/ 2025، (أناغا سوباش ناير/ سوريا على طول)

سجن الأقطان

في اليوم التالي، تمركزت القوات الحكومية في منطقة سجن الأقطان، شمال محافظة الرقة. وما تزال قوات سوريا الديمقراطية داخل السجن، الذي يضم مزيجاً من المشتبه بانتمائهم لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وأشخاص متهمين بتهم أخرى، على الرغم من سيطرة دمشق على بقية المحافظة.

على بعد بضعة كيلومترات، كانت الأجواء متوترة بعد ظهر يوم الثلاثاء، وقال أحد عناصر الأمن الداخلي، أثناء وجوده على الطريق المؤدي إلى السجن: “قد نبدأ بإطلاق الصواريخ قريباً”.

عناصر من الأمن الداخلي السوري يتجهون نحو سجن الأقطان شمال الرقة، 20/ 01/ 2025، (أناغا سوباش ناير/ سوريا على طول)

عناصر من الأمن الداخلي السوري يتجهون نحو سجن الأقطان شمال الرقة، 20/ 01/ 2025، (أناغا سوباش ناير/ سوريا على طول)

في الوقت نفسه، تجمع أفراد عائلات بعض المعتقلين داخل السجن بقلق، على أمل إطلاق سراح ذويهم، من بينهم ثامر عبد العزيز الغبن، الذي ينتظر اثنين من أبنائه، كانت “قسد” قد اعتقلتهما قبل 15 يوماً، “لأنهم وجدوا على هواتفهم العلم السوري، فاعتبروهما إرهابيين وأخذوهما”، كما قال لـ”سوريا على طول”.

وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مئات حالات الاعتقال التعسفي من قبل “قسد” خلال العام الماضي، بعضهم على خلفية تأييدهم للحكومة السورية الجديدة في دمشق.

حتى اليوم الخميس، ما زال الغبن ينتظر، وما زال سجن الأقطان محاصراً من قبل القوات الحكومية، وسط مفاوضات مع مقاتلي “قسد” داخله. وقال مركز الإعلام التابع لـ”قسد” في بيان صحفي، اليوم، أن “فصائل مدعومة من دمشق” قصفت السجن عدة مرات، في خرق لوقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ في 20 كانون الثاني/ يناير.

تفاؤل حذر

توقع ألكسندر ماكيفر، باحث يركز على شمال سوريا، أن يكون لدمشق دور “مباشر إلى حد ما” في الانتفاضة العشائرية على طول نهر الفرات، لافتاً إلى أن جهاد عيسى الشيخ، رئيس مجلس القبائل والعشائر الذي أنشأته الرئاسة السورية في أيلول/ سبتمبر 2025، عقد اجتماعات منظمة مع ممثلي العديد من القبائل في شرق سوريا.

أشخاص يستقلون قارباً في مياه الفرات بمحافظة دير الزور الشرقية، 19/ 01/ 2025، (أناغا سوباش ناير/ سوريا على طول)

أشخاص يستقلون قارباً في مياه الفرات بمحافظة دير الزور الشرقية، 19/ 01/ 2025، (أناغا سوباش ناير/ سوريا على طول)

وأضاف ماكيفر: “هناك مؤشر آخر، وهو أن القوات القبلية دخلت [شمال شرق سوريا] في كل مكان على طول النهر، بينما كانت [الانتفاضات السابقة] غير منظمة إلى حد ما وظهرت في أماكن عشوائية”. بينما هذه المرة “كانت في كل مكان دفعة واحدة”.

من جهته، نفى الشيخ البشير وجود تنسيق كبير مع الحكومة، وإنما الأهداف “تطابقت”، قائلاً: “قد يشعر المراقب أن هناك تنسيق، لكنه لم يكن موجوداً؛ وإنما الشعور يوحدنا لأن الهدف واحد: التخلص من هذا النظام المجرم”.

وبعد تراجع قوات “قسد” إلى محافظة الحسكة وفشل عدة اتفاقيات لوقف إطلاق النار، أعلنت الأخيرة الاستنفار العام، معتبرة الصراع “وجودياً”، وفق ما أكد ماكيفر.

وبينما أعلنت “قسد” عن التزامها بآخر اتفاق لوقف إطلاق النار، لا يزال “من شبه المستحيل” تحديد ما إن كان هذا الاتفاق سيصمد، بحسب ماكيفر، نظراً لانهيار الاتفاقيات السابقة بسرعة.

وفي الوقت الحالي، يسود المزاج العام في دير الزور والرقة التفاؤل، إلى حدّ كبير. وقال حميدو إن السكان سعداء بالتغيير في الإدارة، معرباً عن أمله بمستقبل مستقر.

وأضاف: “آمل أن يتمكن الناس من العمل وتطوير أنفسهم، والسير في الشوارع بحرية، مع بركة الله في حياتنا”.

شارك هذا المقال