القوافل الإنسانية لا تكفي: السويداء معزولة أم تعزل نفسها؟
بينما يتهم أبناء محافظة السويداء، ذات الغالبية الدرزية، الحكومة السورية بفرض حصار أو التشديد على دخول السلع، تنفي الأخيرة ذلك، وتتهم الشيخ حكمت الهجري برفض دخول المساعدات الحكومية
1 أغسطس 2025
باريس- دخلت قافلة المساعدات الإنسانية الخامسة إلى محافظة السويداء، يوم أمس الخميس، وهي “الأكبر” منذ بدء الأحداث الدامية بحق الدروز والبدو في المحافظة، منتصف تموز/ يوليو الماضي. حملت القافلة التي ضمت 40 شاحنة “الاحتياجات الضرورية لحياة العائلات، ومواد تدعم تشغيل الخدمات الحيوية، التي باتت تعتمد بشكل كلي على قوافل المساعدات الإنسانية”، بحسب الهلال الأحمر العربي السوري.
كذلك، حملت القافلة أبراجاً ومحولات وكابلات كهرباء وغيرها من المستلزمات لصالح الشركة العامة لكهرباء محافظة السويداء، لاستبدال الأبراج المتضررة وإصلاح الأعطال.
في يوم دخول قوافل المساعدات الإنسانية التابعة للهلال والصليب الأحمر إلى السويداء، أمضى طارق سليمان (اسم مستعار) أكثر من ست ساعات في البحث عن ربطة خبز لعائلته في ريف السويداء الشرقي، لكن محاولاته باءت بالفشل، كما قال لـ”سوريا على طول”.
تعاني محافظة السويداء حالة من شح المواد الأساسية أو فقدانها من الأسواق، ويتهم أبناء المحافظة، ذات الغالبية الدرزية، الحكومة السورية الحالية بفرض “حصار” أو “تشديد” على دخول السلع، وهو ما نفاه المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، معتبراً أن هذه الرواية “محض كذب وتضليل”، على حد قوله.
وأشار إلى أن الحكومة فتحت ممرات إنسانية لإدخال المساعدات إلى المدنيين بالتعاون مع منظمات محلية ودولية، متهماً ما أسماه “المجموعات الخارجة عن القانون” باستغلال الأزمة الإنسانية لزيادة الضغط على السكان، والحفاظ على نشاطاتها غير المشروعة، لاسيما تجارة السلاح والمخدرات.
وكان الشيخ حكمت الهجري، أحد مشايخ عقل الطائفة الدرزية، الذي يقود حالياً غالبية المجموعات العسكرية المعارضة للحكومة في السويداء، قد رفض دخول قوافل المساعدات الإنسانية بمرافقة وفد حكومي، مشترطاً دخول مساعدات الهلال الأحمر والمنظمات الدولية فقط.
خلال الأسبوعين الماضيين، وقعت مواجهات بين مجموعات درزية وأخرى من عشائر بدو السويداء، تطورت لاحقاً إلى عمليات واسعة شارك فيها عشائر من خارج المحافظة، بعدما انتشرت القوات الحكومية في 14 تموز/ يوليو، محاولة فض النزاع ووقف الاشتباكات، بحسب الرواية الحكومية.
لكن البعض اعتبر في هذه الخطوة محاولة من دمشق لفرض سيطرتها على المحافظة بالقوة، وهو ما أدى إلى جولة جديدة من المواجهات بين المجموعات الدرزية من جهة والقوات الحكومية ومجموعات موالية لها من جهة أخرى، بما في ذلك مقاتلو العشائر.
تسببت أحداث السويداء بمقتل ما لا يقل عن 814 شخصاً وإصابة أكثر من 903 آخرين، منذ 13 تموز/ يوليو وحتى 23 من الشهر ذاته، كأحدث إحصائية نشرتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان، تشمل الحصيلة ضحايا مدنيين ومقاتلين من المجموعات الدرزية وعشائر البدو والقوات الحكومية، وفقاً للشبكة.
وبينما تورطت القوات الموالية لدمشق بتنفيذ عمليات قتل وانتهاكات بحق مدنيين دروز، ارتكبت مجموعات درزية عمليات قتل مشابهة بحق مدنيين بدو من أبناء المحافظة.
أسواق شبه فارغة!
يعاني حسان أبو عسلي يومياً من “البحث عن حاجيات المنزل في مدينة السويداء” بعد فقدان غالبية المواد والسلع الأساسية من الأسواق، متهماً الحكومة السورية بـ”حصار السويداء، تحت شعار الجوع أو الركوع”، كما قال لـ”سوريا على طول”.
وأضاف: “أغلب المواد مفقودة من الأسواق، أهمها الوقود، وهو ما تسبب بتعطل حركة وسائل النقل وآبار مياه الشرب، التي تعتمد [مضخاتها] على المحروقات”.
وكذلك، “أسواق السويداء خالية من جميع أنواع الخضروات باستثناء البندورة [التي تزرع محلياً]، وشارفت المواد التموينية الأخرى والمعلبات على النفاد أو بعضها نفد بالكامل”، بحسب أبو عسلي، مشيراً إلى أن “السويداء بحاجة كل شيء”.
وتتفق سحر ناصر (اسم مستعار)، ناشطة إعلامية مقيمة في مدينة السويداء، مع أبو عسلي في أن “الوضع الإنساني مزري للغاية، وغالبية السلع باتت مفقودة”، لافتة إلى أن المال لا يحلّ الأزمة، لأن “بعض العائلات لديها ما يكفي من المال لشراء حاجياتها، لكن لا يوجد سلع في الأسواق”، كما قالت لـ”سوريا على طول” شريطة عدم ذكر اسمها.
لدى عائلة طارق سليمان قليلاً من الطحين “لكن ليس لدينا محروقات لصناعة الخبز في المنزل”، لذا اضطر قبل أيام إلى “صناعة الخبز على الحطب بعد أن عجزت عن تأمين ربطة خبز في كامل بلدتي”.
وكذلك، تشهد السويداء أزمة حادة في توفير مياه الشرب، بعد خروج 98 بئر مياه جوفية ومحطة ضخ رئيسية عن الخدمة في المحافظة، بحسب إحاطة قدمها مدير مؤسسة المياه في السويداء المهندس مثنى أبو عساف، أمس الخميس، للوفد الأممي الذي زار المحافظة.
ونتيجة لذلك، ارتفع سعر صهريج المياه سعة 35 برميل (7 آلاف ليتر) إلى 500 ألف ليرة سورية (48 دولار)، بحسب أبو عسلي.
من يحاصر السويداء؟
“لا يوجد حصار كامل، لكن هناك تأخير وتعطيل في دخول المساعدات من قبل الأمن العام ومقاتلي العشائر”، على حد قول سليمان، ناهيك أن “القوافل التي دخلت حتى الآن لا تكفي” لسد احتياجات المحافظة.
وانتقد سليمان حكومة دمشق لأنها افتتحت المعبرين من جهة محافظة درعا بدلاً من طريق دمشق-السويداء، لأن ذلك يؤدي إلى “تأخير وصول المساعدات الإنسانية، وتخوف الأهالي والتجار من الخروج عبر هذه المعابر”، ناهيك عن أن “الحكومة تحاول إخفاء معالم الجريمة التي وقعت على الطريق، لذلك قامت بتحويل المعابر إلى جهة درعا”، وفقاً له.
وطالب سليمان دمشق بـ”فتح طريق دمشق-السويداء وحمايته، لأن طريق السويداء-بكا- بصرى الشام، الطريق المفتوح حاليا بحسب الحكومة، بعيد وخطر”.
رداً على ذلك، قال صحفيان مشاركان في التغطية الصحفية لدخول القوافل الإنسانية إلى السويداء، أن عشرات الشاحنات والصهاريج المحملة بالمساعدات الإنسانية والمحروقات دخلت عبر المعبرين الإنسانيين اللذين افتتحتهما الحكومة السورية من جهة درعا.
ونفى الصحفي عماد البصيري، وهو أحد الصحفيين الذين شاركا في التغطية، حصار دمشق لمحافظة السويداء، مؤكداً في حديثه لـ”سوريا على طول” أن “المعابر مفتوحة”، لكن “الهجري اشترط دخول المساعدات التي تحمل شعار الهلال الأحمر السوري أو المنظمات الدولية، ومنع في الوقت ذاته دخول المساعدات الحكومية”، وهو ما أدى إلى “عدم تغطية القوافل للاحتياجات الإنسانية”.
“قبل أيام كان هناك محاولة لإدخال 25 شاحنة محملة بالخبز، جمعها أهالي حوران لجيرانهم في السويداء، وبعد أن عبرت حواجز الأمن العام، رفضت مجموعات عسكرية تتبع للهجري في منطقة بكا [بريف السويداء الجنوبي الغربي] دخولها واعادتها من حيث أتت”، بحسب البصيري.
وفي هذا السياق، قال مسؤول ميداني من الهلال الأحمر السوري بدرعا، لـ”سوريا على طول” أن فرق منظمته “تعمل على تقديم دعم متوازن لأبناء محافظة السويداء داخلها والنازحين من أبنائها إلى محافظة درعا”، ونفى وجود تضييق أو صعوبات تعترضها من الجانب الحكومي.
وعزا المسؤول، الذي طلب عدم الكشف اسمه لأنه غير مخول للحديث إلى وسائل الإعلام، الأزمة الإنسانية في السويداء إلى “رفض البعض دخول المساعدات الحكومية، واشتراط دخول مساعدات الهلال الأحمر”، وهذا تسبب في “نقص الموارد في السويداء، التي تحاصر نفسها بنفسها برفض دخول القوافل الحكومية”.
“الهلال الأحمر وحده لا يستطيع أن يغطي احتياجات السويداء، فنحن جهة مساعدة للحكومة ولا نمتلك القدرات اللوجستية أو المساعدات الكافية لتعويض غياب مؤسسات الدولة”، قال المسؤول، مؤكداً وجود “تعاون من قبل الحكومة، التي تسلم الهلال الأحمر مخصصات السويداء من المحروقات من أجل إدخالها”.
حالة من العزلة!
في خضم أعمال العنف التي عاشتها المحافظة الأسبوعين الماضيين، تداول ناشطون سوريون عشرات البيانات الصادرة عن شركات وتجار من محافظات مختلفة، تدعو إلى مقاطعة التعاملات التجارية مع الأهالي والتجار في محافظة السويداء، علماً أن الكثير من البيانات تبين لاحقاً أنها مزيفة، لكنها نجحت في خلق حالة من العزلة.
“المعابر مفتوحة، لكن يخشى الأهالي والتجار الخروج من السويداء للتسوق من جهة، ومن جهة أخرى أعلن الكثير من التجار في الخارج وقف التعامل مع تجار السويداء بسبب التعميم الخاطئ”، بحسب المسؤول من الهلال الأحمر.
وبدوره، قال الصحفي البصيري أن السويداء “دخلت في حالة من العزلة مع محيطها، إذ إن تجارها يخشون الخروج وتجار المحافظات الأخرى يخشون الدخول إليها ولا يريدون إرسال بضائعهم خشية تعرضها للنهب والسرقة”.
بغض النظر إن كانت السويداء محاصرة أو أنها معزولة أم تعزل نفسها. يعيش أبناء المحافظة ظروفاً إنسانية صعبة، يزيد من حدتها- إلى جانب شح المواد الأساسية- نزوح مئات العائلات من ريفي السويداء الشمالي والغربي إلى المدينة، ما أدى إلى مزيد من الضغط عليها، بحسب أبو عسلي.
