7 دقائق قراءة

اللاجئون السوريون في الأردن: عودة أقرب إلى نزوح عن الوطن الثاني

خلال ما يزيد عن عقد من اللجوء، أسست بشرى وزوجها نضال حياة بدت مستقرة ولربما دائمة في الأردن، حيث أنجبا أيضاً ثمانية من أولادهما التسعة، لكن الآن تجد العائلة نفسها مدفوعة إلى العودة لوطن ما يزال يئن من ويلات حرب طويلة


20 أغسطس 2025

تحرير: منار رشواني

لجأ الزوجان بشرى ونضال إلى الأردن من ريف حمص، وسط سوريا، في العام 2013، بعد أن خسرا طفلة بسبب الجفاف، نتيجة ظروف الحرب التي عرفتها سوريا لأربعة عشر عاماً، وأدت إلى واحدة من أكبر أزمات التهجير القسري في العالم، بنحو 6.1 مليون لاجئ و7.4 مليون نازح، كان للأردن نصيب كبير من تداعياتها. 

عشية انهيار نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024، بلغ عدد اللاجئين السوريين المسجلين في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الأردن نحو 620 ألف لاجئ. لكن الأرقام الحكومية تشير إلى احتضان المملكة 1.3 مواطن سوري، كان يقيم نحو 105 آلاف منهم فقط في مخيمات اللجوء الثلاثة: الزعتري والأزرق، إضافة إلى مخيم مريجيب الفهود، المعروف أيضاً باسم المخيم الإماراتي-الأردني.

اثنان من أولاد بشرى يحيطان بها بينما تحاول إيجاد طريقة لحزم أمتعة أسرتها استعداداً للرحيل. 

اثنان من أولاد بشرى يحيطان بها بينما تحاول إيجاد طريقة لحزم أمتعة أسرتها استعداداً للرحيل

خلال ما يزيد عن عقد من اللجوء، أسست بشرى وزوجها نضال حياة بدت مستقرة ولربما دائمة في الأردن، حيث أنجبا أيضاً ثمانية من أولادهما التسعة. لكن الآن تجد العائلة نفسها مدفوعة إلى العودة لوطن ما يزال يئن من ويلات حرب طويلة. 

تحسن الوضع الأمني، لاسيما بسقوط نظام بشار الأسد، والرغبة في الاجتماع بالأهل، يعدان أهم دافعين للاجئين العائدين أو الراغبين في القيام بذلك قريباً.

“لما راح بشار الأسد كان أحلى شعور بالعالم. لقد مات لنا أقارب هناك، حتى ابنتنا توفيت هناك من الجفاف بعد ولادتها. وقد ولدتها زوجتي لوحدها من دون مساعدة من داية، لأنه كان هناك حواجز عسكرية”، يستذكر نضال. و”منذ أربع سنوات توفيت أمي، ورجع أبي وإخوتي إلى سوريا ولم يبق لي سند”.

وقد شهد كانون الأول/ ديسمبر الماضي وحده عودة 5,100 لاجئ من الأردن، بحسب “المفوضية”، بما يفوق مجمل اللاجئين العائدين خلال العام 2023 كاملاً، حين بلغ العدد 4,400 شخص، وصولاً إلى نحو 120 ألف عائد حتى 19 تموز/ يوليو الماضي، وتوقع تضاعف هذا العدد تقريباً بنهاية العام. 

بشرى تحزم بعضاً من آخر ملابس العائلة المتبقية، فيما تبدو شقتها شبه فارغة قبيل رحيلها من دون زوجها

بشرى تحزم بعضاً من آخر ملابس العائلة المتبقية، فيما تبدو شقتها شبه فارغة قبيل رحيلها من دون زوجها

في مقابل الحنين للوطن والالتقاء بالعائلة، وأمل الاستقرار النهائي في الوطن، ثمة أسباب أخرى طاردة في البلدان المضيفة، تتعلق خصوصاً بتحصيل سبل العيش وتصريح عمل، بالتزامن مع تناقص المساعدات الدولية.

“عندما أتينا إلى الأردن، تشاركنا السكن بداية مع أبي وأمي”، يروي نضال. “عملنا، وساعدتنا الهيئات الإغاثية”.

لكن مع نهاية العام 2024، بلغت البطالة بين اللاجئين السوريين إلى الأردن نسبة 36%. وحتى بالنسبة للعاملين منهم، فإن نسبة 86% لا يحملون تصاريح عمل، في مخالفة للقانون الأردني قد تصل عقوبتها إلى التسفير خارج المملكة.

يتزامن ذلك مع تناقص المساعدات الدولية، لاسيما مع قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تقليص المساعدات الدولية بشكل حاد، بما في ذلك تلك المقدمة لـ”المفوضية”، والتي تعد الولايات المتحدة أكبر مموليها. إذ من أصل 373 مليون دولار أعلنت الوكالة الأممية في الأردن حاجتها إليها في العام الحالي، تم توفير 25% فقط من المبلغ بنهاية حزيران/ يونيو الماضي. 

وكذلك، أدى القرار الأميركي إلى إغلاق 63 برنامج إنساني متخصص في الأردن، تاركاً ما يزيد عن 200 ألف امرأة وطفل من دون رعاية ضرورية.

مع نهاية العام الماضي، كان نحو 93% من اللاجئين السوريين في الأردن يرزحون تحت عبء الدين، بمعدل يزيد عن 1,600 دولار (1,155 دينار أردني) للأسرة الواحدة، منهم رب الأسرة نضال الذي لن يتمكن من مرافقة أسرته لوجود منع سفر بحقه بسبب دين غير مسدد.

إثنان من أطفال بشرى يهرعون لمساعدتها في نقل حقيبتين تحويان بعضاً من أمتعة العائلة. 

إثنان من أطفال بشرى يهرعون لمساعدتها في نقل حقيبتين تحويان بعضاً من أمتعة العائلة

ما يزيد عن مليون طفل سوري ولدوا في بلدان اللجوء، فلم يعرفوا ما يفترض أنه وطنهم، سوريا، إلا من خلال ذكريات الأهل الجميلة وأخبار الحرب الأليمة. من هؤلاء أولاد عائلة أبو شفة، وما لا يقل عن 200 ألف طفل سوري آخر ولدوا في الأردن، وكبروا ولعبوا والتحقوا بالمدارس وكونوا صداقات مع أقرانهم السوريين والأردنيين على حد سواء، فصار هذا البلد وطنهم الفعلي الذي عاشوا فيه بأمان رغم ما عانته وعائلتهم خلال رحلة اللجوء.

إذ عندما عبرت بشرى ونضال وابنتهما الكبرى الحدود نحو الأردن، لم تكن الأم تمتلك أوراقاً ثبوتية، كونها احترقت أثناء الحرب، فاستخدمت وثائق شقيقة زوجها. هكذا صارت بالنسبة لنضال في نظر القانون شقيقته، وصارت عائشة ابنة شقيقته. كما تم تسجيل الأطفال الذين ولدوا لاحقاً باعتبارهم أبناء أشقاء نضال، إلى أن تمكن لاحقاً من تصويب وضعهم القانوني.

أمتعة العائلة تتكدس في حقائب وأكياس خارج المبنى حيث الشقة التي آوت العائلة لسنوات.

أمتعة العائلة تتكدس في حقائب وأكياس خارج المبنى حيث الشقة التي آوت العائلة لسنوات

رغم محدودية موارده، يُعدّ الأردن خامس أكثر دولة استضافة للاجئين في العالم نسبة إلى عدد السكان، بوجود لاجئ بين كل 18 شخصاً من سكانه.

وإضافة إلى ضمان “المفوضية” أن تكون عودة اللاجئين طوعية، وتستند إلى معرفة بالظروف التي لا تزال صعبة في سورية على أكثر من صعيد، توفر الوكالة الأممية خدمات لبعض اللاجئين تخفف عنهم مشاق العودة. من ذلك توفير وسائل نقل للعائدين، استفاد منها في أيار/ مايو الماضي وحده قرابة ألف لاجئ، ومبلغ 400 دولار للمؤهلين لتلقيه، لاستخدامه في تغطية احتياجاتهم الأساسية في سوريا.

الطفلة جنى تقف قريباً من إحدى زوايا الشقة شبه الفارغة بعد أن كانت بيتها وبيت عائلتها الذي لم تأوي لسواه على امتداد سنوات عمرها الخمس.

الطفلة جنى تقف قريباً من إحدى زوايا الشقة شبه الفارغة بعد أن كانت بيتها وبيت عائلتها الذي لم تأوي لسواه على امتداد سنوات عمرها الخمس

بعد يوم من التقاط هذه الصورة، غادرت جنى، رفقة أمها وأشقائها إلى سوريا. ويشكل الأطفال، إناثاً وذكوراً، تحت سن 18 سنة نسبة 43%، والإناث نسبة 48% من مجمل العائدين الذين ينحدرون أصلاً من محافظات درعا، ودمشق وريفها، فَحِمص، وصولاً إلى حلب شمالاً. وقد كان نحو 76% منهم يقيمون في المحافظات الأردنية، لاسيما محافظتي عمان وإربد، في مقابل 24% من قاطني مخيمات اللجوء الثلاثة.

وحيدة من غير زوجها، تعبر بشرى عن تصميمها وهي تمسح دموعها على الأخذ بيد أبنائها خلال رحلة الاستقرار في وطنهم، حيث عائلتها الكبيرة التي تستند إليها في مواجهة الظروف القاسية التي ما تزال تعانيها سوريا.

عائلة أبو شفة يلتقطون صورة جماعية، وهي الأخيرة في عمان، قبيل انطلاق بشرى وأطفالها التسعة في رحلة العودة إلى الوطن سوريا. 

عائلة أبو شفة يلتقطون صورة جماعية، وهي الأخيرة في عمان، قبيل انطلاق بشرى وأطفالها التسعة في رحلة العودة إلى الوطن سوريا

لكن بالنسبة لمن عاش هنا بأمان لأكثر من عقد، تبدو هذه الرحلة أقرب إلى نزوح جديد عن “وطننا الثاني”، كما يصف الزوجان الأردن. 

ومع ذلك، كان لابد للحظة الوداع هذه أن تأتي، حتى وإن كانت تعني الآن الانتقال من لا يقين اللجوء، إلى لا يقين العودة إلى الوطن. وهو ما يعيه نضال: “لقد عايشنا كل شيء هنا. لكن حان الوقت لكي تعود عائلتي إلى الوطن، رغم حجم الدمار الذي سنراه هناك”.

غرفة معيشة العائلة بأثاثها القديم تبدو وقد خلت من حياة كانت تضج بها.

غرفة معيشة العائلة بأثاثها القديم تبدو وقد خلت من حياة كانت تضج بها

بدأت عائلة أبو شفة حياة اللجوء في مخيم الزعتري، حيث أقامت لمدة شهرين، قبل أن تتشارك السكن مع والد ووالدة نضال في عمان. واليوم، تعود بشرى إلى سوريا لتعيش مع أطفالها في غرفة بمنزل عائلتها.

مع ذلك، فهي قد تكون أكثر حظاً من كثير من اللاجئين والنازحين السوريين الذين لم يعد لهم مكان يؤويهم في وطنهم. إذ بسبب الحرب، فإن واحداً من كل ثلاثة منازل في سوريا مدمر أو متضرر، فيما تم تدمير 328 ألف منزل بشكل كلي.

سيارتان لنقل الركاب بين الأردن وسوريا تستعدان للانطلاق وقد حملتا كل ما أمكن من حاجيات عائلة أبو شفة. 

سيارتان لنقل الركاب بين الأردن وسوريا تستعدان للانطلاق وقد حملتا كل ما أمكن من حاجيات عائلة أبو شفة

إضافة إلى الملابس والفُرُش وأدوات المطبخ، تأخذ العائلة معها خزاني مياه وأسطوانات غاز، لأنها تحتاج كل ما تستطيع حمله معها إلى وطنها المدمر، الذي تعاني الفقر الغالبية العظمى من سكانه. 

فقد أدت الحرب إلى ارتفاع الفقر من 33% في العام 2011 إلى 90% حالياً، فيما تضاعف الفقر المدقع ست مرات من نحو 11% إلى 66%، ناهيك بنقص الخدمات الأساسية، لاسيما الماء والكهرباء والتعليم والرعاية الصحية.

رغم ذلك يقول نضال: “أشتاق لسوريا، أشتاق لحمص”، ممنياً النفس، كما كل السوريين، بأن يعود وأسرته “إلى وطننا ما قبل الحرب، وطن ينتمي للمستقبل. أريد لأولادي أن يعرفوا وطنهم من دون حرب”.

هذه القصة من إنتاج “ويش بوكس ميديا” بالتعاون مع برنامج قريب، الذي تنفذه الوكالة الفرنسية للتعاون الإعلامي (CFI)، وتموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD).

شارك هذا المقال