7 دقائق قراءة

المعتقلون السوريون في لبنان: ورقة مساومة أم ملف إنساني مؤجل؟

في العامين الأخيرين مات حوالي 40 معتقلاً - سوريا ولبنانيا - في السجون اللبنانية بسبب الإهمال الطبي، وعجز الدولة اللبنانية عن تأمين الغذاء والدواء للمعتقلين.


28 أغسطس 2025

مرسين- كان من المقرر أن يزور وفد رسمي سوري، اليوم الخميس، العاصمة اللبنانية بيروت، لبحث ملفي الموقوفين السوريين في لبنان وترسيم الحدود بين البلدين، لكن الزيارة أُجلت قبل يوم من موعدها، ما قد يعني مزيداً من المعاناة للمعتقلين وربما موت العديد منهم إلى حين الوصول إلى اتفاق بين الجانبين.

في منتصف آب/ أغسطس الحالي، شيّع أهالي مدينة القصير بريف حمص، أسامة الجاعور، الذي توفي في سجن رومية بلبنان بعد أن تدهورت حالته نتيجة النقص الحاد في الرعاية الطبية، وكانت جنازته في مسقط رأسه، حيث امتزجت تكبيرات المساجد مع أجراس الكنائس، بمثابة صرخة جديدة لإنهاء ملف المعتقلين السوريين في لبنان.

اعتقلت السلطات اللبنانية الجاعور، 39 عاماً، في بلدة عرسال اللبنانية عام 2015 بجرم “الإرهاب” لأنه كان عنصراً في كتائب “الفاروق”، التابعة للمعارضة السورية، وأصدرت بحقه المحكمة العسكرية، في عام 2019، حكماً بالسجن المؤبد.

تدهورت حالة الجاعور الصحية في السجن تدريجياً، إلى أن تم نقله في العام الماضي إلى “البيت الأزرق”، المبنى المخصص لذوي الأمراض العقلية داخل سجن بيروت المركزي، المعروف باسم “سجن رومية”، وتوفي هناك، كما قال المعتقل السابق في السجن ذاته وابن مدينته عمر جمول، لـ”سوريا على طول”.

الجاعور واحد من أصل 40 معتقلاً ماتوا داخل السجون اللبنانية في العامين الأخيرين “بسبب الإهمال الطبي”، كما قال المحامي اللبناني محمد صبلوح لـ”سوريا على طول”، محذراً من أن السجون في لبنان “على أبواب الانفجار، في ظل الوضع المأساوي داخلها، وعجز الدولة اللبنانية عن تأمين الغذاء والدواء للمعتقلين”.

من جانبهم، يواصل ذوو المعتقلين، المتهمين بـ”الإرهاب” أو ما يعرف بملف “الإسلاميين”، البالغ عددهم نحو 400 معتقل بينهم 170 سورياً، بتنظيم وقفات احتجاجية وإرسال مناشدات للسلطات اللبنانية والسورية، كان آخرها تنظيم عدة وقفات احتجاجية، أمس الأربعاء، إحداها من أمام معبر جوسية الحدودي مع لبنان، طالب فيه أهالي المعتقلين السوريين في لبنان بالإفراج عن المعتقلين.

بالتزامن مع ذلك، اعتصم آخرون – لبنانيون سوريون – أمام سجن رومية في لبنان للمطالبة بإطلاق سراح معتقلي الثورة السورية وأنصارها.

قبل ذلك، أصدر سجناء لبنان بياناً، في 25 آب/ أغسطس الحالي، مقدمين سلسلة من الحلول الإنسانية لهم، ومنها: تقليص السنة السجنية استثنائياً لستة أشهر، وإخلاء سبيل من قضى أكثر من عشرة سنوات دون محاكمة، كون أكثر من 70 بالمئة من السجناء موقوفين منذ سنوات دون محاكمات، وأن يتم تسليم جميع المعتقلين السوريين إلى سوريا.

وكانت الحكومة اللبنانية قد رفضت في منتصف تموز/ يوليو الماضي مشروع قانون يقضي بخفض السنة السجنية من تسعة إلى ستة أشهر، كما رفضت في 13 الشهر الحالي، مقترح قانون “يقضي بمنح عفو عام استثنائي لأسباب إنسانية بعد وفاة سجينين”، رغم أهمية هذه الخطوة نظراً لـ”الاكتظاظ في السجون، إذ وصل عدد النزلاء في سجن رومية إلى أكثر من أربعة آلاف شخص، بينما قدرته الاستيعابية 1200 نزيل”، بحسب المحامي صبلوح، مدير مركز “سيدار” الحقوقي، والمهتم بملف السوريين في لبنان.

ويعود أصل القضية إلى اتهام غالبية هؤلاء المعتقلين بالمشاركة في معارك ضد الجيش اللبناني في جرود عرسال، عام 2014، وقد وُجهّت التهمة لأكثر من 152 شخصاً في أيار/ مايو 2016. 

معاناة نفسية وجسدية

تعرض المعتقلون في سجن رومية، خاصة في سنوات الاعتقال الأولى، لتعذيب شديد، ومن ثم إهمال طبي متعمّد، كما قال جمول، مشيراً إلى أن المعتقلين يشتكون من عرقلة إدارة المركز الطبي في السجن وصول الدواء للسجناء المرضى وتأخير إجراء نقلهم إلى المستشفيات لتلقي العلاج. 

ومثال ذلك ما حصل مع معتقل سوري كان بحاجة إلى عملية قلب مفتوح، تكلفتها 7,500 دولار أميركي. حاول ذوو المعتقل تأمين المبلغ بمساعدة الجمعيات الخيرية، ولكن حين اكتمل المبلغ بعد ثلاثة أشهر توفي المعتقل، بحسب المحامي صبلوح.

تكررت حوادث الوفيات في سجن رومية، وواكبت العديد منها، مع ذلك “لم تجرؤ الدولة اللبنانية على فتح تحقيق واحد بأي حالة، رغم ادعائي للقضاء في بعض الوفيات، لكن دون جدوى”، قال صبلوح، متهماً القضاء بـ”عدم القيام بواجبه، والحكومة والمجلس النيابي بعدم الاهتمام في شؤون المعتقلين”.

واستنكر صبلوح أن يتحمل ذوو المعتقلين دفع تكاليف علاج أبنائهم وإطعامهم، رغم “الدعم المخصص من الاتحاد الأوروبي للدولة اللبنانية من أجل استضافة السوريين”، ناهيك عن أن “إسبانيا تبرعت بمبلغ مئة ألف دولار لإنشاء منظمة طاقة شمسية في سجن رومية لتأمين المياه الساخنة، ومع ذلك يسخّن السجناء المياه بطريقة بدائية”، بحسب صبلوح.

اشتكت آمنة حربا لـ”سوريا على طول” من سوء حالة شقيقها حسن الصحية، المعتقل في سجن رومية، إذ يعاني من نقص المناعة بعد مشاركته في الإضراب عن الطعام الذي استمر 18 يوماً من 11 شباط/ فبراير حتى مطلع آذار/ مارس 2025، ليصاب في حزيران/ يونيو بفيروس كورونا، ما استدعى نقله أكثر من مرة إلى المستشفى، كما قالت أخته.

تقدمت المحامية ديالا شحادة وعدة شهود أدلة قاطعة ببراءة حربا، المعتقل بسبب تشابه اسمه مع حسن يونس حربا، والدته عزيزة، الملقب بـ”أبو علي الوادي”، المتهم الحقيقي عند السلطات اللبنانية والذي قتل في معارك تدمر بريف حمص عام 2015، بينما اسم والد حسن المعتقل حالياً في لبنان محمد جميل وأمه فاطمة.

المرض من ناحية، وسوء حالته النفسية من ناحية أخرى، أفقدته حوالي 15 كيلوغراماً، كما قالت أخته.

واقع السجون اللبنانية، لا سيما في رومية، انعكس على الحالة النفسية للسجناء، إذ أقدم المعتقل السوري محمد فواز الأشرف، 40 عاماً، على الانتحار، في الثالث من تموز/ يوليو الماضي، وبعده بيوم واحد انتحر المعتقل اللبناني علي عواضة، احتجاجاً على رفض الجهات المعنية إدخال الدواء اللازم.

تعليقاً على ذلك، قال المعتقل السوري علاء الحسيكي، المسجون في رومية منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، أنه يعاني من “تحطم نفسي وانهيار عصبي” مع النزلاء الآخرين، بسبب أخبار الوفيات وحوادث الانتحار داخل السجن، حتى صار سؤال “متى موعد موتنا؟” لا يفارقه، كما قال لـ”سوريا على طول”.

عرقلة تسليم المعتقلين

عندما أبدى السجناء السوريون وذووهم مخاوفهم من تسليمهم لنظام الأسد البائد، بموجب اتفاق بين رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ونظيره السوري حسين عرنوس، في 23 نيسان/ أبريل 2024، يقضي بتنسيق تسليم السوريين والمعتقلين للجانب السوري، أقدم لبنان على ترحيل عدد من السجناء آنذاك، ولقي عدد منهم حتفهم تحت التعذيب في سوريا، من بينهم أحمد الحيدر، الذي توفي في 25 حزيران/ يونيو 2024 بعد شهرين من احتجازه، وأحمد الحللي، في السادس من  تموز/ يوليو 2024 بعد شهر من احتجازه.

في المقابل، تعرقل السلطات اللبنانية تسليم المعتقلين إلى الحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، الذي تولى إدارة البلاد في المرحلة الانتقالية بعد سقوط نظام الأسد، في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024، رغم أنه تسليمهم للسلطات الحالية هو أحد مطالب المعتقلين وذويهم.

تعليقاً على ذلك، قالت الإعلامية والباحثة السياسية صبا مدور لـ”سوريا على طول”، إن ملف معتقلي لبنان هو “ملف سياسي بالدرجة الأولى”، وهذا يفسر تراجع السلطات اللبنانية عن قراراتها بتسليم المعتقلين السوريين لبلادهم بعد تولي الشرع.

وفي ظل التوتر بين البلدين، يمكن أن يتم “توظيف هذا الملف في الضغط على دمشق في مسألة ترتيب العلاقة مع حزب الله، أو بشكل أدق التوصل إلى تفاهمات أمنية تتيح لعناصر حزب الله الحركة بشكل أوسع”، وفقاً لمدور.

“يدرك حزب الله أن إنهاء هذا الملف بلا مقابل وتسليم المعتقلين إلى الدولة السورية سوف يحسب لها كنصر سياسي، وهذا لا يخدم موازين القوى داخلياً وخارجياً” بالنسبة للحزب، بحسب مدور.

وفي هذا الإطار، عزا مدير الشؤون الأميركية في الخارجية السورية، قتيبة إدلبي، تعطيل تنفيذ الاتفاق مع لبنان إلى الضغوطات التي يفرضها حزب الله، وهو الجهة المتسببة باعتقال السوريين هناك.

في أيار/ مايو الماضي، قال وزير الخارجية السورية، أسعد الشيباني، في تغريدة على منصة (X) تويتر سابقاً، أنه التقى برئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، وناقش معه ضرورة تسريع إنهاء معاناة السوريين الموقوفين في سجن رومية.

لكن، في ضوء ما يتعرض له ملف المعتقلين من تعطيل وتعقيد، فإنه يحتاج إلى “ضغط أكبر من الجهد المبذول حالياً من الحكومة السورية، ولا بد من تدخل أطراف إقليمية راعية للعلاقة بين سوريا ولبنان للدفع باتجاه تسوية تخرج ملف المعتقلين من الملفات الشائكة بين البلدين”، بحسب مدور.

كان وزير الداخلية اللبناني السابق بسام مولوي، يشير في تصريحاته إلى عدم قدرة لبنان تحمل ضغط اللاجئين، بما في ذلك المعتقلين في السجون البالغ عددهم 2400 سجيناً سورياً، ويشكلون 35 بالمئة من إجمالي عدد السجناء، بحسب المحامي صبلوح، واصفاً ما جرى قبل سقوط النظام من عمليات ترحيل وتسليم لمعارضين وسجناء بأنه “غير قانوني”.

بعد سقوط الأسد، اختلفت التصريحات الرسمية اللبنانية وكأن ملف المعتقلين لم يعد يشكل أزمة في السجون اللبنانية، وتوقفت السلطات عن تسليم أي منهم للجانب السوري، وفقاً لصبلوح، مفسراً ذلك بأن “لبنان يريد تحقيق مكاسب سياسية من سوريا عبر ملف المعتقلين، وكأنهم أرقام للمتاجرة”، على حد وصفه.

من جهته، قال محمد حسن، المدير التنفيذي لمركز وصول لحقوق الإنسان، أن ملف المعتقلين والموقوفين السوريين في لبنان “يواجه جملة من العراقيل، أبرزها غياب آلية قانونية شفافة للتعاون بين لبنان والحكومة السورية المؤقتة”، ناهيك عن تعامل السلطات اللبنانية مع الملف “بمنطق أمني وسياسي”.

“ورغم أن هناك حالة من الحذر المبرر اليوم في التعامل مع ملف المعتقلين، إلا أن تجاهل التغيير الذي حصل في سوريا، والتمسك بالممارسات القائمة على الاحتجاز غير القانوني والتمييز، لا يمكن تبريره قانونياً”، كما أضاف حسن لـ”سوريا على طول”، مشيراً إلى أن “التحدي الحقيقي يكمن في توفير بيئة تضمن حقوق العائدين وتحترم إنسانيتهم، وقد تعرض العديد من العائدين للعنف داخل سوريا مؤخراً”، على حد قوله. 

تواصلت “سوريا على طول” مع مدير مكتب التنسيق في وزارة الخارجية السورية عبد المعين الدندل، لمعرفة أين وصل ملف المعتقلين السوريين في لبنان، لكن لم تتلق رداً حتى نشر هذا التقرير.

توقع المحامي اللبناني نبيل الحلبي، الرئيس التنفيذي لمنتدى الشرق الأوسط للسياسات، أن يتم “تحرير ملف المعتقلين من التجاذب السياسي، حيث يعمل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مع فريق عمله على ترتيب الملف أمنياً وقضائياً تمهيداً لعملية تسليم الموقوفين السوريين لبلدهم”.

وأوضح الحلبي في حديثه لـ”سوريا على طول” أن “ملف السجناء السوريين منفصل عن قانون العفو العام، إذ يمكن الاستناد إلى اتفاقية الأخوة والتعاون والتنسيق الموقعة بين لبنان وسوريا عام 1991، والتي يمكن تعديلها من الطرفين لتسمح بتبادل السجناء، أو من خلال توقيع مذكرة تفاهم قضائية – أمنية تقضي بتسليم جميع السجناء السوريين إلى بلدهم، باستثناء أولئك المدعى عليهم بالحق الشخصي”.

شارك هذا المقال