8 دقائق قراءة

بعد انسحاب قسد: الرقة تبحث عن ترميم نسيجها الاجتماعي

مع خلو الرقة من قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، تواجه المدينة الواقعة في شمال شرق سوريا مهمة دقيقة لإعادة دمج المقاتلين السابقين وترميم الانقسامات الاجتماعية التي خلّفها تعاقب قوى المتصارعة


3 فبراير 2026

الرقة- اصطف عشرات العناصر السابقين في قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، الأسبوع الماضي، أمام مبنى حكومي في مدينة الرقة، في انتظار تسوية أوضاعهم مع الحكومة السورية.

كان معظم المنتظرين في الخارج، لساعات طويلة، من الرجال، يرتدي الكثير منهم عباءات تقليدية (فروات) تقي من برد الشتاء، بينما كانت عشر نساء ينتظرن استكمال أوراقهنّ في غرفة مكتظة داخل المبنى، الذي كان تابعاً للإدارة الذاتية المدعومة من “قسد”.

المشهد في مركز التسوية أثار سؤالاً مهماً بشأن انتقال المدينة من سيطرة قسد إلى سيطرة الحكومة السورية: كيف ستبدو أوضاع المقاتلين والمسؤولين الأمنيين والعاملين السابقين المرتبطين بـ”قسد”، وما هو مستقبل علاقاتهم مع مجتمعاتهم المحلية.

حتى الثالث من شباط/ فبراير الحالي، أجرى أكثر من 2,800 شخص تسوية لأوضاعهم في الرقة، كما قال مصطفى العيسى، مدير مركز التسوية في المدينة لـ”سوريا على طول”.

سيطرت دمشق على محافظتي الرقة ودير الزور في 18 كانون الثاني/ يناير، بمشاركة عشائر عربية محلية، التي انتفضت ضد قوات “قسد” بالتزامن مع تقدم القوات الحكومية، عقب تعثّر المفاوضات بشأن دمج “قسد” والمؤسسات التابعة لها ضمن مؤسسات الدولة.

منذ اندلاع الثورة السورية ضد الرئيس المخلوع بشار الأسد عام 2011، تغيرت السيطرة على مدينة الرقة أربع مرات. ففي عام 2013، سيطرت فصائل من الجيش الحر على المدينة، قبل أن تخسرها بعد أشهر لصالح تنظيم “داعش”، الذي أعلن الرقة عاصمةً لـ”خلافته” المزعومة في العام التالي. وفي عام 2017، تمكّنت قوات “قسد” بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، من طرد التنظيم من المدينة.

بعد أسبوع من التغيرات الأخيرة، افتتحت وزارة الداخلية السورية أول مركز تسوية أوضاع في الرقة بتاريخ 26 كانون الثاني/ يناير، كما افتتحت مراكز مماثلة في حلب ودير الزور.

وقال علي، 39 عاماً، يوم الخميس الماضي، من أمام مركز التسوية في الرقة: “يمكننا الآن التحرك بحرية. من الأفضل أن يأتي الشخص لتسوية وضعه”، لافتاً في حديثه لـ”سوريا على طول” إلى أن “الإجراءات كانت ممتازة”. انضم علي إلى قوات “قسد” في عام 2017 وأصيب في العام نفسه عندما استهدفه قناص تابع لتنظيم “داعش” بطلقة استقرت في ظهره، ما أدى إلى إصابة دائمة أجبرته على استخدام كرسي متحرك.

يحصل العناصر السابقون في قوات “قسد”، أو قوات “الأسايش”، أو موظفو الإدارة الذاتية، الذين يكملون إجراءات التسوية، والتي تتضمن إحضار أي وثائق أو معدات استلموها من السلطات السابقة، على وثيقة تتيح لهم التحرك داخل المدينة دون أن يتم إيقافهم عند نقاط التفتيش.

امرأة داخل مركز التسوية في مدينة الرقة تعرض وثيقة التسوية، 29/ 01/ 2026، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول)

امرأة داخل مركز التسوية في مدينة الرقة تعرض وثيقة التسوية، 29/ 01/ 2026، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول)

“كانت اللجنة المسؤولة عن أعمال التسوية متعاونة للغاية وتتعامل بخلق وتحترم الناس”، قال حازم، 24 عاماً، عنصر سابق في قوات “الأسايش”، طالباً من “سوريا على طول” التعريف عنه باسمه الأول فقط. 

وأضاف: “بالنسبة للانتقام، فلا أشعر بأي خوف أو شيء من هذا القبيل، لأنني، والحمد لله، لم أؤذِ أي مدني ولم أحمل سلاحاً ضد أحد، سواء كان مدنياً أو عسكرياً. لا توجد أي توترات على الإطلاق”.

انضم حازم إلى “الأسايش” في عام 2024، إذ يسمح الراتب الشهري، البالغ 170 دولاراً، له بإعالة زوجته وطفله البالغ من العمر سنة واحدة.

مع خروج قسد من الرقة، أصبح كل من علي وحازم بلا عمل. وقال علي: “كنت أحصل 300 دولار كتعويض عن إصابتي، الآن لم أعد أحصل على أي راتب، ولا أستطيع إطعام ابني وابنتي، ولا يمكنني العمل لأنني على كرسي متحرك. نطلب من الحكومة التكفل بمصابي الحرب”.

وفي الوقت الحالي، لن تدمج دمشق الأعضاء السابقين في “قسد” و”الأسايش” في المناطق التي استولت عليها عسكرياً الشهر الماضي ضمن قواتها الأمنية، بحسب العيسى، مدير مركز التسوية، قائلاً: “سوف يستغرق هذا بعض الوقت حتى تستقر الأوضاع، لكن لا توجد سياسة حكومية تمنعهم من الانضمام”.

وفي 30 كانون الثاني/ يناير، توصلت الحكومة السورية و”قسد” إلى اتفاق يسمح بالاندماج التدريجي للأخيرة في المناطق التي لا تزال تحت سيطرتها ، مثل القامشلي والحسكة وعين العرب (كوباني)، ضمن الدولة.

مصطفى العيسى، مدير مركز التسوية في الرقة، يجلس على مكتبه، 29/ 01/ 2026، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول)

مصطفى العيسى، مدير مركز التسوية في الرقة، يجلس على مكتبه، 29/ 01/ 2026، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول)

قال العيسى: “مركز [التسوية] هو مركز تأهيل واندماج، وليس مركز احتجاز. يساعد الأشخاص الذين يسوون أوضاعهم على الانتقال من حياة الإرهاب إلى حياة جديدة”.

وأضاف: “الهدف الرئيسي هو دمج المقاتلين السابقين في قسد والمؤسسات الإدارية التابعة للإدارة الذاتية في المجتمع، وحمايتهم من أي هجمات من قبل المدنيين أو القوات العسكرية الحالية، والسيطرة على الوضع الأمني من خلال جمع أسلحتهم السابقة وأي وثائق شخصية أخرى”.

وأشار العيسى إلى أن مركز التسوية في الرقة يستقبل أيضاً الأشخاص التابعين للنظام السابق إذا رغبوا في تسوية أوضاعهم، مشدداً على أنه يتحمل المسؤولية الشخصية عن أي حالة اعتداء على من يجري التسوية. وقد تم إنشاء رقم هاتف مخصص للإبلاغ عن مثل هذه الحوادث، لكن “لم نتلق أي شكاوى حتى الآن”.

إرث الانقسام

محافظة الرقة مثلها مثل دير الزور المجاورة، تحتضن عشرات القبائل ذات الغالبية العربية، التي انقسمت مع استمرار الحرب. فقد أدت تعبئة السكان المحليين، بما في ذلك أبناء القبائل، في مختلف قوى الصراع، إلى صدامات فيما بينهم، ما قوض السلم الأهلي.

وقال حيان دخان، محاضر في السياسة والعلاقات الدولية في جامعة تيسايد: “تغيرت التحالفات في الرقة مراراً مع كل تبدل في السيطرة… وكانت هذه التحالفات في الغالب تتعلق بالبقاء والحماية والحصول على الموارد، وليس بالأيديولوجيا”.

“ترك كل تغيير في السيطرة وراءه مظالم لم تُحل أبداً. فقد اتهم بعض الناس بالتواطؤ، وآخرون بالمقاومة، وغالباً ما دارت هذه الاتهامات داخل نفس القبيلة”، أضاف دخان لـ”سوريا على طول”.

واعتبر دخان أن “التأثير على السلم الأهلي كان مدمراً، لأن الثقة لم تُبْنَ مجدداً. فقد كان الناس يتتبعون موقف الشخص في كل مرحلة، وهذا خلق استياء دائماً وخوفاً من الانتقام، ما جعل المصالحة صعبة للغاية حتى بعد توقف القتال”.

في ظل سيطرة قوات “قسد”، وجد المقاتلون العرب – الذين شكّلوا غالبية القوات الكردية – أنفسهم في صدام مع السكان المحليين الذين استاءوا من ممارساتها القمعية وما اعتبروه سيطرة كردية.

منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، شهدت مناطق عدة في سوريا عمليات انتقامية، بعضها ضد أفراد من الطائفة العلوية الذين اعتُبروا متواطئين مع النظام السابق. ويطرح انتهاء سيطرة “قسد” على معظم شمال شرق سوريا تساؤلات حول احتمال وقوع هجمات انتقامية مماثلة ضد المتعاونين معها.

تُعدّ عملية التسوية، التي تضع مسؤولية سلامة عناصر “قسد” السابقين على عاتق الدولة مع ترك المجال لتقديم شكاوى رسمية ضد المتهمين بارتكاب انتهاكات، جزءاً من الجهود لمعالجة هذا الإرث المليء بالانقسامات.

وقالت يسرا الأحمد، 35 عاماً، مديرة البرامج في “بيت المواطنة” ومقرها الرقة: “الانقسامات التي حدثت في الرقة بدأت في عهد نظام الأسد، الذي حُرم فيه المواطنون الأكراد من كل شيء، بما في ذلك الجنسية. كما اضطهد تنظيم الدولة الأكراد، بينما وضع الأكراد لاحقاً العرب في خانة تنظيم الدولة”. 

تأسست منظمة الأحمد عام 2019، وتعمل على تعزيز الحوار المجتمعي والمصالحة الاجتماعية والمشاركة السياسية الشاملة.

وقال الشيخ هويدي الشلاش المحجم البشير الهويدي، رئيس عشيرة العفادلة في الرقة، لـ”سوريا على طول” من ديوانه: “زرعت قسد الكراهية بيننا من خلال التمييز”.

وأضاف: “روّجت قسد رواية مفادها أنه سيكون هناك حرب أهلية من دونهم، لكنها فعلت العكس، فهي لم تتدخل في التوترات العشائرية أو تسيطر على انتشار الأسلحة”. وتابع الهويدي: “كلما ازدادت الانقسامات بيننا، كلما تمكنت قسد من التحكم بنا أكثر”.

أسلحة مصادرة من قوات سوريا الديمقراطية مركونة على طول الجدار في مركز التسوية بمدينة الرقة، 29/ 01/ 2026، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول)

أسلحة مصادرة من قوات سوريا الديمقراطية مركونة على طول الجدار في مركز التسوية بمدينة الرقة، 29/ 01/ 2026، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول)

تعزيز السلم الأهلي

قال الشيخ الهويدي: “خلال الحرب، جاءت جميع المكونات إلى الرقة دون استثناء. لم نقل أنت كردي أو عربي”. لافتاً إلى أنه من خلال جمعية خيرية أسسها أثناء الحرب قدّم المساعدات للعائلات المهجرة، بما في ذلك الأكراد الفارين من حصار تنظيم “داعش” لكوباني عام 2014.

مؤخراً، وخلال انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من أجزاء من شرق سوريا، فرّ العديد من الأكراد من الرقة، لكن بعضهم عاد بحذر واستعاد ممتلكاته التي تركها مع الجيران العرب لحفظها، كما قالت الأُحمد. نظّمت منظمتها جلسات حوار بين العرب والأكراد أثناء سيطرة “قسد”.

وأضافت: “في اليوم التالي للتحرير [من قسد]، رحبنا بالشخصيات المؤثرة اجتماعياً والنشطاء في مركزنا المجتمعي، وأصدرنا بياناً باسم أهالي الرقة ضد خطاب الكراهية الموجه للأكراد وقدمنا لهم الطمأنينة. زرنا المنازل الكردية وشجعنا مجتمعاتهم على العودة”.

في 18 كانون الثاني/ يناير، ظهر الهويدي على شاشة التلفاز يحذر سكان الرقة من السعي للانتقام، مشدداً على ضرورة الاعتماد على المحاكم لنيل الحقوق.

وقال: “اليوم، بدافع المصلحة الشخصية، بعض الشيوخ يثيرون المشاكل، متهمين أعداءهم بالانتماء إلى قسد. لكن الوجهاء القبليين أكثر حكمة من ذلك، فالقبيلة هي السلم الأهلي”.

الشيخ هويدي الشلاش المحجم البشير الهويدي، رئيس عشيرة العفادلة في الرقة، يجلس في ديوانه بمدينة الرقة، 29/ 01/ 2026، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول)

الشيخ هويدي الشلاش المحجم البشير الهويدي، رئيس عشيرة العفادلة في الرقة، يجلس في ديوانه بمدينة الرقة، 29/ 01/ 2026، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول)

تأكيداً على ذلك، قال دخان: “الشبكات القبلية لا تزال مهمة اجتماعياً، ويمكن أن تساعد في تهدئة التوترات، ووساطة النزاعات، ومنع الانتقام، خاصة على المستوى المحلي حيث المؤسسات الرسمية ضعيفة أو غائبة”.

ومع ذلك، قال إن دورهم يجب أن يكون ضمن معايير واضحة: “مساهمتهم في السلم الأهلي تعتمد على ما إذا كانوا مشاركين في المصالحة والوساطة – وليس في العقاب أو الإقصاء – وعلى ما إذا كان هناك إطار دولة واضح يحدد الحدود ويمنع تحول العدالة القبلية إلى انتقام جماعي”.

وترى الأُحمد أيضاً أن أهداف الحكومة السورية مكملة لأهداف النخب المحلية، قائلة: “القبائل والوجهاء يحاولون العمل على مبادرات السلم الأهلي، بينما الدولة تحاول تعزيز التعايش. من خلال هذه التسويات، تحاول الدولة السورية فتح صفحة جديدة مع جميع السوريين”.

لكن دخان يرى أن للتعايش حدوده: “يمكن أن يساعد عملية التسوية، لكن فقط إذا أُديرت بحذر، وتم التمييز بين الأعضاء العاديين ومن شارك في الانتهاكات، وتجنب وضع أفراد قسد السابقين في مناصب تعيدهم للتواصل المباشر مع المجتمعات التي عانت تحت حكمهم”.

وقد ذهبت العديد من منظمات حقوق الإنسان إلى أن السلم الأهلي سيبقى بعيد المنال من دون عملية عدالة انتقالية حقيقية. وبينما أشارت الحكومة السورية إلى جرائم نظام الأسد، يشدد العديد من الفاعلين المدنيين على أن العدالة الانتقالية يجب أن تشمل أيضاً الجهات الأخرى في الصراع، سواء “قسد” أو فصائل المعارضة.

وقالت الأُحمد: “يجب أن يكون هناك مساءلة وعدالة انتقالية، وبدونها سيكون هناك قلق وكراهية. قد تحدث بعض عمليات الانتقام الفردية، لكن إذا كانت هناك مساءلة، ستتوقف”، مضيفة: “سوف تساعد القبائل في مواجهة الانتقام الشخصي، لأنه إذا قُتل شخص واحد، ستدفع القبيلة كلها الثمن، وستندلع حروب قبلية”.

شارك هذا المقال