بعد عام على سقوط الأسد: السويداء عند مفترق طرق
شهدت العلاقات بين السويداء ودمشق شداً وجذباً، حتى تموز/ يوليو الماضي، عندما وقعت الأحداث الدامية بحق سكان المحافظة من الدروز والبدو، فسلكت المحافظة، بقيادة الهجري، موقفاً بعيداً عن خط دمشق، مدفوع بدعم خارجي
19 ديسمبر 2025
باريس- في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024، احتفى أهالي السويداء بسقوط نظام الأسد آنذاك، ولكن بعد مرور عام على الحدث الأبرز في سوريا، لم تعد تلك المحافظة “محايدة” كما حاولت أن تكون طيلة سنوات الثورة السورية، وإنما دخلت في مشهد شديد التعقيد، وعلت فيها الأصوات الداعية للانفصال والحكم الذاتي.
شهدت العلاقات بين السويداء ودمشق شداً وجذباً، حتى تموز/ يوليو الماضي، عندما وقعت الأحداث الدامية بحق سكان المحافظة من الدروز والبدو، فسلكت المحافظة، بقيادة الشيخ حكمت الهجري، رئيس الرئاسة الروحية لطائفة الموحدين الدروز، والفصائل المحلية الموالية له، موقفاً بعيداً عن خط دمشق، مدفوع بدعم خارجي.
واليوم، تقف السويداء عند مفترق طرق حاسم، بين دعوات الانفصال أو محاولات رأب الصدع “الضعيفة”، بعدما تفككت التوازنات الدينية والتقليدية التي حكمت المحافظة لعقود. حيث تمكن الهجري من تحييد شيخي العقل الآخرين يوسف جربوع وحمود الحناوي، كما جمع الفصائل العسكرية في جسم عسكري تحت رايته، أطلق عليه اسم “الحرس الوطني”.
شكلت تصريحات الهجري طيلة الأشهر الماضية عاملاً مركزياً في رسم مسار الأحداث. بينما تأخر في اتخاذ موقف معارض لبشار الأسد، سارع إلى اتخاذ موقف “هجومي” تجاه الإدارة السورية الجديدة بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع.
في منتصف آذار/ مارس الماضي، أي بعد ثلاثة أشهر من سقوط النظام، قال الهجري: “لا وفاق ولا توافق مع الحكومة الموجودة في دمشق”، واصفاً إياها بأنها “حكومة متطرفة”، وهو ما اعتبر بداية لتصريحاته “الحادة” تجاه دمشق.
وعلى الرغم من أن تصريحات الهجري لعبت دوراً رئيسياً في تعقيد المشهد في السويداء، إلا أن أحداث تموز/ يوليو الدامية، تظل الحدث “المفصلي” في تعقيد المشهد السياسي والأمني، والذي فجر الأصوات المنادية بالاستقلال والحكم الذاتي.
أودى العنف في السويداء بحياة 1013 شخصاً بينهم 13 طفل و10 سيدات، وتشمل الحصيلة ضحايا مدنيين من البدو والدروز، وعسكريين من جميع الأطراف.
يسرد هذا التقرير كيف تغير المشهد في السويداء خلال عام من سقوط النظام، وما العوامل التي قادت إلى هذا التعقيد، وكيف وصلت الأمور إلى حد طرح “الانفصال” كخيار.
كيف تعقد المشهد؟
في اليوم الثالث لسقوط الأسد، أعلن مجموعة من الضباط المتقاعدين والمنشقين عن نظام الأسد في السويداء، تشكيل ما عرف بـ”المجلس العسكري في السويداء”، وبقي هذا التشكيل صغيراً ومحدوداً حتى منتصف شباط/ فبراير 2025، عندما غيّر المجلس شعاره (هويته البصرية) على وسائل التواصل الاجتماعي، محاكياً شعار مجلس منبج العسكري وقوات الأسايش التابعة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد).
وبعد يوم واحد من تعديل الشعار، أعلنت أولى المجموعات العسكرية المحلية انضمامها إلى المجلس، الذي انضوى تحته المزيد من المجموعات بعدها، ليصبح واحد من أكبر الفصائل العسكرية بالمحافظة. ويشكل المجلس اليوم العمود الفقري لـ”الحرس الوطني في السويداء”، الذي تشكل في 23 آب/ أغسطس الماضي، ويضم في صفوفه جميع الفصائل العسكرية بالمحافظة تحت إمرة الهجري.
وتبنى المجلس العسكري فكرة “دولة علمانية لا مركزية” خلال استعراض عسكري له في قرية الغارية بريف السويداء، قرب الحدود الأردني، في 24 شباط/ فبراير الماضي، قبل أن يتخذ المجلس موقفاً تصعيدياً أكثر تجاه حكومة دمشق، في الخامس من آذار/ مارس الماضي، عندما اتهم مجموعات عسكرية درزية بتقديم “المساعدة لهيئة تحرير الشام”، وأنها حاولت إدخالها إلى المحافظة “دون تنسيق مع المجلس العسكري أو المجتمع الأهلي أو مع الهيئات الدينية”.
وأدان المجلس “هذه الأفعال”، مشدداً على مواقفه “الرافضة لسلطة الأمر الواقع الموجودة في دمشق”، وحذر “كل من تسول له نفسه بمحاولة فرض سلطة الأمر الواقع على أرض وأبناء السويداء، بأن هذه التصرفات ستؤدي إلى عواقب لا يحمد عقباها، وستعمل على تهديد السلم الأهلي”، كما جاء في بيان له.
وحتى منتصف تموز/ يوليو الماضي، وقعت الحكومة السورية ومشايخ العقل في السويداء بما فيهم الشيخ الهجري ما لا يقل عن ثلاثة اتفاقات أمنية في السويداء، من بينها ما يعرف بـ”اتفاق اللامركزية الأمنية“، الذي وقع في مطلع أيار/ مايو، من مشايخ العقل الثلاثة ووجاهات اجتماعية وعائلية والحكومة السورية.
نص الاتفاق على أن “الأمن العام” – ما يعرف اليوم بقوى الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية – لن يدخل السويداء، وأن تفعيل جهاز الضابطة العدلية مقتصر على “أبناء السويداء فقط، بالتنسيق مع مشايخ العقل الثلاثة، ومحافظ السويداء ووزارة الداخلية”.
وعلى الرغم من دخول الاتفاق حيز التنفيذ، وانتشار عناصر الشرطة من أبناء السويداء، آنذاك، إلا أن الشيخ الهجري رفض الاتفاق على غرار المرات السابقة.
لاحقاً، في 14 تموز/ يوليو، انتشرت القوات الحكومية في محافظة السويداء محاولة فض النزاع ووقف الاشتباكات التي اندلعت في اليوم السابق بين الدروز والبدو من أبناء المحافظة، بحسب الرواية الحكومية، إلا أن البعض اعتبر في هذه الخطوة محاولة من دمشق لفرض سيطرتها على السويداء بالقوة.
أدى تدخل القوات الحكومية إلى اندلاع موجة جديدة من القتال، إذ وقعت اشتباكات بين المجموعات الدرزية والقوات الحكومية والمجموعات الموالية لها، ومنها مقاتلو العشائر، ونتج عن ذلك وقوع قتلى على يد جميع الأطراف المشاركة.
رداً على ذلك، قصفت إسرائيل قوات وزارتي الدفاع والداخلية السورية، وهو ما أجبرهم على الانسحاب مخلفين وراءهم دماراً واسعاً: منازل محترقة ومنهوبة وجثث في الشوارع. ردت القوات الدرزية على الفور بموجة جديدة من الهجمات، أسفرت عن مقتل وتشريد مدنيين بدو وحرق منازلهم، وهو ما دفع العشائر السورية إلى إعلان “النفير” و “الفزعات”، التي استجاب لها عشرات الأشخاص من العشائر في جميع أنحاء سوريا، وتدفق مقاتلو العشائر إلى السويداء دون عوائق لخوض جولة جديدة من القتال.
في 19 تموز/ يوليو، تم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار برعاية دولية، وافقت عليه الحكومة السورية والمجموعات الدرزية والبدو، تضمن أجلاء مئات العائلات من بدو السويداء إلى المحافظات المجاورة. ومنذ ذلك الوقت، تعيش المحافظة مرحلة جديدة من “الهدوء الهش”، الذي يتخلله خروقات مستمرة بين الحين والآخر، مع تزايد الأصوات المنادية بالانفصال.
تعليقاً على ذلك، قال الدكتور مهيب صالحة، كاتب وأكاديمي من السويداء، أن “دمشق مارست العزل السياسي بحق السويداء، فلم تمثلها في أي لجنة من لجان العمل الانتقالي، مثل لجنة الحوار ولجنة الإعلان الدستوري ولجنة السلم الأهلي ولجنة مجلس الشعب”، إضافة إلى أنها “رفضت أن يكون محافظ السويداء من أبنائها، في حين عينت محافظين من أبناء المحافظات نفسها”.
وأضاف صالحة لـ”سوريا على طول”: “وقعت الحكومة اتفاق شباط مع فصائل السويداء، ومن ضمنهم فصيل يتبع للهجري، وانسحب منه، ثم وقعت اتفاق أيار وفشل، لكن لم يقل لنا أحد ما الذي أفشلهما، الاتفاقان كانا يعالجان موضوع السلاح وإدماج السويداء في الدولة”.
السويداء في ذكرى التحرير!
بينما احتفلت المدن السورية هذا الشهر الحالي بذكرى “التحرير” وسقوط النظام البائد، غابت مظاهر الاحتفالات كلياً عن السويداء وعن مناطق سيطرة “قسد” في شمال وشرق سوريا.
“تعيش السويداء أوضاعاً أسوأ مما كانت عليه أيام الأسد، تراجع وصل التيار الكهربائي إلى نصف ساعة مقابل انقطاع لست ساعات، الإنترنت سيء، غلاء فاحش ورواتب متدنية”، قال معروف سالم (اسم مستعار) لـ”سوريا على طول”.
وأضاف سالم، وهو ناشط مدني يقيم في ريف السويداء، طلب عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، أن “السويداء عاشت فرحة كبيرة بسقوط النظام العام الماضي، لكنها لم تدم طويلاً حتى ساءت الأحوال بين السويداء ودمشق”.
وعلى الرغم من أن غلاء الأسعار والسلع الأساسية يجتاح كافة المناطق السورية، إلا أنه في السويداء “أشد”، نتيجة تقييد دخول البضائع وكذلك حالة “العزلة” التي تعيشها المحافظة منذ تموز/ يوليو الماضي. “تحتاج العائلة من 250 إلى 300 دولار أميركي في الشهر، كحدّ أدنى للمعيشة، مقارنة بـ200 دولار في زمن الأسد”، بحسب سالم.
“لم يسقط نظام الأسد في السويداء، لأن المحافظة تعيش تحت رحمة عصابات الأمن العسكري وتجار المخدرات”، قال صحفي مقيم في مدينة السويداء لـ”سوريا على طول” شريطة عدم كشف هويته. ومع ذلك، حمل الصحفي الحكومة السورية مسؤولية ما آلت إليه الأمور في السويداء لأنها “فشلت في التعامل مع الأزمة، بينما نجحت عصابات الأمن العسكري والمخدرات في خطف السويداء وعزلها عن المحيط السوري”.
خلال العام الماضي، “تغير شكل المحافظة، وعاشت تحولات غير مسبوقة مسّت مراكز القوى الدينية والاجتماعية، ودفعت إلى بروز خطاب الانفصال وتقرير المصير كرد فعل على الشعور العميق بالخيانة وانهيار العقد السياسي الذي وعد به السوريون بعد سقوط الأسد”، قال الدكتور شفيق عامر، طبيب أمراض نفسية وناشط في المجال الإنساني والسياسي، من مكان إقامته في ألمانيا.
وأضاف عامر، وهو من أبناء السويداء، في حديثه لـ”سوريا على طول”: “إن المعادلة القديمة في السويداء انهارت، فعلى صعيد السلطة الدينية، تعزز دور الشيخ الهجري بشكل غير مسبوق، وتحول من مرجعية دينية إلى مرجعية سياسية اجتماعية تمثل صوت المحافظة في مواجهة السلطة الجديدة بدمشق”.
“وجاءت ثقة الناس [بالهجري] نتيجة موقفه الحازم المتمثل برفض تسليم السلاح دون عقد سياسي واضح يضمن مستقبل الجبل وحقوق السوريين جميعاً”، بحسب عامر.
واعتبر عامر أن “موقف الشيخ الهجري أكثر وضوحاً وثباتاً، فهو رفض أي سلطة تعتبر السوريين درجات دينية، ورفض تسليم السلاح دون ضمانات دستورية ومدنية، وتبنى علناً شكر الدول التي منعت الإبادة، واكتسب احتراماَ داخلياً ودعماً دولياً”، مشيراً إلى أن “مواقف الشيخ الهجري لم تكن مجرد ردات فعل، بل كانت تحويلاً للقيادة الدينية إلى قيادة أخلاقية سياسية”.
بالنسبة للصحفي المقيم في السويداء، بدا واضحاً، منذ آذار/ مارس الماضي، “انقسام المؤسسة الدينية الدرزية في السويداء، حيث اصطف شيخا العقل يوسف جربوع وحمود الحناوي مع الدولة، بينما رفض الشيخ حكمت الهجري الحكومة الجديدة بشكل قطعي”.
وقال سالم: “ساعدت الحكومة السورية الهجري في إقصاء الشيخين الحناوي وجربوع، اللذين كانا يمتلكان شعبية وقوى سياسية وعسكرية كبيرة في السويداء عبر هجومها على السويداء في تموز”، وبالتالي “أصبح الهجري هو صاحب الكلمة الأخيرة في السويداء، وأُضعف موقف الحناوي وجربوع”.
وأضاف: “قبل الاجتياح كان 95 بالمئة من أهالي السويداء يرغبون بالدولة، لكن بعده صارت الشعبية كلها للهجري”.
التغيرات في موازين القوى في السويداء، شملت كذلك الفصائل العسكرية والبنية الاجتماعية، إذ “حدث ما يشبه الفرز الداخلي، انحياز شعبي شامل للموقف الرافض الخضوع لسلطة مركزية جديدة تقوم على مرجعية دينية واحدة، وبروز دور كبير للشباب والفصائل المحلية والحرس الوطني الجديد”، قال عامر.
إضافة إلى ذلك، “شهدت السويداء تحولاً فكرياً، حيث انتقل المجتمع من خطاب المطالبة بالإصلاح إلى خطاب حماية الوجود، وهو تحول عميق جعل فكرة الانفصال أو تقرير المصير قابلة للنقاش، لا محرمة كما كانت سابقاً”، بحسب عامر.
“تمكن الشيخ الهجري من جمع الفصائل في السويداء تحت سلطته في قوات الحرس الوطني”، بعدما كانت المحافظة تضم تيارات عسكرية مختلفة، كما “نجح في عزل قائد حركة رجال الكرامة الشيخ أبو حسن يحيى الحجار في انقلاب عسكري وتعيين أبو ذياب مزيد خداج قائداً للحركة، وهو أحد الشخصيات المقربة من الهجري، وبذلك ضم أكبر فصيل عسكري تحت سلطته”، بحسب الصحفي من السويداء، الذي شدد على أن “الهجري ما كان لينجح في تسلطه لولا فشل الحكومة السورية في إدارة أزمة السويداء”.
المشكلة أن “الحكومة لا تصارع الهجري وعصابات المخدرات والسلاح في السويداء، وإنما تصارع الشعب والأهالي بقوت يومهم والخدمات الأساسية”، قال سالم، مضيفاً: “أعتقد أن الهجري والعصابات لديهم أنترنت فضائي وشبكات طاقة شمسية ولديهم أموال، وهم ليسوا بحاجة إلى خدمات الحكومة، عكس وضعي أنا وبقية الأهالي، تصارعنا بقوت يومنا، وكأننا نحن أعداء الدولة وليس الهجري وعصاباته!”.
وأضاف: “ساحة الكرامة في السويداء كانت ترفع شعارات لا فيدرالية ولا انفصال بعد سقوط النظام، نحن رفضنا الانفصال قبل 15 تموز، لكن بعد هذا التاريخ الحكومة السورية هي من ساعدت إسرائيل بأن تكون حامية للدروز من الإبادة”. مشيراً إلى أن “الغالبية العظمى من أهالي السويداء اليوم يرون في إسرائيل حامية لهم، هم يقولون دافعت عنا من حكومتنا”.
“الحكومة لا تمد يدها للسويداء”
مضى قرابة خمسة أشهر على أحداث تموز/ يوليو، و”الحكومة لم تمد يدها للسويداء، ولم تبنِ جسور ثقة مع أهالي السويداء، ويتحدث الإعلام الحكومي يومياً عن عصابات الهجري”، وكأنه اختزل المحافظة بـ”الهجري”، قال سالم مشدداً على أن “السويداء ليست عصابات للهجري، ولا يمكن أن نختزل بعصابات لأحد”.
لذا “يتوجب على الدولة بناء جسور ثقة مع أهالي السويداء”، ويكون ذلك بـ”تحسين واقع الكهرباء والأنترنت والخبز والرواتب وإعادة المهجرين، يجب أن يشعر الأهالي أن هناك دولة مسؤولة وتحميهم”، بحسب سالم، مضيفاً: “يجب على الدولة أن تحتوي المواطن حتى لو أخطأ عشر المرات، وليس العكس”.
“الناس لا ترى خطاب الهجري جميل أو سياسي، لكنهم في نفس الوقت يرون خطاب الدولة تجاه السويداء ليس جيداً، كما أنه استفزازي، وأن الطرفين سيئين، لكن الهجري في النهاية هو درزي منهم ويحميهم”، قال سالم.
بدوره، قال الدكتور صالحة، “من خلال قراءتي للمشهد في السويداء وعلاقتها مع دمشق هناك ثمة تخادم وظيفي عضوي بين الشرع والهجري ونتنياهو على مستقبل الجنوب السوري. الوضع الذي بلغه الجنوب جيوسياسياً يخدم تقاطع مصالح الأطراف الثلاثة”. وفيما كان يفترض أن تحاول سلطة دمشق ممثلة بمحافظ السويداء “كسب الشارع السياسي الذي ثار في وجه الأسد”، إلا أنها “مارست العزل السياسي على [الشارع] واكتفت بمشايخ العقل والزعامات التقليدية”.
واعتبر صالحة أن “هذا السلوك يتطابق مع عقليتها ومنبتها الأيديولوجي الذي يتوافق مع عقلية ومنبت الهجري، والسويداء تقطف نتائج العقليتين المتشابهتين، وهو ما عزز مكانة الطرفين كل في بيئته الحاضنة، فحدث هذا التدهور في الوقائع وفي الخطاب، وأجازا هذا التباعد والشقاق”.
على الطرف الآخر “عزز نتنياهو تموضعه داخل إسرائيل ومع دروزها وفي كل الجنوب السوري، ما يسمح له في اللعب بورقة الجنوب والدروز في أية مفاوضات مع دمشق”، قال صالحة.
واتهم صالحة الحكومة السورية بالتواطؤ مع إسرائيل في “اجتياح تموز، الذي حمل معه جرائم إبادة جماعية وحرب، كان الغرض منه دفع الدروز إلى طلب الحماية التي سوف يلبيها نتنياهو، ومن ثم طلب الانفصال عن سوريا الأم”، وهو ما اكسب الهجري “شعبية عارمة لدى دروز العالم، وأسهم في سقوط الشارع السياسي الثوري”.
مستقبل السويداء
ما حصل في السويداء “يمهد الطريق نحو تقسيم سوريا إلى كانتونات طائفية وإثنية، وإذا بقي هذا التخادم بين الأطراف الثلاثة فإن الوضع في السويداء وفي عموم الجنوب السوري سيزداد تعقيداً وعلى حساب المصلحة الوطنية”، بحسب صالحة، لافتاً إلى أن “تفكيكه يحتاج إلى تضافر الجهود الوطنية السورية ببرنامج عمل واضح ورؤية سياسية شفافة لا لبس فيها، [تعمل على] وحدة سوريا وبناء دولة علمانية ديمقراطية حديثة”.
“دمج كل سوريا بهذه الرؤية وليس فقط السويداء هو الأساس إذا كان السوريون وخاصة أبناء الطائفة السنية الوطنيين المعتدلين يرغبون في بناء هذه الدولة، فهم وحدهم القادر على جمع شتات السوريين”، قال صالحة. مضيفاً “السويداء كما المناطق الأخرى لا يمكن دمجها إلا في هذا الإطار الوطني الجامع، الذي يمكن صياغته بمؤتمر حوار وطني، بعقول منفتحة وقلوب دافئة”.
يرى الدكتور عامر، أن “سيناريو الانفصال أو تقرير المصير، أحد أقرب السيناريوهات في السويداء”، نتيجة ما حدث في تموز/ يوليو الماضي، إذ “تحول الانفصال إلى خيار حماية حياة وليس مشروعاً سياسياً”. أما السيناريو الثاني فهو “صراع طويل الأمد مع السلطة مدعوم باستمرار الاستفزازات والاختراقات الأمنية، ودعم بعض القوى الإقليمية للسلطة الجديدة، وهو ما يعني سنوات من عدم الاستقرار”.
والسيناريو الثالث، برأي عامر يتمثل في “إعادة دمج السويداء في سوريا موحدة، وهو الأكثر صعوبة، ولا يمكن أن يتحقق إلا بشروط واضحة، أبرزها: إسقاط السلطة الحالية، وبناء دستور مدني ولامركزية سياسية حقيقية، وعقد اجتماعي جديد”.
وختم عامر: “ما لم تُبنَ سوريا على أساس عقد جديد يضمن حقوق كل المكوّنات بلا استثناء، فإن الانفصال لن يكون خياراً شاذاً، بل سيكون هو الخيار الوحيد المتاح لشعب يخوض معركة وجود”.
لا يعرف سالم إلى أين تتجه الأمور في السويداء، لكنه متأكد أن “الصدع لم يعد بين أهالي السويداء وحكومة دمشق، بل أصبح مع الشعب السوري نفسه”. مضيفاً “أتمنى أن تبنى جسور الثقة من جديد، ويتم رأب الصدع”.
