بعد نحو عام: الاحتلال الإسرائيلي يرسّخ وجوده في الجنوب السوري
بعد أكثر من 11 شهراً، لا يبدو أن هناك نهاية قريبة لاحتلال إسرائيل أجزاء من محافظة القنيطرة جنوب غرب سوريا.
17 نوفمبر 2025
القنيطرة- في 16 أيلول/ سبتمبر، استيقظ محمد حسين عربي، 48 عاماً، عند الساعة الثانية فجراً، على دويّ قنابل صوت قرب منزله في بلدة خان أرنبة بريف القنيطرة، جنوب غرب سوريا، وسرعان ما أدرك أن منزله محاصر.
صدح عبر مكبّرات الصوت نداء: “سهيل عربي، سلّم نفسك”، وكان في الخارج جنود إسرائيليون، بينما الشخص المطلوب هو ابنه البالغ من العمر 17 عاماً.
طرق الجنود باب بيته مطالبين بابنه سهيل، وسألوا الأب، المعروف بـ”أبو سهيل” إن كان في منزله أسلحة، ، وقد أجروا عدة عمليات تفتيش داخل المنزل، مستخدمين كلاباً بوليسية وطائرات مسيرة، كما قال أبو سهيل لـ”سوريا على طول”.
“أخبرتهم بأنه ليس لدينا أسلحة. ولم أكن أعرف أيضاً أين كان سهيل”، وهو الابن الوحيد، “لأنني كنت نائماً”، أضاف والده.
في وقتٍ سابق من تلك الليلة، كانت عائلة عربي في نزهة، وعندما عادت العائلة كان أبو سهيل متعباً وذهب إلى النوم، وعندما استيقظ أثناء مداهمة بيته أدرك أن ابنه قد فرّ فعلاً، وكان كأس المتة في غرفة المعيشة ما زال دافئاً.
قال أبو سهيل: “إنه طفل، عمره 17 عاماً فقط، لا بد أنه خاف من كل هذا الضجيج وهرب”، مشدداً على أن ابنه ليس من أصحاب السوابق لا مع السلطات السورية ولا غيرها، وأكبر ما حصل معه حادث دراجة نارية بسيط، قبل عدة أشهر، مع دورية تابعة للأمم المتحدة في المنطقة العازلة بين خان أرنبة والجولان السوري المحتل.
ومؤخراً، بعد أن سمع أن الجيش السوري الجديد فتح باب التطوع في صفوفه، قدم سهيل طلب انتساب مع بعض أصدقائه، أملاً بكسب بعض المال، على حد قول والده. وعند وقوع المداهمة في أيلول/ سبتمبر، لم يكن قد تلقّى تدريبه، أي أنه ليس في صفوف الجيش رسمياً.
بعد تفتيش منزل عائلة عربي، عصبَ الجنود الإسرائيليون عيني أبو سهيل وكبّلوا يديه، ثم اقتادوه إلى قاعدتهم قرب قرية الحميدية، التي تبعد 15 دقيقة بالسيارة. احتجزوه هناك لأكثر من 24 ساعة، خضع خلالها للاستجواب عن مكان ابنه.
قال أبو سهيل – بعد شهر من الحادثة – وهو ينفث دخان سيجارته في غرفة المعيشة: “كانت تلك المرة الأولى التي يدخلون فيها إلى خان أرنبة”.

موقع عسكري إسرائيلي على تلة داخل الأراضي السورية في القنيطرة، مع إشارة إلى حدود المنطقة العازلة في المقدمة، 14/ 10/ 2025، (أناغا سوباش ناير/ سوريا على طول)
المنطقة العازلة
في عام 1974، توصّلت إسرائيل وسوريا إلى اتفاق فصلٍ للقوات بعد سنوات من الحرب، بوساطة الأمم المتحدة، وقد نصّ الاتفاق على إنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح تحت إشراف قوة الأمم المتحدة لمراقبة فضّ الاشتباك (الأندوف – UNDOF)، التي أصبحت دورياتها جزءاً مألوفاً من الحياة في المنطقة.
صمدت المنطقة العازلة 50 عاماً، إلى أن سقط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، أعلنت إسرائيل من طرف واحد أن اتفاق 1974 “لاغٍ حتى استعادة النظام”، ثم اجتاحت الشريط الحدودي وأنشأت ست قواعد عسكرية في محافظة القنيطرة.
بعد نحو عام، صارت قوات الاحتلال تنشر حواجز طيّارة بشكل منتظم عند مداخل قرى القنيطرة، وغالباً ما تسيّر دوريات في عمق الأراضي السورية، رغم وجود قوات الأندوف في المنطقة، التي تصدر تقارير متكررة حول التوترات والانتهاكات.
تُحدَّد المنطقة العازلة ببراميل مطلية بالأحمر والأبيض، وُضعت على طول خط “ألفا” غرباً وخط “برافو” شرقاً، وهما الخطّان اللذان رسمتهما الأمم المتحدة، وتشير الأرقام المكتوبة على البراميل إلى المسافة بالأمتار من الجهة الأخرى للمنطقة.
تقع خان أرنبة، حيث يعيش أبو سهيل، شرق خط “برافو” مباشرة، وهو الحدّ الفاصل من الجهة السورية للمنطقة العازلة. منذ سقوط النظام، أصبحت التوغّلات الإسرائيلية شائعة في القرى الحدودية داخل المنطقة، مثل جباتا الخشب، كما أشار. أما القرى الأعمق داخل الأراضي السورية، مثل خان أرنبة، فكانت بمعظمها بمنأى عن ذلك، رغم أن الجيش الإسرائيلي أنشأ في أوائل تشرين الثاني/ نوفمبر حاجزاً طيّاراً غير بعيد عن البلدة.
لا يعرف أبو سهيل إطلاقاً لماذا جاء الجنود الإسرائيليون بحثاً عن ابنه. بعد أيام من الإفراج عنه، وصل عناصر من الأمن العام السوري إلى منزله. “استجوبوني لمدة نصف ساعة لمعرفة سبب سؤال الإسرائيلين عن سهيل”، وأخبرهم بأنه لا يعرف، ثم غادروا، كما قال.

دورية تابعة لقوة الأندوف في القنيطرة، 14/ 10/ 2025، (أناغا سوباش ناير/ سوريا على طول)
النزوح والدمار
منذ دخولها إلى المنطقة العازلة في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، ارتكبت القوات الإسرائيلية انتهاكات في جنوبي سوريا، بما في ذلك جريمة الحرب المتمثلة في التهجير القسري، كما جاء في تقرير منظمة “هيومن رايتس ووتش”، الذي نُشر في أيلول/ سبتمبر، إذ تمّت مصادرة منازل وهدمها، كما جرى احتجاز سوريين ونقلهم إلى داخل إسرائيل في انتهاكٍ واضح للقانون الدولي.
قال آدم كوجل، نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في “هيومن رايتس ووتش”، أن الجيش الإسرائيلي يستند إلى “الضرورة العسكرية” في تبرير بعض تحركاته جنوب سوريا، “وهي حجة ليست قوية، نظراً لعدم وجود أعمالٌ قتالية نشطة. ولم يقدّموا أي شكل من أشكال الرعاية للسكان، بل قاموا بطردهم فحسب”، كما أضاف لـ”سوريا على طول”.
في تشرين الأول/ أكتوبر، احتجزت القوات الإسرائيلية خمسة مدنيين من جنوب القنيطرة، وهي واحدة من أحدث سلسلة توغّلات واعتقالات منذ سقوط النظام. وفي آب/ أغسطس، أطلقت القوات الإسرائيلية النار على شاب قرب منزله، في قرية طرنجة شمال القنيطرة، وأردته قتيلاً.
أبو محمد (اسم مستعار)، عامل زراعي من قرية “رسم الرواضي”، الواقعة داخل المنطقة العازلة، على بعد أقل من 2 كيلومتر من خط “ألفا”، وهو واحد من الذين دُمّرت منازلهم.
في الساعات الأولى لسقوط النظام، في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024، كان أبو محمد في منزله عندما دخلت القوات الإسرائيلية إلى قريته وأجبرت العديد من الأهالي على مغادرة منازلهم والتجمع داخل منزل مهجور.
“بعد بضع ساعات، أعطونا إنذاراً بالإخلاء، ولم يسمحوا لنا بأخذ حتى الحاجات الأساسية من بيوتنا. نزحنا إلى قرية مجاورة لمدة شهر وعشرين يوماً تقريباً”، كما قال لـ”سوريا على طول”.
ينحدر أبو محمد أساساً من الجولان، الذي احتلته إسرائيل عام 1967، ونزح حينها إلى دمشق حتى عام 1974، ثم عاد إلى جنوب البلاد وأسس لحياة جديدة في محافظة القنيطرة. خلال الحرب السورية، اضطر إلى مغادرة منزله مرة أخرى عام 2014، وانتقل إلى دمشق قبل أن يعود من جديد إلى القنيطرة، أي أنّ “حياتنا كلها نزوح بنزوح”، قال متهكماً.
عندما عاد إلى “رسم الرواضي” بعد رحلة النزوح الأخيرة، وجد أبو محمد أن القوات الإسرائيلية دمرت جزءاً من منزله.

منزل أبو محمد المدمر جزئياً في قرية “رسم الرواضي” بمحافظة القنيطرة، 14/ 10/ 2026، (أناغا سوباش ناير/ سوريا على طول)
“لماذا؟ لا نعرف. هم عدوّ محتل، وهذا اسمهم”، قال أبو محمد وهو يهزّ كتفيه، واقفاً وظهره إلى هيكل كان يوماً ما غرفة جلوسه. وبالقرب من منزله، كان هناك منزلان آخران قد تضررا جزئياً أيضاً بفعل القوات الإسرائيلية.
لا تزال القوات الإسرائيلية تسير دوريات منتظمة في قريته، تتحرّك عبر الأراضي الزراعية الواسعة. وعلى امتداد ما كان سابقاً منطقة عازلة، تنتشر على الطرقات سدود ترابية أقامتها قوات الاحتلال، ما يجبر السكان على سلوك طرق طويلة ومعقدة أثناء التنقل بالسيارة، وكثيراً ما يضطر الأهالي التعامل مع الدوريات على الطرق.
قال أبو محمد: “يتصرفون معنا بسوء، ويتحدثون بطريقة متعالية دائماً. يضربون [الناس] أحياناً، يزعجوننا، وإذا قلت لهم إنك تحاول العودة إلى منزلك، يقولون لك إنك لا تستطيع ويطلبون منك المغادرة”.
“تقويض أي زخم”
أشارت كارولين روز، مديرة معهد نيو لاينز، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن، إلى أن الأساس الذي تستند إليه إسرائيل لإبطال اتفاق عام 1974 من طرف واحد “صيغ عمداً بقدر كبير من الغموض”.
وأضافت: “هذه فعلياً فرصة سانحة للحكومة الإسرائيلية، لتأسيس منطقة عازلة لطالما سعت إليها منذ البداية”، منطقة تمسك هي بزمام السيطرة عليها، كما أنها “وسيلة لتقويض أي زخم قد تتمتع به الإدارة الجديدة، ومنعها من الحصول على أي نوع من المعدات أو القدرات العسكرية التقليدية”.
في آب/ أغسطس، استهدفت غارة جوية إسرائيلية مقر قوات الأمن الداخلي، التابعة للسلطات الجديدة في مدينة السلام بالقنيطرة، وقد دعت تل أبيب مراراً إلى نزع السلاح الكامل في جنوب سوريا.
تواصلت “سوريا على طول” مع مقر قوات الأمن الداخلي في القنيطرة، الذي قال أنه لا يستطيع التصريح.
وفي أواخر تشرين الأول، دعا إبراهيم علبي، المندوب الدائم لسوريا لدى الأمم المتحدة، إسرائيل إلى سحب قواتها من جنوب سوريا، بما في ذلك من الجولان السوري المحتل، وأدان ممارساتها، التي تقوّض “أمن سوريا واستقرارها”.

حاجز تابع لقوات الأمن الداخلي في ريف القنيطرة جنوب غرب سوريا، 14/ 10/ 2025، (أناغا سوباش ناير/ سوريا على طول)
في بعض الحالات، برّر الجيش الإسرائيلي اختطاف سوريين بادعاءاتٍ تفيد بانتمائهم إلى جماعات مدعومة من إيران، أو إلى حزب الله أو حركة حماس، وهي مزاعم تشكّك روز في صحتها. في السنوات الأولى من الحرب في سوريا، كان لإيران حضور في القنيطرة عبر وكلائها المسلّحين. لكن بحلول عام 2018، حدّ اتفاق إسرائيلي-روسي إلى حدّ كبير من وجود إيران وفصائلها، هذا إن لم يُزَل بالكامل.
وقالت روز: “في هذه المرحلة، تحاول الكثير من هذه المجموعات خفض بصمتها قدر الإمكان، بدل إعطاء ذريعة للضربات الإسرائيلية المتكررة. من الواضح أنه لا أحد آمن حتى في المناطق التقليدية الخاضعة لنفوذ حزب الله في لبنان، لذا أشكّ أن تكون هذه المنطقة المتنازع عليها ملاذاً آمنًا لتلك المجموعات”.
“تحت الاحتلال”
تكرار التوغلات الإسرائيلية في بلدته هي تجربة “مهينة” بالنسبة لأبو محمد، قائلاً: “أشعر أنني أعيش تحت الاحتلال. لا يسمحون لنا بالزراعة. دمّروا كل أشجارنا في المنطقة بجرّافاتهم، وهي أشجار تعود لمئات السنين. دمّروا أراضينا وطرقاتنا ومياهنا وكهرباءنا”.
شهدت الأشهر الماضية انخراطاً دبلوماسياً بين إسرائيل ودمشق، تأمل الأخيرة من خلاله بالعودة إلى نسخة من اتفاق 1974. لكن أحدث جولة من المحادثات تعثّرت بسبب مطالبة إسرائيل فتح ممر إنساني إلى السويداء، حيث تطور القتال بين الدروز والمقاتلين البدو في تموز/ يوليو إلى مجازر ذات طابع طائفي، شارك فيه عناصر من القوات الحكومية.
وقالت روز: “يمكن أن نستفيد من الدروس ونحاول استنساخ بعض عناصر [اتفاق 2018] ضمن عملية ترعاها الأمم المتحدة وتكون خاضعة لرقابتها على طول الحدود السورية. أعتقد أن هذا هو السبيل الوحيد، لأنه إذا تركنا الأمر للحكومة لتنفيذه، فقد نشهد من جديد اشتباكات بين مكوّنات درزية وسنية”.
قضى اتفاق إسرائيلي-روسي عام 2018 نشر قوات الحكومة السورية على طول الحدود الجنوبية للبلاد، بشرط بقاء إيران وحلفائها بعيدين عن المنطقة الحدودية. وترى روز أن وجود لاعبين رئيسيين مثل تركيا والولايات المتحدة وروسيا، إلى جانب التوترات الداخلية في سوريا، يجعل من سيطرة الأمم المتحدة ضرورة لأي اتفاق أمني على الحدود الجنوبية للبلاد.
وصل، اليوم الإثنين، وفد روسي إلى محافظة القنيطرة الحدودية، لتحديد أماكن وضع نقاط المراقبة الروسية، بحسب وسائل إعلام محلية.
ينتظر أبو سهيل عودة ابنه إلى المنزل، إذ حتى الآن لم يسمع عنه شيئاً منذ تلك الليلة، التي داهمت فيها القوات الإسرائيلية منزلهم في أيلول/ سبتمبر.
وأضاف أبو سهيل: “أنا قلق على ابني. أتمنى ألا يكون قد سار في طريق خاطئ وأنا بعيد عنه”. يوجد على ساعده الأيسر وشم “أبو سهيل”، أظهر بفخر، مشيراً إلى أنه اختار اسم سهيل قبل 30 عاماً، أي قبل ولادة ابنه البكر.
وختم قوله: “أنا لست بخير. أريد أن أعثر عليه”.
