6 دقائق قراءة

بلا ضمانات: كيف يقرأ الكرد اتفاق الحكومة السورية و”قسد”؟

يتباين المزاج الشعبي العام في آخر مناطق نفوذ "قسد"، شمال شرق سوريا، خاصة فيما يخص الشارع الكردي، الذي ما زال يفضّل الترقب الحذر على التعبير العلني عن أي موقف من الاتفاق مع الحكومة السورية


بقلم سلام علي

10 فبراير 2026

القامشلي- تسود حالة من الترقب في الحسكة والقامشلي ومنطقة الشيوخ غربي مدينة عين العرب (كوباني)، منذ دخول قوى الأمن الداخلي التابعة للحكومة السورية إليها، في الثاني والثالث من الشهر الحالي، تنفيذاً لبنود الاتفاق المبرم بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في 30 كانون الثاني/ يناير.

على عكس الاحتفالات التي عمت محافظتي الرقة ودير الزور بانسحاب “قسد” ودخول عناصر وزارتي الداخلية والدفاع السورية، كانت الاحتفالات في الحسكة والقامشلي على نطاق ضيق في بعض الأحياء العربية.

في المقابل، لم تشهد الأحياء ذات الغالبية الكردية أي مظاهر استقبال، لكنها في الوقت ذاته لم تسجّل رفضاً صريحاً. عند المدخل الغربي لمدينة القامشلي، تجمع عدد محدود من الأشخاص، رافعين أعلاماً كردية ومرددين شعارات تمجّد “مقاومة روج آفا”، أثناء دخول قوى الأمن، وفي الحسكة أطلق صحفيون وعدد من قوات الأمن الداخلي التابعة لـ”قسد” شعارات مشابهة، في مشهد حمل دلالات رمزية أكثر منه موقفاً شعبياً عاماً.

يعكس ذلك، تبايناً في المزاج الشعبي العام في آخر مناطق نفوذ “قسد”، شمال شرق سوريا، خاصة فيما يخص الشارع الكردي، الذي ما زال يفضّل الترقب الحذر على التعبير العلني عن أي موقف في هذه المرحلة.

رغم الحذر الذي يسود المنطقة، يفضل غالبية سكان الحسكة والقامشلي، خاصة الكرد، أن يستمر التفاهم القائم وأن تنجح جهود وقف إطلاق النار، باعتباره الخيار الأقل كلفة قياساً بالسيناريوهات العسكرية، التي كانت ستقود المنطقة إلى كارثة إنسانية، كما قال العديد من المصادر المدنية الكردية لـ”سوريا على طول”.

الاتفاق الأخير “منحنا شعوراً بالطمأنينة، وخاصة مع دخول قوات الأمن العام، إذ لن يكون هناك قتل أو تهجير”، قالت نازدار محمد، 43 عاماً، من سكان مدينة الحسكة.

ارتياح لا يخلو من قلق

رحّب الشارع الكردي بمختلف أطيافه السياسية والاجتماعية والثقافية بالاتفاق الأخير، وسط أجواء من الارتياح العام، لكن “هذا الارتياح ممزوج بقلق كبير، ولا سيما أن الحكومة والفصائل التي تنضوي فيها تسببت بمجازر وكوارث داخل مجتمعات سورية أخرى، ناهيك عن أن خطاب الكراهية الموجه ضد الكرد على أشده”، قال عبد الحليم سليمان، صحفي من رأس العين (سري كانيه) مقيم في القامشلي.

يتخوف الشارع الكردي من “الانتهاكات والتصرفات الفردية، وعدم القدرة على ضبط القوات [السورية] في ظل عملية التجييش”، بحسب الأكاديمي والسياسي الكردي السوري، عبد الباسط سيدا، معتبراً أن هذه الهواجس “مشروعة “، لا سيما مع وجود “تجارب في مناطق أخرى أدت إلى حدوث جروح عميقة في الجسم والذاكرة السورية” في إشارة إلى أحداث الساحل في آذار/ مارس 2025، والسويداء في تموز/ يوليو من العام نفسه.

السكان يترقبون ما ستؤول إليه التطورات في المرحلة المقبلة، “ولا تبدو الثقة راسخة تماماً بقدرة هذه القوات على فرض الأمن والاستقرار، إذ تسود مخاوف من احتمال نشوء خلافات أو حالات عدم توافق أو حتى تباينات في تفسير بعض البنود التي جرى الاتفاق عليها”، أضاف سيدا لـ”سوريا على طول”.

وفي هذا السياق، قالت نازدار محمد، التي عبّرت عن ارتياحها للاتفاق، أن “الاطمئنان يبقى منقوصاً، فقد ينهار الاتفاق في أي لحظة كما حصل في الاتفاقيات السابقة”.

في المقابل، ينظر يوسف أحمد، من سكان الحسكة، وهو موظف في منظمة مجتمع مدني، إلى الاتفاق بشكل مختلف، مشيراً إلى أن عائلته كانت تعيش، كما سائر الكرد، حالة من الخوف والقلق قبل الاتفاق، “خشية انزلاق المنطقة إلى حرب كبيرة، لكن بعد الاتفاق ودخول القوات الحكومية عاد الوضع طبيعياً”، كما قال لـ”سوريا على طول”.

وأضاف: “دخول القوات الأمنية الحكومية إلى كل من الحسكة والقامشلي هي خطوة جيدة من خلال قطع الطريق على بعض الأطراف التي كانت تأمل حدوث حرب واسعة في المنطقة”.

واستبعد أحمد حدوث انتهاكات أو مجازر بحق الكرد على يد القوات الحكومية أو حدوث اضطرابات في الحسكة، ولا سيما أن الأعداد التي دخلت إلى المنطقة “ليست كبيرة، ومهمتها الأساسية افتتاح المؤسسات الرسمية [الحكومية]، لذا ليس هناك ما يدعو للقلق منهم”. قالت “قسد” أن عدد العناصر الحكومية التي دخلت مدينتي الحسكة والقامشلي بين 200 و250 عنصراً.

ومع ذلك، يخشى أحمد، وهو ربّ أسرة مؤلفة من أربعة أفراد، من الاتفاق نفسه، لأنه “لا يزال مبهماً إلى حد ما، وهناك تناقضاً في التصريحات بين الطرفين بخصوصه”. كما هو الحال بالنسبة لتواجد قوى الأمن الداخلي التابعة للحكومة السورية في المنطقة، إذ صدرت تصريحات عن قوات “الأسايش” و”قسد” تؤكد أن مهمة قوات دمشق مؤقتة وستعود إلى مناطقها بعد انتهاء مهامها، بينما تشير التصريحات الحكومية إلى أن قواتها ستبقى بشكل دائم.

“ضبابية المشهد وغموض المستقبل القريب، وعدم معرفة ما سيحدث بعد الاندماج”، هو أيضاً ما يقلق مايا حسين، 24 عاماً، من سكان مدينة القامشلي، خاصة أن “المجازر [السابقة] تشير إلى أن هذه الجماعات (القوات الحكومية) لا تتقبل الاختلاف، ولديها نظرة مسبقة تجاهنا على أننا غير مسلمين، ناهيك عن حجم التهديدات التي يبثونها عبر مواقع التواصل الاجتماعي”.

ومع ذلك، لدى حسين قناعة بأن الاتفاق “أوقف سيل الدم وكبح محاولات الإبادة التي كانت قد تحدث، وأسهم إلى عودة الحياة في المدينة تدريجياً إلى طبيعتها”، وعبرت عن ارتياحها من فكرة بقاء القوات الحكومية “ضمن أماكن محددة داخل المدينة من دون التجول في أحيائها والتعرّض للمدنيين”.

في مدينة الحسكة تمركزت قوى الأمن الداخلي في مركز شرطة المرور (المخفر الشمالي سابقاً) بالقرب من دوار سينالكو القريب من مدخل الحسكة الشمالي. وفي مدينة القامشلي تمركزت في إحدى مراكز المربع الأمني، ومطار القامشلي الدولي.

من جهته، رأى رستم عثمان، 37 عاماً، صاحب محل تجاري في سوق القامشلي المركزي، أن دخول قوى الأمن الداخلي إلى المدينة، يمكن أن يحقق “فائدة حقيقية للمنطقة، عبر تفعيل المؤسسات المدنية والخدمية من الهجرة والجوازات إلى المحاكم والمعابر”، كما قال لـ”سوريا على طول”.

وهذا ما ركزت عليه دلشا، 40 عاماً، من سكان القامشلي، معتبرة أن الاتفاق لا يتعلق بالتواجد الأمني فقط، وإنما يجب أن يتضمن عودة التعليم الحكومي وتفعيل المؤسسات المدنية، التي عانى الأهالي من غيابها منذ سقوط نظام الأسد.

عقب انهيار نظام الأسد في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024، سيطرت “قسد” على ما كان يعرف بالمربعات الأمنية في مدينتي الحسكة والقامشلي، التي كانت تضم المؤسسات الحكومية التابعة لحكومة دمشق، ومنها: مديرية الأحوال المدنية (النفوس)، المحاكم، الهجرة والجوازات، المصارف التجارية والعقارية، ومديرية التربية، لذا كان يضطر المواطنون السفر إلى دمشق أو دير الزور لإنجاز معاملاتهم.

التفاف حول “قسد”

بعيداً عن المواقف السابقة للشارع الكردي من “قسد”، التي تتحمل مسؤولية أخطاء عديدة في إدارة شمال شرق سوريا، والتوسع خارج المناطق ذات الغالبية الكردية، وما أدى ذلك إلى خسائر بشرية وسياسية، إلا أن شريحة واسعة من الكرد في شمال شرق سوريا، يرون في الأونة الأخيرة أنها الخيار الوحيد لحماية الكرد وضمان حقوقهم السياسية والثقافية، في ظل غياب بدائل موثوقة.

“وقعت قسد في الكثير من الأخطاء ولم تنجح خططها، وغالبية الكرد لم يكونوا راضين عن توجه قسد إلى مناطق ليس فيها غالبية كردية”، قال يوسف أحمد، مضيفاً: “حتى أثناء محاربة داعش، كان عليها ألا تدخل مدناً أخرى، لأننا فقدنا الكثير من الشهداء في هذه الحرب”.

وشدد أحمد على أن، المطلب الأساسي حالياً هو “حماية المدن الكردية، وضمان الحقوق السياسية والثقافية ضمن سورية موحدة، لا الانفصال أو التوسع العسكري”.

وشهدت وسائل التواصل الاجتماعي انتقادات واسعة لقيادات “قسد” والإدارة الذاتية، حيث حملها الناس مسؤولية سوء إدارة المنطقة ونقص الدبلوماسية، ما أدى إلى تضييق الخيارات الاستراتيجية المتاحة اليوم، في ظل انعدام الشفافية أو توضيح موقفها للسكان.

من جهته، قال عكيد مشمش، مدير قسم الأخبار في وكالة نورث برس ومقرها مدينة القامشلي، أن “الانتقادات ضد قسد ازدادت وتيرتها بعد الانسحاب من دير حافر ومسكنة والطبقة والرقة ودير الزور، والانتقادات كانت بالأصل للمشروع الذي انهار فعلياً وأثبت أنه مشروع مهزوز وركيك من الأساس”، في إشارة إلى مشروع الأمة الديمقراطية وأخوة الشعوب، الذي نادت به “قسد”، في منطقة “مداخلة عرقياً وقومياً”، وهو “مشروع لم يكن مرحباً به دولياً وإقليمياً ولا حتى محلياً”.

الانتقادات الموجهة لـ”ٌقسد” والاختلاف مع ولاءاتها الحزبية والإيديولوجية لا ينفي وجود “تمسك بها”، وقد ازداد هذا التمسك “بعد ارتكاب أطراف محسوبة على الحكومة مجازر في مجتمعات سورية أخرى”، كما قال عبد الحليم سليمان الصحفي من رأس العين.

وأضاف: “التف الناس حول قسد، وهي خيارهم الوحيد عملياً لأنه ليس هناك ثقة بالأطراف الأخرى وخاصة المجموعات الإسلامية المتشددة”.

اتفق حكيم أحمد وهو صحفي من القامشلي مع سليمان، في أن “قسد الخيار الوحيد للكرد السوريين في وجه الحرب، أي كلما زادت مخاطر الحرب زاد تمسك الكرد بقسد”.

ضمانات دستورية 

بعد الاتفاق الأخير، “لم تعد الإدارة الذاتية التي أعلنت من طرف واحد، موجودة”، بل حلت مكانها صيغة جديدة لم تتضح تفاصيلها بعد، بحسب عبد الباسط سيدا الأكاديمي والسياسي الكردي السوري، متوقعاً منح المجتمعات المحلية بعض الصلاحيات الإدارية والأمنية، “غير أن طبيعة هذه الترتيبات سوف تتضح لاحقاً في ظل غموض البنود المتفق عليها”.

وبين ارتياح مشروط وخوف مشروع، يترقب الشارع الكردي ما ستؤول إليه المرحلة المقبلة، وسط قناعة بأن الاستقرار الحقيقي لن يتحقق إلا بضمانات مكتوبة، وإجراءات ثقة واضحة، وآلية متفق عليها لحل الخلافات، بعيداً عن منطق القوة والسلاح.

وفي هذا الصدد، قال رستم عثمان بصفته مواطناً كردياً سورياً أن المطلب الأساسي هو أن تكون “حقوق الكرد كما حقوق جميع المكونات السورية مصانة ومحمية دستورياً”، مشدداً على أن الحقوق لا تصان بالمراسيم أو القرارات المؤقتة لأنها “ليست ضمانات حقيقية”، لذا “لا بد من تثبيتها بشكل صريح وواضح في الدستور”.

وحفاظاً على الاتفاق من الانهيار، لا بد أن يكون “في إطار سياسي ودستوري وقانوني واضح”، قال مشمش، مضيفاً: “الحكومة السورية ملزمة بتعديل الدستور والاعتراف بالقومية الكردية السورية وحقوق الشعب الكردي في الدستور، إذا كانت تنوي المضي قدماً في تطبيق هذا الاتفاق. الضمانات بالدرجة الأولى هي ضمانات دستورية”.

ولخص سيدا احتياجات السوريين بثلاثة أمور أساسية: “تبديد الهواجس عبر اتفاقات مكتوبة، وتعزيز إجراءات بناء الثقة، والاتفاق على آلية لحل الخلافات”، متمنياً أن تسفر اللقاءات التي عقدت في دمشق مؤخراً بين المجلس الوطني الكردي والحكومة عن “التزامات مكتوبة تشكل مخرجات فعلية لها”.

شارك هذا المقال