7 دقائق قراءة

بلغاريا تتخلص بصمت من اللاجئين السوريين

السلطات البلغارية تمارس ضغوطاً وإكراهاً على طالبي اللجوء السوريين لإعادتهم إلى بلادهم، في إطار تحوّل أوروبي أوسع بدأ قبل سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، لكنه تسارع منذ ذلك الحين


24 سبتمبر 2025

صوفيا- “أعتذر حقاً عن التأخر في الرد، كنت محتجزاً في صوفيا حتى البارحة. لقد تم ترحيلي للتو”، هذه رسالة رشيد، الذي تقدم بطلب لجوء في بلغاريا، أرسلها عبر تطبيق واتساب، عند الساعة الرابعة فجراً في تموز/ يوليو، عندما كان في أرض مطار دبي الدولي، ينتظر رحلة – لم يكن يريد أن يستقلها- للعودة إلى بلده سوريا.

بين عامي 2013 و2023، مُنح جميع السوريين تقريباً، الذين وصلوا إلى بلغاريا، شكلاً من أشكال الحماية الدولية، كسياسة متّبعة، إلى أن تغير ذلك في آب/ أغسطس 2024، عندما أعلنت الوكالة الحكومية لشؤون اللاجئين في بلغاريا أنه لا يوجد “عنف عشوائي في معظم الأراضي السورية”، رغم أن الحرب كانت مستمرة آنذاك. ونتيجة لذلك، رُفضت أكثر من 80 بالمئة من طلبات اللجوء المقدّمة من سوريين بين تشرين الأول/ أكتوبر وكانون الأول/ ديسمبر 2024.

بعد أيام قليلة فقط من سقوط نظام الأسد، أي في كانون الأول/ ديسمبر 2024، أفادت منظمة نو نيم كيتشن/ مطبخ بلا اسم، وهي منظمة إنسانية تدعم المهاجرين في مختلف أنحاء أوروبا، أن ضباطاً بلغاريين كانوا يجبرون طالبي اللجوء السوريين في مراكز الاستقبال على التوقيع على وثائق ترحيلهم.

إن التحول الجذري في موقف السلطات البلغارية تجاه السوريين في البلاد هو جزء من تغيير أوسع يجتاح أوروبا، بدأ قبل سقوط الأسد لكن تسارعت وتيرته منذ ذلك الحين. وبينما أشارت بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى أن عمليات الترحيل واسعة النطاق إلى سوريا غير ممكنة حالياً، إلا أن ذلك لم يمنع دولاً أخرى، من بينها بلغاريا، من استخدام التهديد بالاحتجاز المطوّل والحرمان لإجبار السوريين على المغادرة.

الغالبية العظمى من السوريين المقيمين في أوروبا لا يريدون العودة، كما هو حال رشيد، الذي ينحدر من محافظة إدلب شمال غربي سوريا ووصل إلى بلغاريا في أواخر آب/ أغسطس 2024، وتقدّم بطلب لجوء مرتين لكن رُفض في كليهما. ومع ذلك اختار البقاء في البلاد.

وجد رشيد عملاً وحاول أن يبني حياة جديدة، لكن في أحد الأيام، وهو في طريقه إلى العمل في حزيران/ يونيو الماضي، اعتُقل لعدم حيازته على وثائق، كما قال لـ”سوريا على طول”.

“أخذوني إلى مركز احتجاز بوسمانتسي [قرب صوفيا]»، مستذكراً “المعاملة من جانب السلطات البلغارية [داخل الاحتجاز التي] تشبه معاملة أجهزة المخابرات التابعة لنظام الأسد السابق”، على حد قوله.

مدخل مركز احتجاز بوسمانتسي قرب صوفيا، بلغاريا، 01/ 07/ 2025، (سوريا على طول)

مدخل مركز احتجاز بوسمانتسي قرب صوفيا، بلغاريا، 01/ 07/ 2025، (سوريا على طول)

في مركز بوسمانتسي، وُضع رشيد أمام خيار نهائي: إما أن يوافق على ما يُسمى “العودة الطوعية”، أو أن يقضي ما يصل إلى 18 شهراً في الاحتجاز.

“أجبروني [الضباط] في السجن على توقيع أوراق كثيرة”، قال رشيد، مشيراً إلى أنه “لم يكن هناك مترجم: كانوا يتحدثون معي فقط عبر مترجم غوغل. وعندما سألتهم عمّا كنت أوقع عليه، لم يقدموا لي أي معلومة”.

وبمجرد التوقيع على الأوراق، بدأت إجراءات ترتيب وثيقة مرور في السفارة السورية في صوفيا. قال رشيد: “أخذوني بالأصفاد طوال الطريق إلى السفارة، ثم فكّوها عند الباب. خلال عشرة دقائق كانت وثيقتي السفر جاهزة”.

واشترت مديرية الهجرة في بلغاريا، التابعة لوزارة الداخلية، تذكرة طائرة لرشيد إلى دمشق مقابل نحو 1500 ليف بلغاري (حوالي 750 يورو). كما تلقى رشيد 150 يورو نقداً في المطار كـ”مساعدة نقدية بسيطة” مقابل موافقته على “التعاون“. ويأتي نحو 75 بالمئة من الأموال المصروفة لترحيل رشيد وسوريين آخرين مثله من “صندوق اللجوء والهجرة والاندماج” التابع للمفوضية الأوروبية، الذي يموّل برنامج العودة البلغاري.

لم تخلُ الساعات الأخيرة في بلغاريا من الحوادث، إذ اقتاده أربعة أشخاص من مديرية الهجرة بلباس مدني إلى المطار. وهناك رفض الامتثال لهم أملاً بوقف ترحيله، لكنهم أدخلوه إلى غرفة مغلقة في المطار “وضربوني بالهراوات” على حد قوله.

بعد أسبوعين، كان رشيد قد عاد إلى منزل عائلته في ريف إدلب، حيث “الوضع صعب، لأن البلد يحتاج ما لا يقل عن عشرة سنوات من الاستقرار حتى يصل إلى التعافي”،  لذا “أفكر المغادرة إلى أوروبا مرة ثانية إن استطعت”، وفقاً له.

يانكا كوساروفا، المنسقة القانونية في مؤسسة “الوصول إلى الحقوق” (FAR) البلغارية غير الحكومية، قالت أن معظم السوريين في البلاد يريدون إيجاد وسيلة للبقاء في أوروبا.

“من الصعب عليّ أن أجزم، لأننا لا نملك إحصاءات، لكن التوافق العام هو أن الناس يريدون البقاء، إلا أنهم يدركون أن الوضع الآن، مع قرارات الرفض، يجعل من الصعب جداً فعلياً البقاء تحت الحماية الدولية”، كما أضافت لـ”سوريا على طول”.

روت كوساروفا تجربة طالب لجوء آخر من سوريا قدّمت له مؤسستها دعماً قانونياً في قضيته التي انتهت بالفشل، وقرر في النهاية العودة، “وكان ذلك قراره لأنه لم يكن محتجزاً”.

ومع ذلك، لم يكن مغادرة بلغاريا أمراً سهلاً: “[مديرية الهجرة] لم تكن لديها مشكلة في مغادرته إلى سوريا، هذا واضح. لكن، على سبيل المثال، في المرة الأولى التي حاول فيها، لم تسمح له إحدى شركات الطيران بالصعود إلى الطائرة، فاضطر للبحث عن شركة أخرى ليتمكن فعلاً من ركوب الرحلة”، بحسب كوساروفا.

تُسمى عمليات المغادرة التي تُنفذ من دون مشاركة السلطات البلغارية “العودة غير المساعدة”. وتشير أرقام من مكتب الإحصاء التابع للاتحاد الأوروبي إلى أن نحو 30 سورياً عادوا بشكل مستقل من بلغاريا إلى سوريا بين آذار/ مارس وحزيران/ يونيو 2025. بينما كان نصف العدد الإجمالي من حالات العودة بعد سقوط نظام الأسد عبارة عن ترحيل قسري.

رسم بياني يُظهر أنواع الترحيل التي نفذتها السلطات البلغارية إلى سوريا، ويوضح أن نصفها تقريباً قسري. ويشير مصطلح “مدعوم” إلى المساعدة المالية المقدمة عند المغادرة. (سوريا على طول)

داخل بوسمانتسي

يًترك الذين يرفضون عرض السلطات البلغارية بالعودة ليعيشوا مرارة الاحتجاز، لمدة تصل إلى 18 شهراً، وهو الحد الأقصى لاحتجاز المهاجرين وفق قانون الاتحاد الأوروبي.

إياد*، 20 عاماً، من حلب، كان محتجزاً في مركز بوسمانتسي منذ عام تقريباً عندما أجرت “سوريا على طول” مقابلة معه في تموز/ يوليو 2025. وصل إلى بلغاريا لأول مرة في منتصف عام 2023، وحصل على الحماية الدولية بعد فترة قصيرة.

بعد عام من وصوله، اقتحم ضباط منزل إياد، عند الساعة الخامسة فجراً، واعتقلوه. أُبلغ أنه محتجز لأسباب تتعلق بالأمن القومي، وعلى إثرها أصدرت الوكالة البلغارية للأمن القومي (SANS) أمر ترحيل إلى تركيا بحقه، وكذلك حظرت دخوله إلى الاتحاد الأوروبي، وألغت تصريح إقامته في بلغاريا. وحتى الآن، لم يحصل إياد على الأدلة التي تثبت الاتهامات الموجهة إليه وتبقيه رهن الاحتجاز.

“يقولون إنني إرهابي. لماذا منحتموني الإقامة إذا كنت إرهابياً؟”، تساءل إياد مستنكراً، وأضاف: “لماذا أنا في السجن؟ أنا لم أقتل ولم أؤذِ أحداً”.

اشتكى إياد من تعرّض المحتجزين للإساءة من قبل موظفي المركز. وبحسب روايته، في اليوم الذي سبق زيارة “سوريا على طول” للمركز، أقدم السجانون على ضرب محتجز، ومنعوه لمدة 19 ساعة متواصلة من استخدام دورات المياه.

إحدى الطرق التي يمكن أن يخرج بها إياد من الاحتجاز هي أن يوافق على ما يسمى “العودة الطوعية”، كما فعل رشيد، لكن “لدي أخ هنا في بلغاريا، لا أستطيع أن أتركه”، أجاب عندما سُئل إن كان فكّر في عرض العودة.

شقيق إياد، الذي كان قاصراً عندما وصلا معاً إلى بلغاريا لأول مرة، أصبح الآن بالغاً ويعيش بمفرده. وقد فكّر الشقيقان في وقت سابق باستقدام أقاربهما من سوريا عبر لمّ الشمل العائلي. لكن الآن، لدى إياد مخاوف أخرى: “ماذا لو اتهموا شقيقي بالإرهاب أيضاً [واحتجزوه]؟”.

وأشارت ديانا داكالوفا، المحامية الرئيسية في منظمة المساعدة القانونية البلغارية غير الحكومية “مركز المساعدة القانونية“، إلى أن جهاز الأمن القومي البلغاري (SANS) بات منخرطاً بشكل متزايد في قضايا اللجوء.

وأضافت: “من خلال متابعتنا، إن نصف المحتجزين في مراكز [احتجاز المهاجرين] لديهم قضايا مرتبطة بالأمن القومي. وينطبق ذلك أيضاً على الأشخاص الذين جُرّدوا من إقامتهم، وكذلك الذين يتقدّمون بطلبات للحصول على الجنسية”.

مبنى مكتب الوكالة الحكومية للأمن القومي (SANS) في العاصمة البلغارية صوفيا، 2024، (ويكيميديا كومنز).

مبنى مكتب الوكالة الحكومية للأمن القومي (SANS) في العاصمة البلغارية صوفيا، 2024، (ويكيميديا كومنز).

يُلزم قانون اللجوء الوكالة الحكومية لشؤون اللاجئين في بلغاريا بطلب تقييم من جهاز الأمن القومي قبل قبول الطلبات. لكن بحسب داسكالوفا، فإن الرقابة القضائية على قرارات الجهاز تكاد تكون غائبة.

وقالت: “أصبح وصول المحامين إلى معلومات سرية أو حساسة أمراً أكثر صعوبة. في عدة قضايا حُرمنا من الاطلاع على الملفات على مستوى المحاكم [الإدارية]”، مضيفة: “بشكل عام، هناك غياب تام لأي رقابة قضائية فعلية على أوامر الاحتجاز هذه”.

ورأت المحامية، يُستخدم الاحتجاز بشكل متزايد كوسيلة للضغط على الأشخاص لمغادرة بلغاريا، خصوصاً أولئك الذين لا يملكون أوراقاً ثبوتية.

مخيّمات فارغة ودوريات شرطة

حتى خارج مراكز احتجاز المهاجرين، تبدو الأوضاع صعبة بالنسبة لطالبي اللجوء في بلغاريا. وبسبب الارتفاع الكبير في معدلات الرفض، يجد عدد كبير من السوريين أنفسهم عالقين في حالة من اللامكان، بانتظار قرارات لجوء يُرجَّح أن تكون سلبية.

خليل*، 24 عاماً، من حلب، ينتظر منذ أكثر من سبعة أشهر صدور قرار بشأن طلب لجوئه. وبوصفه رجلاً مثلياً، يخشى على حياته إذا تم ترحيله إلى سوريا، قائلاً: “إذا أخذوني إلى سوريا، وعرفت عائلتي، فسأكون في مأزق».

أفرغت مراكز استقبال اللاجئين في صوفيا بعد نقل المقيمين فيها من أجل ما يسمى “العودة الطوعية”. في تموز/ يوليو، كان يقيم في مخيم فراجديبا، الذي صارت طوابق كاملة فيه شاغرة.

وعرض خليل على “سوريا على طول” مقطع فيديو، تم تصويره بنفس اليوم، بحسب قوله، يظهر فيه عناصر من الشرطة يجمّعون أشخاصاً من المخيم حول باص صغير، لنقلهم إلى المطار.

مخيم فراجديبنا، المكان الذي كان خليل يقيم فيه في تموز/ يوليو 2025. قال إن الطوابق العلوية أُفرغت بعد أن غادر كثير من سكانه عبر ما يسمى "العودة الطوعية"، 09/ 07/ 2025، (سوريا على طول)

مخيم فراجديبنا، المكان الذي كان خليل يقيم فيه في تموز/ يوليو 2025. قال إن الطوابق العلوية أُفرغت بعد أن غادر كثير من سكانه عبر ما يسمى “العودة الطوعية”، 09/ 07/ 2025، (سوريا على طول)

“عندما جاءت الشرطة، قفز بعض الشبان فوق السياج وهربوا. بعضهم يختبئون في المدينة، ويحاولون التواري عن أنظار الشرطة”، بحسب خليل.

خلال زيارة إلى صوفيا، لاحظت “سوريا على طول” دوريات شرطة تعمل على مدار الساعة قرب ما يُعرف بـ “شارع العرب” في المدينة، الذي يرتاده سوريون وعراقيون وأفغان.

وبينما كان ينتظر نتيجة طلب لجوئه، حاول خليل أن يستفيد قدر الإمكان من وضعه بتعلم اللغة البلغارية والبحث عن عمل. لكن من دون تصريح إقامة ساري المفعول، يتساءل الشاب إن كانت المسألة مسألة وقت ويصبح هو الآخر هدف للترحيل.

 

تم تغيير أسماء الأشخاص الواردة في هذه القصة لحماية هويتهم.

أنتج هذا التحقيق بدعم من منحة من صندوق IJ4EU. ولا يتحمل المعهد الدولي للصحافة (IPI) والمركز الأوروبي للصحافة (EJC) وأي شركاء آخرون في صندوق IJ4EU مسؤولية المحتوى المنشور أو أي استخدام له.

شارك هذا المقال