10 دقائق قراءة

“بيئة طاردة”: كيف تعيد إسرائيل تشكيل الحياة قرب خط الفصل في جنوب سوريا؟

لا تظهر حتى الآن موجة نزوح جماعية واسعة من قرى جنوب سوريا القريبة من الجولان المحتل، لكن التوغلات والممارسات الإسرائيلية تصنع بحسب سكان وصحفيون محليون "بيئة طاردة"، تدفع الأهالي إلى تقليص حركتهم، وتجميد الإعمار والاستثمار، وربما التفكير بالرحيل إن توفرت لهم بدائل.


4 يونيو 2026

باريس – من أعلى سطح منزل أحد أصدقائه في قرية جباثا الخشب بريف القنيطرة الشمالي، يراقب أبو صدام أرضه من بعيد. منذ نحو عامين، لم يعد قادراً على الاقتراب من أرضه البالغة مساحتها 10 دونمات، والتي زرعها قبل 24 عاماً بالزيتون والكرز والخوخ والعنب، بعدما جرفتها القوات الإسرائيلية، في أيار/ مايو 2024، وصارت خلف الخندق الذي بنته إسرائيل على طول الحدود ضمن ما يعرف بـ”طريق سوفا 53″ العسكري.

قبل ذلك بشهر، اعتقلت القوات الإسرائيلية نفسها نجله صدام، البالغ من العمر 17 عاماً آنذاك، والذي لا يزال محتجزاً حتى اليوم.

بعد تجريف أرضه وتعذر الوصول إليها، حاول أبو صدام، ابن بلدة جباثا الخشب تعويض خسارته باستئجار نحو 40 دونماً، وزراعتها بمحصول البيقيا العلفية، أملاً في تأمين مصدر دخل بديل. لكن المبيدات الزراعية الإسرائيلية، التي رشتها الطائرات الإسرائيلية، مطلع العام الحالي، ألحقت الضرر بمظعم المساحة المزروعة، إذ لم يتمكن إلا من حصاد قرابة 4 دونمات من أصل 40 دونماً، فيما تلف الباقي.

منذ سقوط نظام الأسد البائد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، تحولت قرى القنيطرة وغرب درعا القريبة من خط الفصل (فض الاشتباك وفقاً لاتفاقية 1974 بين سوريا وإسرائيل) مع الاحتلال الإسرائيلي إلى مساحة “ضغط” يومي: توغلات، مداهمات، اعتقالات، تجريف للأراضي الزراعية، نشر للحواجز، منع مزارعين ورعاة من الوصول إلى الحقول والمراعي، إضافة إلى عمليات القصف وإطلاق النار، ورش المبيدات الزراعية وغيرها.

وبينما لا تظهر حتى الآن موجة نزوح جماعية واسعة من هذه المناطق، يحاول الأهالي التشبث بأرضهم. يقول سكان وصحفيون محليون إن ما تقوم به إسرائيل يصنع “بيئة طاردة” تدفع الناس إلى تقليص حركتهم، وتجميد الإعمار والاستثمار، أو التفكير بالرحيل إن توفرت لهم بدائل.

وتختصر قصة أبو صدام المشهد الحدودي الجديد، الذي تحاول إسرائيل صناعته، فبحسب مركز سجل، المتخصص بتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية في سوريا، شهد آذار/ مارس الماضي، أعلى حصيلة انتهاكات منذ بداية العام، بواقع 321 انتهاكاً، تلاه نيسان/ أبريل بـ 254 انتهاكاً، مع ارتفاع لافت في التوغلات البرية من 56 إلى 76 عملية في محافظات درعا والقنيطرة وريف دمشق الغربي. وتتركز معظم هذه الانتهاكات في القنيطرة، حيث وثق المركز 213 انتهاكاً في نيسان وحده، بحسب آلاء الحجي، صحفية وباحثة في مركز سجل.

“لا نستطيع الوصول إلى أرضنا”

بالنسبة لكثير من سكان القرى الحدودية في ريفي درعا والقنيطرة، لم تعد الأرض مصدر رزق فقط، بل تحولت إلى مساحة خطر، فالدوريات والحواجز الإسرائيلية توقف الرعاة والفلاحين، وتخضعهم لعمليات تفتيش أو احتجاز مؤقت، جعلت الوصول إلى الحقول والمراعي القريبة من خط الفصل قراراً محفوفاً بالخوف.

يعتمد اقتصاد الأهالي في القنيطرة بشكل أساسي على الرعي وتربية المواشي والزراعة المحدودة، و “هي قطاعات باتت تحت الضغط المباشر الإسرائيلي”، بحسب مالك أبو عبيدة، صحفي من ريف درعا، يغطي الانتهاكات الإسرائيلية في جنوب سوريا.

“كلما اقترب الرعاة من النقاط الإسرائيلية أو المناطق الحدودية، يتعرضون للاحتجاز المؤقت، كما تتعرض المواشي أحياناً للمصادرة أو الاستهداف”، قال أبو عبيدة لـ”سوريا على طول”. مضيفاً “مناطق رعوية كثيرة صارت خارج الخدمة بسبب منع القوات الإسرائيلية لأصحابها من الوصول إليها”.

وفي وادي اليرموك بريف درعا الغربي، حيث يعتمد الأهالي على الزراعة الباكورية، يتكرر المشهد نفسه، إذ أجبر الكثير من المزارعين على ترك محاصيلهم وخلايا النحل في الأرض، بعدما منعتهم القوات الإسرائيلية من الوصول إليها، وفق أبو عبيدة.

ومؤخراً، اتسعت أنماط التضييق التي يتبعها الجيش الإسرائيلي في وادي اليرموك، الذي شهد تصعيداً لافتاً في الانتهاكات الإسرائيلية ، كما أكد صحفيان من أبناء المنطقة تحدثت إليهما “سوريا على طول” لغرض إنتاج هذه المادة.

وفاقمت الممارسات الإسرائيلية من تردي الحالة الاقتصادية للأهالي، ووضعت المزارعين والرعاة في صدارة المتضررين. “المزارعون ورعاة المواشي هم الفئة الأكثر استهدافاً، لأن عملهم اليومي يضعهم في تماس مباشر مع الأراضي الأقرب إلى خط الفصل”، قال صحفي مقيم في حوض اليرموك بريف درعا الغربي، طلب من “سوريا على طول”، عدم كشف هويته لأسباب أمنية، مضيفاً “لا نستطيع الوصول إلى أرضنا”.

ومع بدء موسم الحصاد هذا العام، يضاف خطر الحرائق إلى قائمة مخاوف سكان منطقة خط الاشتباك، نتيجة عمليات القصف بالقذائف والقنابل الضوئية على الحقول الزراعية والرعوية، التي تقوم بها القوات الإسرائيلية بشكل شبه يومي، وهو ما يثير خشية الأهالي من اندلاع حرائق واسعة، بحسب الصحفي من حوض اليرموك. 

وتزداد المخاطر مع صعوبة وصول فرق الدفاع المدني إلى هذه المناطق الحساسة، الذي يتطلب تنسيقاً مع قوات الأمم المتحدة المنتشرة في المنطقة، التي تنسق بدورها مع الجانب الإسرائيلي.

وفي مؤشر على محاولة احتواء جزء من هذه المخاطر، عقد اتحاد الفلاحين في القنيطرة اجتماعاً مع وفد من قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (أندوف)، بهدف تنسيق وصول الفلاحين إلى أراضيهم خلال فترة الحصاد، عبر رفع قوائم بأسماء الفلاحين إلى القوات الأممية، التي تنسق بدورها مع الجانب الإسرائيلي.

حياة تحت التوغلات والتفتيش

تحولت التوغلات الإسرائيلية إلى مشهد اعتيادي في الحياة اليومية للسكان، والتي غالباً ما يترافق معها انتشار دوريات إسرائيلية أمام المنازل أو قطع للطريق، أو حتى تفتيش المارة وهواتفهم المحمولة، وإجراء استبيانات منظمة عن الأفراد والأقارب والعمل وآراء الناس بالوجود الإسرائيلي.

وقال صحفي مقيم في ريف القنيطرة، طلب من “سوريا على طول” عدم كشف هويته لأسباب أمنية، أن التوغلات الإسرائيلية مستمرة، لافتاً إلى أن دورية إسرائيلية كانت قد مرت أمام منزله قبل وقت قصير من حديثه. وأوضح إلى أنه يصعب توثيق كل الانتهاكات الإسرائيلية لأن “جزءاً من هذه الانتهاكات تتم ليلاً” أو بسبب خشية الأهالي الإبلاغ والتصوير، مضيفاً أن “الخوف ازداد مؤخراً إلى درجة أن بعض السكان باتوا يترددون في الحديث عن إسرائيل أو حمل هواتفهم أثناء التنقل”.

ولا يرتبط هذا الخوف بالتوغلات وحدها، بل بطريقة الاحتكاك المباشر مع المدنيين، إذ يخشى الأهالي من عمليات تفتيش الهواتف المحمولة وإجبارهم على التقاط صور لهم ولوثائقهم الشخصية، لذا يضطر البعض إلى “تغيير الطريق لتجنب المرور على الحواجز والدوريات الإسرائيلية، لأن مجرد المرور يعني تفتيش وأسئلة طويلة وخوف من الاختطاف”، وفقاً للمصدر نفسه.

في بلدة جباثا الخشب، يصف أحمد أبو علي صحفي مقيم في البلدة، الوضع الأمني بأنه “سيء جداً، لأن القوات الإسرائيلية قد تدخل في أي لحظة إلى البلدة”، مشيراً إلى أن وتيرة الانتهاكات الإسرائيلية ازدادت خلال الأسابيع الأخيرة، لاسيما في القطاع الجنوبي من ريف القنيطرة.

وقال أبو علي أن “التدخل الإسرائيلي بالمنطقة يجعل الحركة اليومية حتى الذهاب للمدارس أو العمل صعبة ومرتبطة باحتمال التوقيف والمساءلة”.

وفي ريف درعا الغربي، على الرغم من أن الحواجز ونقاط التفتيش الإسرائيلية قد تنتشر لساعات قصيرة خارج قواعدها العسكرية، إلا أنها كافية لتغيير مسارات السكان، “فبمجرد رؤية حاجز أو دورية قد يختار الأهالي طريقاً أطول أو يؤجلون خروجهم”، قال الصحفي من حوض اليرموك، مضيفاً “أكثر ما يزعج الناس تفتيش هواتفهم الشخصية بما تحمله من تفاصيل الحياة الشخصية والصور والمحادثات”.

وعلى الرغم من هذا الضغط الإسرائيلي على تفاصيل الحياة اليومية، فإن معظم السكان ما يزالون في بيوتهم، لكنهم يعيشون تحت ضغط دائم، “لم تتأقلم أو تعتاد الناس وجودهم، لكنهم [الوجود الإسرائيلي داخل الأراضي السورية] أمر واقع”، بحسب المصدر نفسه.

“بيئة طاردة”

رغم تصاعد التوغلات والمداهمات الإسرائيلية في ريفي درعا والقنيطرة، لم تشهد المنطقة نزوحاً جماعياً واسعاً من القرى الحدودية حتى الآن، إذ ما زال معظم السكان في بيوتهم أو يحاولون البقاء فيها، رغم التضييق والواقع العسكري الذي تفرضه القوات الإسرائيلية.

ووفقاً لما أكده أربعة من المصادر الذين تحدثت إليهم “سوريا على طول”، فإن عدد محدود من العائلات غادرت القرى الواقعة على طول خط الاشتباك، وبعضهم غادر المنطقة بعد هدم القوات الإسرائيلية منزلهم.

وقالت آلاء الحجي، الباحثة في مركز سجل، أن “المركز لم يوثق أي موجة نزوح جماعية واسعة النطاق” من محافظة القنيطرة، باستثناء العائلات التي “أخرجتها القوات الإسرائيلية من منازلها في قرية الحميدية في 9 كانون الأول/ ديسمبر 2024، قبل أن تهدم منازلها البالغ عددها 16 منزلاً في حزيران/ يونيو 2025”.

مع ذلك، أشارت الحجي إلى مؤشرات ميدانية مقلقة، بينها “عزوف بعض المزارعين والرعاة عن الوصول إلى أراض معينة، وتراجع النشاط الزراعي في مناطق قريبة من خط الاشتباك”، معتبرة أن استمرار الانتهاكات بوتيرتها الحالية “قد يدفع السكان إلى التفكير بمغادرة المناطق الأكثر تعرضا للخطر”.

في السياق ذاته، قال الصحفي المقيم في ريف القنيطرة، أن بعض القرى الأمامية على خط الاشتباك، مثل: القحطانية وبريقة وبئر عجم “شبه فارغة من السكان”، مشيراً إلى أن جزءاً من سكانها لم يعودوا إليها أو فضلوا البقاء في دمشق ومحطيها أو خارج البلاد بعد سقوط النظام البائد، رابطاً ذلك بالوجود الإسرائيلي بالدرجة الاولى.

بدوره، قال الصحفي مالك أبو عبيدة: “الناس ما تزال في منازلها رغم المضايقات الإسرائيلية لأنهم لا يملكون بدائل متاحة، فالإيجارات في دمشق ودرعا مرتفعة”. مضيفاً “أهالي المنطقة يعتمدون على ما يزرعونه أو على منتجات مواشيهم بشكل أساسي”.

وأضاف: “هناك تذمر واضح واستياء من التوغلات والمضايقات لدى الأهالي، ويرون أن مستقبلهم مقلق ومظلم، لكنهم لا يملكون خيار آخر يذهبون إليه”.

غير أن ثبات السكان في بيوتهم، يقابله تثبيت الوجود العسكري الإسرائيلي في المنطقة، إذ أنشأت إسرائيل بعد سقوط النظام البائد، تسع نقاط عسكرية داخل الأراضي السورية، تمتد من جبل الشيخ شمالاً وحتى حوض اليرموك جنوباً، مجهزة بسواتر ترابية وعتاد عسكري ومعدات ثقيلة، بما يشير إلى أن طبيعة هذا الوجود العسكري قد تكون أقرب إلى الديمومة منها الى التوغل المؤقت.

“تبدو القواعد الإسرائيلية دائمة، لاسيما بعد شق الطرق وتركيب أعمدة الإنارة ومهابط المروحيات، وهي محاولة لفرض أمر واقع جديد”، وقال الصحفي أبو عبيدة.

وتثير هذه النقاط قلق الأهالي، لاسيما وأنها تعيد رسم شكل المنطقة والحدود، إضافة إلى أن إسرائيل باتت تستخدمها كنقاط ارتكاز لعمليات التوغل والتوسع وقضم الأراضي، في إطار ما يعرف بمشروع “طريق سوفا 53” على طول الحدود، وهو مشروع هندسي عسكري إسرائيلي، بدأت إسرائيل تنفيذه في ريف القنيطرة في العام 2022، يهدف إلى شق طريق عسكري بعرض ثمانية أمتار، محصن بسواتر ترابية يبلغ ارتفاعها خمسة أمتار، ومزود بنقاط مراقبة وخنادق على طول مساره الممتد في المنطقة العازلة.

ولا ينفصل هذا القلق عن تصاعد الدعوات الاستيطانية الإسرائيلية، ففي 17 أيار/ مايو الماضي، أعلن الجيش الإسرائيلي إعادة عشرة مدنيين إسرائيليين اجتازوا الحدود إلى داخل الأراضي السورية، ينتمون لمجموعة “متطرفة” تعرف باسم “رواد الباشان”. وسبق أن حاول مجموعة من المستوطنين الإسرائيليين، في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، عبور الحدود عند نقطتين في جبل الشيخ وبئر عجم بريف القنيطرة.

وتترك الممارسات الإسرائيلية هذه آثاراً مباشرة على الحياة اليومية للسكان، من قبيل: “تقييد حركة الرعاة والمزارعين، ومنعهم من الوصول إلى الأراضي، وخسائر اقتصادية نتجية استهداف المواشي ومنع استثمار الأراضي، وبالتالي تراجع الأنشطة الزراعية والرعوية التي تشكل مصدر أساسي للدخل”، قالت الحجي.

وتساهم هذه الآثار بحسب الحجي في “خلق بيئة طاردة للسكان، خصوصاً عندما تترافق مع منع الوصول للأراضي ومصادر الرزق”.

في المقابل، يتمسك كثير من الأهالي بالبقاء، ليس فقط لغياب البدائل، بل أيضاً خشية أن يؤدي خروجهم إلى خسارة الأرض نهائياً. إذ “يلجأ بعض أصحاب البيوت في القرى القريبة من النقاط الإسرائيلية إلى منح منازلهم الفارغة لأي عائلة تبحث عن سكن، حتى دون إيجار، كي لا تبقى فارغة وتصبح عرضة للمصادرة أو الهدم من القوات الإسرائيلية”، قال الصحفي المقيم في حوض اليرموك. معتبراً أن “البقاء بات شكل من أشكال حماية الملكية”.

لكن هذا التمسك، لا يلغي الخوف والقلق لدى السكان، فبينما يأمل البعض أن يؤدي توقيع اتفاق بين الحكومة السورية وإسرائيل الى إعادة الأخيرة لمواقعها السابقة، يخشى آخرون أن تتحول النقاط العسكرية والطرق الجديدة إلى واقع طويل الأمد.

بين الضغط وغياب التثبيت

لا يجمع السكان والصحفيون على تفسير واحد للهدف الإسرائيلي من تكثيف التوغلات والمداهمات وتثبيت النقاط العسكرية في القنيطرة ودرعا، فبينما يرى البعض أنها محاولة لدفع الناس تدريجياً إلى ترك الأرض، يقرأها آخرون بوصفها ورقة ضغط على الحكومة السورية في سياق التفاوض والترتيبات الأمنية جنوب البلاد.

من وجهة نظر الصحفي مالك أبو عبيدة، فإن الزيادة الأخيرة المضايقات الإسرائيلية للسكان، تتعلق بـ”عودة الحديث عن استكمال المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، وهي تأتي في إطار محاولات الأخيرة الضغط على دمشق لتقديم تنازلات أكبر”، إذ لا تنفصل الممارسات الإسرائيلية عن مسار سياسي أوسع، بل “تعد جزءاً من أدوات الضغط الميداني، فكلما تعقد التفاوض أو ارتفعت المطالب الإسرائيلية، يزداد الضغط على السكان في القرى الحدودية”.

يتقاطع هذا التفسير جزئياً مع ما قاله أبو صدام، من سكان جباثا الخشب، الذي لا يعتقد أن إسرائيل تريد إخلاء المنطقة مباشرة من سكانها، بقدر ما تريد “دفع الأهالي إلى الضغط على حكومتهم، كوسيلة لفرض اتفاق أو ترتيب أمني معين”. مضيفاً “طبيعة الأسئلة والاستبيانات التي تجريها إسرائيل في المنطقة تشير إلى أنها لا تريد إخلاء المنطقة، بل تريد أن يأخذ الجيش والأمن السوري دوره في ضبط الحدود والمنطقة”.

في المقابل، ذهب الصحفي أبو علي، إلى أن ما يجري “أسلوب وسياسة استعمار، تهدف إلى أن يتململ الناس ويتركون أرضهم”، إلا أن “السكان لا يملكون مكاناً آخر، ووصلوا إلى حالة تعايش قسري مع الواقع”.

في السياق ذاته، قال أبو عبيدة أن العملية الإسرائيلية على طول الخط تجري على مراحل متتابعة، بدأت، بحسبه، بتدمر السلاح الثقيل للجيش السوري في المنطقة على طول الحدود، ومن ثم تثبيت الثكنات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، ولاحقاً تفتيش السكان وملاحقة من تعتبرهم إسرائيل خطراً، ومصادرة الأسلحة الفردية، وصولاً محاولة “تطبيع” الوجود الإسرائيلي اليومي مع الأهالي.

وتسبب الوجود الإسرائيلي في تعطيل قرارات الإعمار والاستثمار في القرى القريبة من خط الفصل، إذ أن “وجودهم شل الحركة الاقتصادية، فلا أحد يشتري أرضاً في منطقة مجهولة المصير، ولا أحد يطمئن لترميم أو بناء منزل أو ضخ أموال لمشروع تجاري”، قال أبو صدام.

وقال الصحفي أبو علي، “في جباثا الخشب تكاد تكون عملية الإعمار والبناء معدومة، والجميع ينتظر أن يتضح مصير المنطقة”.

بالمقابل، تبدو استجابة الحكومة السورية أمنية أكثر من كونها خدمية، عبر الحواجز والتدقيق على القادمين من دمشق إلى القنيطرة وملاحقة الخلايا المرتبطة بحزب الله والنظام البائد، بحسب أبو علي. مشيراً إلى أن “الحكومة نجحت في ضبط الوضع الأمني نسبياً، لكن هذا الحضور الأمني للحكومة لا ينعكس على الأهالي، الذين يريدون دعماً اجتماعياً واقتصادياً”.

واشتكى أبو صدام، من “غياب دعم صمود السكان، وتعويض المزارعين والرعاة، ومساعدة عائلات المعتقلين، وتشجيع الإعمار وتأمين الخدمات”. وهو أيضاً ما أكده الصحفي المقيم في ريف القنيطرة، قائلاً “القنيطرة لا تدار إدارياً بقدر ما تدار أمنياً”، لافتاً إلى أن محافظ القنيطرة الحالي غسان إلياس السيد أحمد، الذي عُين الشهر الماضي، يعقد اجتماعاته ويعمل من دمشق، بعد استهداف إسرائيل للمحافظ السابق أحمد دالاتي، مرتين بضربات تحذيرية أثناء عمله في القنيطرة.

وحاولت “سوريا على طول” الحصول على تعليق رسمي من محافظة القنيطرة حول الإجراءات المتخذة من قبل الحكومة السورية لدعم سكان القرى الحدودية، وتعويض المتضررين، وضمان وصول الفلاحين والرعاة إلى أراضيهم، لكنها لم تتلقَ رداً حتى لحظة نشر التقرير.

ويرتبط ضعف الاستجابة الحكومية، بـ”ضعف إمكانيات المؤسسات الحكومية بعد سقوط النظام”، بحسب الصحفي من حوض اليرموك. مشيراً إلى أن المؤسسات نفذت أعمال خدمية محدودة في بعض المناطق على طول الشريط الحدودي، إضافة إلى عرقلة القوات الإسرائيلية لعمل الكوادر الحكومية في هذه المناطق.

بالنسبة لمركز سجل، يحتاج الأهالي اليوم إلى أكثر من توثيق الانتهاكات الإسرائيلية وبيانات الإدانة. وقالت الحجي، المطلوب: “تعزيز الحضور الخدمي، ودعم قطاع الزراعة والثروة الحيوانية، وتعويض المتضررين من الاعتداءات والخسائر الاقتصادية، إضافة إلى آليات توثيق ومتابعة قانونية وتواصل منتظم مع المجتمعات المحلية”.

وحتى الآن لا يظهر الخطر في القنيطرة وغرب درعا على شكل نزوح وتهجير واسع ومباشر، بل تآكل في شروط البقاء نفسها، فالأرض موجودة لكن الوصول إليها لم يعد مضموناً، وترميم المنازل والإعمار مؤجل، والحياة معلقة على اتفاق أمني لم يولد بعد.

شارك هذا المقال