تحديات وثوابت في خضم العملية الانتقالية: المرأة السورية ودورها في صناعة السلام
تواجه المرأة السورية اليوم تحديات جسيمة على عدة مستويات، تسعى لتذليلها بغية تعزيز مشاركتها في صناعة السلام بعد النزاع، والمساهمة في تحقيق تغييرات جوهرية لصالحها في أول دستور دائم للبلاد
4 ديسمبر 2025
تواجه المرأة السورية اليوم تحديات جسيمة على عدة مستويات، تسعى لتذليلها بغية تعزيز مشاركتها في صناعة السلام بعد النزاع، والمساهمة في تحقيق تغييرات جوهرية لصالحها في أول دستور دائم للبلاد بعد سقوط نظام الأسد في مثل هذه الأيام من العام الماضي.
وفي ظل الحالة الضبابية التي ترافق أي تغيير هائل، برزت في سوريا أصوات نسائية تبنت نهجاً واضحاً، يسعى إلى بناء الجسور بين مختلف الأطراف، الذي يؤدي بدوره إلى تحقيق سلام مستدام بين جميع أطياف الشعب السوري.
“التصحيح من القاعدة”
كان صوت الناشطة هنادي زحلوط، واحداً من هذه الأصوات، التي تبنت خطاباً وطنياً وصفته بـ “صوت ضمير خارج من موقع جحيمي”، على حدّ قولها.
اعتقلت زحلوط ثلاث مرات لمشاركتها في الحراك السلمي، إحداها في الرابع من آب/ أغسطس 2011، عندما داهمت قوات الأمن مطعماً في جرمانا كانت متواجدةً فيه رفقة عدد من أصدقائها، وبقيت لمدة أربعة أشهر، قضت شهرين منها في فرع الأمن السياسي، وشهرين آخرين في سجن النساء بعدرا.
وفي 16 شباط/ فبراير 2012، اعتقلت مرة أخرى أثناء مداهمة قوات الأمن للمركز السوري للإعلام وحرية التعبير واعتقالِ أعضائه السبعة، بالإضافة إلى هنادي التي كانت موجودة فيه آنذاك، ومثلت أمام المحكمة العسكرية بدمشق في نيسان/ أبريل، وأفرج عنها في منتصف أيار/ مايو من ذلك العام. وتعدّ زحلوط أول امرأة من الطائفة العلوية يتم اعتقالها وإحالتها إلى القضاء علناً.
بعد الإفراج عنها، انتقلت زحلوط للعيش في جنوب فرنسا، وقد شاركت في عدد من الفعاليات السياسية والثقافية، وحصلت على (جائزة المدافعين عن حقوق الإنسان) من وزارة الخارجية الأمريكية في عام 2013.
مع سقوط النظام في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر، عبّرت زحلوط عن آمالها وهواجسها أيضاً، حالها حال العديد من السوريين والسوريات.
في أحداث الساحل الدامية، التي وقعت في آذار/ مارس، قضى أشقاء زحلوط الثلاثة: أحمد وعبد المحسن وعلي، وهم من أصل 1400 شخص قتلوا، معظمهم من المدنيين، بحسب تقرير لجنة الأمم المتحدة، الصادر في آب/ أغسطس الماضي.
رغم مصابها بفقدان إخوانها والعديد من معارفها في اللاذقية، التي تنحدر منها، حافظت زحلوط على قوتها، وعبّرت عن وقوفها ضد كلّ من يقصي الآخر عموماً، ويسعى إلى تهميش النساء خصوصاً، مؤكدة على أن تجاوز تهميش النساء يتجسد بـ”تصحيح الوضع من القاعدة، عبر إبراز دورهنّ في العمل والاقتصاد والتعليم، ويمكن تحقيق كل ذلك عبر النضال السلمي”، برأيها.
أما عن دورها في صناعة السلام، فتراه يتجسد في “كبح وفرملة خطاب الكراهية بين المكونات السورية”، من خلال: “تعزيز مسار العدالة الانتقالية والعمل على المطالبة بها، لأن ذلك يخفف من الأحقاد”، كما قالت.
“لم الشتات”
تتفق الإعلامية دانة سقباني مع زحلوط حول أهمية دور المرأة في بناء السلام، سواء خلال النزاعات أو بعد انتهائها.
فور سقوط النظام، عادت سقباني من غازي عنتاب التركية إلى مسقط رأسها دمشق، لتعمل مذيعة في قناة الإخبارية السورية، وكانت قد عملت في ميدان الصحافة وتقديم البرامج والتعليق الصوتي في المنفى. إذ عملت لدى إذاعة “حارة” وتلفزيون “حلب اليوم”، كما أعدت وقدمت بودكاست “أثر” لدى منظمة أبجد.
ومن خلال عملها الجديد، أصبحت سقباني تركز على قضايا تتصل بالوحدة الوطنية، وفض النزاعات، والحد من الانقسام عبر مناقشة وجهات نظر مختلفة، مع طرح مواضيع تتصل بمعاناة الشعب السوري.
ترى سقباني أن هناك تحديات كبيرة تعترض المرأة السورية، بينما تعيش البلاد مرحلة “لم الشتات” بعد مرحلة “الحرب والنزوح والاغتراب” على حد وصفها.
وإيماناً منها بدور المرأة، رُشحت سقباني للجنة الناخبة لأعضاء مجلس الشعب، معتبرة ذلك “واجباً وطنياً”، لكنها استُبعدت من القائمة الأولى للمرشحين بذريعة العمل على خلق توازن في التوزع الجغرافي.
انتهت العملية الانتخابية بوصول ست نساء فقط إلى مجلس الشعب، أي أن نسبتهنّ لا تتجاوز أربعة بالمئة فحسب، وما يزال هناك فرصة لغيرهنّ بالوصول إلى قبة البرلمان ضمن نسبة الثلث، التي سيختارها الرئيس السوري أحمد الشرع.
قالت سقباني إن عملية التوزيع الجغرافي لم تسفر عن وصول أي امرأة إلى المجلس من دائرة دمشق الانتخابية، التي استُبعدت من قائمتها الأولى. بعد هذه التجربة، رأت أن السوريات بحاجة “لتجربة سياسية عميقة”، نظراً لمعاناتهنّ من تهميش مستمر حتى الآن بسبب “العقلية الذكورية المتجذّرة في الثقافة المجتمعية”.
ومع ذلك، لم تتوقف سقباني عن السعي لبناء السلام، معتبرة أن عملها الإعلامي عبر برنامجها الصباحي إشراقة سورية، الذي تناقش فيه “مستقبل سوريا والسوريين”، قد يحدث تأثيراً كبيراً في المجتمع، خاصة إذا ترافق مع مطالبة الإعلام للجهات المعنية بتغيير السلبيات في واقع الشعب السوري.
من جهتها، بدأت ستير قاسم مسيرتها في العمل المدني، منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، مركّزةً على دعم دور النساء في بناء السلام.
قالت قاسم إن فكرة تأسيس “شبكة قائدات السلام” في القامشلي، شمال شرقي سوريا، كواحدة من منظمات المجتمع المدني المحلية التي تعنى بتفعيل دور المرأة في هذا المجال، كانت تراودها منذ سنوات طويلة، لكنها لم تتحقق إلا مع التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد بعد الثورة.
شبكة قائدات السلام هي تحالف نسوي يضم مجموعة من منظمات المجتمع المدني وممثلات عن الأحزاب السياسية وناشطات مستقلات من مختلف المكونات، وتهدف إلى تمكين المرأة إدارياً وسياسياً لتلعب دورها الفاعل في المجتمع ولتعزيزٍ مشاركتها في مفاوضات السلام الخاصة بسوريا استناداً للقرار الأممي 1325 الخاص بالمرأة والسلام والأمن، وتعزيز دورها في نشر ثقافة السلم والتآخي بين الشعوب في سوريا، كما تسعى لبناء مجتمع ديمقراطي تسوده قيم المساواة والعدالة.
نشأت قاسم في أسرة تؤمن بحقوق النساء وتشجّعهن على النضال، وكانت قصص النساء الكرديات اللواتي تصدرن جهود المصالحة بين العشائر المتنازعة خلال عقود مضت، حاضرة في وجدانها منذ الصغر.
بعد اندلاع الثورة السورية، تأسست شبكة قائدات السلام على مبدأ التنوع ضمن فضاء المجتمع المدني، لتضم نساءً من مختلف المكوّنات السورية: الكردية والعربية والسريانية وغيرها، وتعمل في مناطق شمال وشرق سوريا بالتعاون مع المنظمات المحلية، واليوم تضم الشبكة نساءً من مختلف أنحاء البلد.
وأوضحت قاسم أن الشبكة لا تتعامل مع النساء بمنطق الإرشاد المباشر: “بل نسعى لأن يكون عملنا نفسه رسالة تشجيع”.
“أنا فخورة بكل النساء السوريات اللواتي واصلن نضالهن رغم الألم والدمار، الظروف لم تكسرهن، بل زادت إصرارهن على المضي نحو سوريا التي يحلمن بها: سوريا السلام والكرامة والعدالة والمساواة:، أضافت قاسم.
هل من إطار قانوني يغير واقع المرأة؟
يؤكد قرار مجلس الأمن 1325 لعام 2000، على “الدور الهام للمرأة في منع الصراعات وحلها وفي بناء السلام”، مشدداً على “أهمية مساهمتها المتكافئة ومشاركتها الكاملة في جميع الجهود الرامية إلى حفظ السلام والأمن وتعزيزهما، وعلى ضرورة زيادة دورها في صنع القرار المتعلق بمنع الصراعات وحلها”.
يمكن أن يشكّل هذا القرار إطاراً عملياً لدعم مشاركة النساء في مسارات الحقيقة والمصالحة وجبر الضرر، مع ضرورة مراجعة القوانين الوطنية، خاصة قانون الأحوال الشخصية، وفقاً للمحامية مريم العلي.
واستنكرت العلي استمرار إقصاء النساء في سوريا رغم تضحياتهنّ، معتبرة أن القوانين تمييزية والإرادة السياسية غائبة.
وأوضحت أن جهود منظمات المجتمع المدني لتفعيل القرار 1325 بقيت محدودة بسبب الانقسامات السياسية وضعف الرغبة المحلية والدولية. كما أن فكرة مشاركة النساء في عمليات السلام ما تزال غريبة على المجتمع السوري المحافظ، رغم أن التجربة أثبتت كفاءة النساء خصوصاً في العمل الإنساني.
وضربت العلي العديد من الأمثلة على القوانين التمييزية التي تعيق دور النساء، ومنها: منع الأم من منح جنسيتها لأطفالها، وجود مواد تمييزية في قانون الأحوال الشخصية، تقييد حرية التنقل، بما في ذلك تقييد حرية تنقّل الأم مع أطفالها بعد الطلاق عندما تُشترط موافقة الأب أو ولي الأمر للسفر أو التنقّل بالأطفال.
وجود مواد قانونية تتعلق بجرائم الشرف، عدم تجريم الاغتصاب الزوجي، القيود على عمل النساء ليلاً، وضعف الكوتا النسائية.
وشددت العلي على ضرورة مواءمة القوانين السورية مع اتفاقية سيداو، واعتماد خطة وطنية لتنفيذ القرار 1325، معتبرة أن السلام الحقيقي لا يتحقق من دون عدالة جندرية. ورأت أن مستقبل القرار في سوريا يعتمد على الاعتراف الرسمي بدور النساء، وإنشاء هيئات داعمة، مع الاستفادة من تجارب الدول الأخرى.
تجارب نسائية ناجحة في صناعة السلام
شاركت المرأة عبر التاريخ في بناء السلام، وهناك نماذج عديدة، كما هو الحال خلال الحرب الأهلية الليبيرية، إذ نظمت النساء حركة عابرة للطوائف عملت على إنهاء النزاع في عام 2003.
وللنساء دور بنيوي في إعادة الإعمار عبر مبادرات المصالحة المجتمعية، كما حدث في نيجيريا حيث شاركت المنظمات النسائية بالمفاوضات لإعادة الأطفال الذين اختطفتهم جماعة بوكو حرام، إلى جانب مشاركة النساء في مجموعات الحراسة المحلية.
وتجسد ذلك أيضاً في رواندا بعد الإبادة، عندما أسهمت المنظمات النسائية بإعادة بناء المجتمع، وهذه التجربة هي أفضل تجربة نسائية في العدالة الانتقالية على مستوى العالم، من وجهة نظر الكاتبة سلوى زكزك، مشيرة إلى أن أهم دور يمكن أن تلعبه النساء السوريات خلال المرحلة الانتقالية يتمثل بالمشاركة في رسم السياسات العامة.
ولكن حتى يتعزز دور المرأة في بناء السلام بعد النزاعات، يجب الخروج بسياسات تشجع على المساواة بين الجنسين مع ضمان مشاركة المرأة في صناعة القرار، إضافة إلى تأمين التدريب والموارد للرائدات من النساء ما يعزز قدراتهنّ في مجال المشاركة الفاعلة ضمن تلك السياقات.
تتفق كل من زحلوط وسقباني وقاسم على ضرورة دعم النساء لبعضهن، لأن النجاح كما قالت قاسم: “لا يتحقق بامرأة واحدة، بل بمنظومة متعاونة تؤمن بالرسالة نفسها”، مضيفة: “نحن نصنع السلام في كل خطوة… في كل فعالية نقيمها، وفي كل جهدٍ نبذله، نحن نبني لبنة تلو أخرى في جدار السلام، لذلك نحن لا نتلقاه جاهزاً، بل نصنعه بأيدينا، ولهذا نحافظ عليه بكل ما أوتينا من قوة”.
تم إعداد هذا التقرير ضمن مشروع ينفذه المركز السوري للإعلام وحرية التعبير بدعم من منظمة اليونسكو، وبإشراف الأستاذة ميس قات. يعبّر التقرير عن رأي الكاتب/ـة فقط.
